الاتِّحاد المَغَارِبي .. روحٌ غائبة وجسم مُصاب / خالد عمر بن ققه

خالد عمر بن ققه / كاتب وصحفي جزائري

في السابع عشر من فيفري الفائت، حلت الذكرى 33 لقيام اتحاد المغرب العربي، وباستثناء بعض التقارير الإخبارية المختصرة، لم يكن للذكرى أي صدى يذكر، وقد لا يعود ذلك للخلافات القائمة بين دوله، خاصة الجزائر والمغرب، وإنما لدخول المنطقة المغاربية مرحلة جديدة من تاريخها، تبدو ظاهرة للعيان، ويتم الدفاع عنها بحزم وشدة وإصرار من طرف صُنَّاع القرار في الدول المغاربية الخمس.

 

الحالة المغاربية الراهنة تكشف عن غياب الروح وبقاء الجسم على مستوى الفعل السياسي لقادته الحاليين، هنا علينا الجهر بالقول: إن الجسم المغاربي مصاب اليوم بأمراض شتى، لم تعد خافية، ليست فقط لكونها أصبحت مزمنة، وإنما لأنها أيضا تتجدد في مجالات كثيرة، مثل: السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والتعليم.

 

ونتيجة لذلك، يعمل كل الخطاب الرسمي، وأحيانا الشعبي، في الدول المغاربية جميعها، من أجل أن تتحول تلك الأمراض إلى ظواهر صحية، واعتبارها من البعض جزءًا من حالة عربية عامة لا يبرر استفحالها على النحو الذي نراه اليوم في عمليّة قتل- بإصرار وترصّد- للاتحاد المغاربي.

 

لا شك أن المشروع المغاربي الوحدوي قد تأثَّر برحيل مؤسسيه «العاهل المغربي الحسن الثاني (1999)، والزعيم الليبي معمر القذافي (2011)، والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد (2012)، والرئيس التونسي زين العابدين بن على (2019)، وبكبر الرئيس الموريتاني معاوية ولد سيدي أحمد ولد الطايع، ووجوده خارج السلطة، لكن علينا الاعتراف أيضاـ دون لوم لهم أو انتقادـ بأن أولئك القادة لم يذهبوا بعيداً في تحقيق الأهداف التي أعلنوا عنها، وثبَّتُوها نصّاً عند قيام الاتحاد.

 

لقد تحكمت فيهم مصالحهم الوطنية، وكانت على حساب المصالح المشتركة مغاربيّاً، وسيطرت عليهم فكرة «الأفضليَّة في الحكم» على أساس المقارنة بينهم، ووضعوا في حساباتهم علاقتهم بالخارج من حيث دعمهم للبقاء في الحكم بنسب مختلفة، وإن كان كل هذا لم يؤثر على فكرهم الوحدوي، إن لم يكن عمليا، فعلى الأقل نظريا.

 

لذلك نَحِنُّ اليوم إلى فترات حكمهم- على ما فيها من نقائص وسلبيات- بعد معاناتنا اليوم مما يقوم بما من حكموا بعدهم.. إنهم خلف أضاعوا الاتحاد المغاربي روحاً وهيكلاً، من خلال إحداث تناقض صارخ بين الجغرافيا والسياسة.

 

ذلك التناقض قد يكون سببه عدم العودة إلى النصوص التي تحكم الفعل السياسي المغاربي، ومن بينها ما نصَّت عليه المادة الثانية عند إنشاء الاتحاد عام 1989، فقد لخصت أهدافه في الآتي:

 

ــ تمتين أواصر الأخوة التي تربط الدول الأعضاء وشعوبها بعضها ببعض.

 

ــ تحقيق تقدم ورفاهية مجتمعاتها والدفاع عن حقوقها.

 

ــ المساهمة في صيانة السلام القائم على العدل والإنصاف.

 

ــ نهج سياسة مشتركة في مختلف الميادين.

 

ــ العمل تدريجيّاً على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال.

 

لم يتحقق من الأهداف المذكورة أعلاه أي منها على المستوى الجماعي لدول وشعوب الاتحاد، وما تحقق منها على أساس العلاقات بين دولتين لا أكثر، بقي خاضعا لتقلبات السياسة وأمزجة الحكام، ومتأثرا بضغوط الخارج، ونتيجة لهذا لم تؤدّ السياسة المشتركة في المادة السابقة إلى تحقيق الأغراض التي نصت عليها المادة الثالثة، وهى:

 

ــ في الميدان الدولي: تحقيق الوفاق بين الدول الأعضاء وإقامة تعاون دبلوماسي وثيـق بينهـا، يقوم على أساس الحوار.

 

ــ في ميدان الدفاع: صيانة استقلال كل دولة من الدول الأعضاء.

 

ــ في الميدان الاقتصادي: تحقيق التنمية الصناعية والتجارية والاجتماعيـة للـدول الأعضـاء، واتخاذ ما يلزم اتخاذه من وسائل لهذه الغاية، خصوصاً بإنشاء مشـروعات مشـتركة، وإعـداد برامج عامة ونوعيّة في هذا الصدد.

 

ــ في الميدان الثقافي: إقامة تعاون يرمى إلى تنمية التعليم على اختلاف مستوياته، وإلى الحفاظ على القيم الروحيّة والخلقية المستمدة من تعاليم الإسلام السمحة، وصيانة الهوية القومية العربية، واتخاذ ما يلزم اتِّخاذه من وسائل لبلوغ هذه الأهداف، خصوصاً بتبادل الأساتذة والطلبة وإنشاء مؤسسات جامعيّة وثقافية ومؤسسات متخصصة في البحث، تكون مشتركة بين الدول الأعضاء.

 

ــ تتعهَّد الدول الأعضاء بعدم السماح بأيِّ نشاط أو تنظيم فوق ترابها يمسُّ أمن أو حرية تـراب أي منها أو نظامها الأساس، كما تتعهّد بالامتناع عن الانضمام إلى أيّ حلف أو تكتل عسكري أو سياسي يكون موجهاً ضد الاستقلال السياسي أو الوحدة الترابية للدول الأعضاء الأخرى.

 

كل البُنود السابقة لم يتحقق منها شىء، بل إن القيادات السياسية في الدول المغاربية اليوم تعمل- ظاهرا وباطناـ على عكس الأهداف المرسومة عند إنشاء اتحاد المغرب العربي، ويظهر فعلها الشاق والمتعب لشعوبها، والسيئ في الحاضرـ وهو أيضا وزر في المستقبلـ في ثلاثة مظاهر نابعة من قناعات، أولها: الغرق المحلي، وثانيها: التكتيك البَيْنِي، وثالثها: التحالف الاستراتيجي مع دول أخرى بعيدة على حساب الدول المغاربية الأخرى.

 

ما يحدث اليوم في اتحاد المغرب العربي، أو ما يعرف بـ«دول شمال أفريقيا»، له أسبابه الداخلية، وله أيضا أسبابه الخارجية، ومنها: انتسابناـ كُرْهاً في البداية وطوعاً في النهايةـ إلى الشرق الأوسط، مثلما هي الدول العربية الأخرى بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي، وهذا نزع منّا انتماءَنا القومي، وبذلك زُلْزِلْنا زلزالاً شديداً، بعد أن صرنا في تبعية مطلقة للتقسيمات الجغرافية من القوى الدولية الكبرى.

المصدر: الكاتب +المصري اليوم