الإنسان الموريتاني الضعيف / د.محمد المشري باب

د.محمد المشري بن باب / أستاذ جامعي

يعيش المجتمع الموريتاني منذ عقود حالة عطالة مزمنة جعلت منه كيانا رخوا لا يصلح لسلم و لا لحرب هذا مع العلم أن التاريخ البشري قائم على الحرب و مايسمى بالسلام هو هدنة بين حربين و كثير من دول العالم تحتاج إلى عدو حقيقي أو مفترض داخلي أو خارجي لحماية مصالحها أو لتصريف طاقة العنف داخلها نحو الخارج .

و يمكن القول إن الحرب حربان واحدة تدور بالعقول و الأدمغة و المعارف و أخرى تعمل بالحديد و النار و لكنها أيضا ترتكز على العقول الحرب الأولى لا تهدأ أبدا بين المجتمعات و الدول أما الثانية فما إن تهدأ في مكان حتى تشتعل في مكان آخر .

إذا نظرنا في ضوء ما سبق إلى المجتمع الموريتاني نجد أن منظومته الثقافية و السياسية و التربوية تعمل منذ عقود وربما أكثر على بناء إنسان موريتاني ضعيف لا يصلح لسلم و لا لحرب فهو ضعيف الصحة ضعيف البنية ضعيف التعليم ضعيف الإرادة ضعيف الدخل و إن كان قوي بناء الشعر ممتلئ الذاكرة فضفاض اللباس طويل سلسلة النسب

ويمكن ، لفهم الجذور التاريخية للمسألة ، أن نفتح قوسا بسيطا

ففي الفترة التي أخذ فيها العالم يتحول بتأثير من كولومبوس( و هو يهودي يتظاهر بالنصرانية حسب بعض المصادر الأوروبية ) من الحضارة البرية إلى الحضارة البحرية و من تجارة البحار إلى تجارة المحيطات ، منذ حوالي أربعة قرون ، في تلك الفترة أخذت المدن الموريتانية تلفظ في الغالب علمها و علماءها باتجاه البوادي ليحدث تبدل ثقافي كبير طالما أشاد به مثقفو البلاد لكونه مفارقا للمعادلة الشهيرة القاضية بتلازم العلم و المدينة و قد أدى ذلك التبدل الذي هو أحد التداعيات غير المباشرة لمغامرة كولومبوس إلى احتضار المدينة و ازدهار البادية و هنا تكمن الخطورة فالمدينة أصلا هي حاضنة الحضارة و خارج هذا الحضن تتعرض الأفكار الحضارية إلى الضياع و التناثر و التيه

مكث العلم  الموريتاني و الأدب الموريتاني أحقابا و هما يتراكمان و يتطاولان في البادية إلى أن ظهرت الدولة المركزية بعاصمتها الجديدة و بعد ستة عقود نجد أنفسنا اليوم أمام مفارقة ثانية هي وجود البادية العالمة القديمة بعالمها الخاص الراكد المنسجم مع نفسه إلى جانب المدينة الجاهلة المضطربة المؤسسة للسيبة الجديدة كما لو أن العلم الموريتاني ينفر من المدينة و المدينة الموريتانية تفر من العلم هذا مع التنبه إلى أن البادية مهما كانت ذكية أو عالمة أو متطورة أو غنية فهي في نهاية المطاف تبقى بادية  كما أن المدينة في غياب التعليم الناجح و العلم الحي المتجدد لن تكون أكثر من تجمع عمراني قاصر كبر أو صغر تهيمن عليه فئة محدودة ظالمة بدون أفق استراتيجي أو حضاري و هذا هو حال العاصمة الموريتانية .

إنه لا بديل عن الانخراط الفوري في مسار حضاري متكامل لبناء الإنسان الموريتاني القوي القادر على المنازلة في مختلف الجبهات هذا الإنسان هو الجدير بأن يظهر معدننا الصلب النقي الذي نشعر به في قرارة أنفسنا و لكن شواهد الواقع لا تؤيده

انطلاقا مما سبق يمكن أن نفهم جزئيا فشل الدولة الموريتانية و المجتمع الذي نشأ في حضنها في عملية التحديث

إن جميع المجتمعات الحية تخطط لحرب ما دائرة أو وشيكة أو مفترضة ، ناعمة أو خشنة أما المجتمعات الهشة الغافلة فهي وقود تلك الحروب التي كثيرا ما ينتصر فيها للأسف الباطل القوي على الحق الضعيف.

فهل من مدكر ؟

المصدر: الصدى الورقية الاسبوعية