«الأمْركة».. الأمان والرعب / خالد عمر بن ققه

في كثير من المحطات الرئيسية المتعلقة بمصير الدول الراهنة لجهة الإعلان ـ تصريحاً أو تلميحاً ـ عن قوتها أو ضعفها، تبدو الولايات المتحدة الأمريكية هي الآمر والناهي، وبغض النظر عن شرعية ذلك من عدمه، فهي تَصْنع الأحداث، وتُصِّنع القادة أيضاً، وهناك من يأتيها طوعاً دون طلب منها، لدرجة أن صُنَّاع القرار الأمريكيين المدنيين والعسكريين يبدون في حالة من الدهشة والاستغراب، وخير مثال على ذلك الحالة العربية في الحرب ـ كما حصل في العراق وسوريا تحديداً ـ وفي السلم ـ الحائل دون وقوع الحرب بدفع تكليف الحماية الوهمية.

هنا علينا الإقرار بأن الولايات المتحدة الأمريكية هي المُتحكمة في مصير العالم، وبالرغم من ظلمها لنا على مستوى الدول العربية، حتى عندما ادعى بعض قادتها إسهامهم في تغيير المنطقة، فإن هناك تعلُّقاً مرضيّاً بها يرقى إلى مستوى «المازوشية»، فنحن نرحل إليها كل يوم (سياسيون ـ حكام ومعارضون ـ رجال أعمال، عناصر إرهابية، دعاة وأئمة مساجد، طلبة، باحثون عن العلم، وعن العدالة، وعن العمل، وعن الحرية بكل أنواعها).

إليها نشد الرحال كل يوم أفراداً وجماعات، حتى إن بعضنا يسعى من أجل أن يكون أبناؤه في المستقبل حاملين للجنسية الأمريكية، لذلك يعمل جاهداً من أجل أن تلد زوجته هناك رغم مخاطر التنقل على المرأة الحامل.

إذن، علينا الإعلان عما في الصدور، لأن ذلك سيريحنا، ويخرجنا من كراهيّة ظاهرة إلى حبٍّ في بعده الإنساني، ندرك من خلاله أن هناك نقائص في السلوك البشري، وفي القناعات والمبادئ، ومنها الديمقراطية، وسيتم تصحيح ذلك، كما نرى اليوم في التجربة الأمريكية الراهنة، التي ننتظرها ونتمنَّى بصدق نجاحها، ذلك أننا سنكون جزءاً من الفشل في حال حدوثه، أقله سنحرم في المجال الإعلامي من تناول أخبار شغلتنا لأشهر عن مصائبنا.. لقد رأينا فيها أهمية أكثر من القدس والجولان، ومن أخطاء مصيرية ترتكب هنا وهناك.

الأفضل إلينا إذن، أن تبقى أمريكا قويَّة ما دمنا نحن ضعفاء اليوم، وفي هجرة دائمة إليها، فقد تغرس فينا من جديد معاني لقيمة أوطان هجرناها ونحن نقيم فيها.. تلك الهجرة التي قد تؤمن بعضنا من الخوف، مع أنها في حقيقة الأمر هي الرعب كله على مستوى جغرافيا أوطاننا الثابتة والمتغيرة.