الأوبئة وأقدار الشعوب / الولي سيدي هيبه

الولي سيدي هيبه / كاتب صحفي ومحلل سياسي

يثبت تاريخ البشرية، المكتوب بأنامل الزمن على صفحاته الأزلية لا بأصابع الإنسان النساخة المحرفة بلا أمانة، أن المجاعات الكبرى والأوبئة الفتاكة والحروب العظمى من أهم أسباب التحولات البالغة التي حدثت على مر الحقب وأنها هي السبب الوجيه أيضا في التغير العميق الذي طرأ في العقليات ولم يعرف التوقف مطلقا على الرغم من كل موجات المحاولات اليائسة للجمود على ذات القوالب التي تحاول الثبات في جمودها في جائرة الحقب الضيقة البالية.

 

وقد كان لوباء الطاعون، الذي اجتاح أنحاء أوروبا بين عامي 1347 و1352 وتسبب في موت ما لا يقل عن ثلث سكان القارة، الفضل في تطور الطب من بعد التخلص من الخرافات والأفكار الظلامية التي كانت تحكم بها الكنيسة حيث اعتبرت الطاعون والجدري عقابا إلهيا للمصابين، 

 

وكان لانتشار أوبئة مشابهة وأخرى كالكوليرا بنفس الوقت في آسيا والشرق الأدنى، أنه أوحى بأن وباء الطاعون في زمن أوروبي كان فقط جزءاً من وباء عالمي أوسع نطاقا، وسرع الوعي بخطورتها والعمل على محاربتها وأحدث التغيير رأسا على عقب في العقليات ورسم منعرج تأريخي هائل في جدار جمود الظلامية التي كانت مخيمة في عقول شعوبها ومقيدة بالخرافة لطاقاتها الإبداعية الخلابة.

 

كما كان لمجاعات شبه القارة الهندية المتكررة 1877 ـ 1943 الأثر البالغ في التحول العميق الذي أصبحت معه الهند قوة عظمى وأكبر ديمقراطية على وجه اليابسة، وأيضا غيرت المجاعة المتكررة في القرن الافريقية واقع الحبشة التي أصبحت أحد أسرع اقتصادات العالم.

 

وأما الحروب الكبرى كحرب التقسيم الأمريكية بين الجنوب والشمال، والحربين العالميتين 1914ـ1918 و1939ـ1945 وحرب التحرير الصينية ضد المستعمر الياباني وحرب تقسيم سبه الجزيرة الكورية، وحرب التحرير الفيتنامية ضد الفرنسيين ثم الأمريكيين، فقد حولت أيضا هذه الحروب جميعها مصائر عديد الشعوب حتى باتت تنتمي اليوم لدائرة أقوى الدول وأغناها وأكثرها استقرارا.

 

وعلى النسق الذي ينتشر به “الفيروس التاجي corona virus” فإنه لن يفوت على العالم حدوث تغيير عميق جديد يأتي من تلقاء نفسه تنقلب معه عديد الموازين القائمة فيحول مراكز القوة العالمية ويُمكن للدول المتخلفة وشعوبها من إدراك ترابط العالم ببعضه وضرورة لعب دور في الخارطة الجديدة بثقة متجددة.

 

وما التساوي في الفزع الذي يحدثه الكرورونا، وتطلع كل البلدان إلى الفرج من أي مكان، إلا الدليل القاطع على حقيقة هذين، الترابط والتساوي، أمام الخوف والعجز والرغبة في النجاة ولو على أيدي الأضعف.

 

ويسير العالم اليوم على نفس الوتيرة من نيويورك وباريس وكوالا لامبور ودلهي وداكار القاهرة إلى نواكشوط، تقوقع في البيوت وخوف من الجهول.

 

وليس الموريتانيون، في شأن التحول القائم على خريطة العقليات السائدة والمستحكمة، بمعزل عن شعوب العالم حيث بدأ يعي الدروس المشتركة والتي كانت غائبة عن ذهنه وفي سلوكه وهي المتعلقة بالوقاية والاستجابة لمنطق النظام حيث لم يكن في غالبيته.