الاعتدال السياسي العربي / بروفيسور عبد الستار قاسم

بروفيسور عبد الستار قاسم

يكثر الحديث عن محور الاعتدال العربي والذي يُفترض أنه يضم عدداً من الدول التي لم تعلن عن نفسها على أنها تشكل محوراً. تمضي التقارير الإعلامية بالشرح حول نشاطات هذه الدول لكنها لا تعرف للعربي معنى هذا الاعتدال ولا توضح إشكاليته الفلسفية والمنطقية، وكأن المعنى معروف لدى القارئ والمستمع. ينطلق سياسيون وإعلاميون في استعمال مصطلحات يفترضون لها معنى ذاتياً مبهماً بالنسبة للآخرين ويحاولون فرضه على قاموس الاستعمال السياسي، وغالباً ما تلجأ وسائل الإعلام الغربية إلى مثل هذه الأساليب التي لا يمكن أن تكون مقبولة حسب المعايير العلمية.

سبق أن كتبت حول مفهوم الاعتدال وقلت إنه الفضيلة في السلوك المعين، وهو الوسطية في الإسلام. إنه تلك الفضيلة التي  لا تترك يمينها ويسارها يميلان نحو الرذيلة والتطرف، وتقيم ميزاناً للعدل في الحكم، أو الخُلُق الرفيع في السلوك. الكرم هو الاعتدال، وما زاغ إلى يساره يشكل بخلاً، وما طغى إلى يمينه يشكل إسرافاً؛ والشجاعة هي الاعتدال، وما زاغ عنها يشكل جبناً، وما طغى يشكل تهوراً. أي أن الاعتدال يتعلق بالأخلاق، وبقدرة المرء على ترجمة الفضيلة إلى عمل أو واقع عملي. وعلى ذات المنطق، من يدافع عن حقه بلا طغيان ويصر على تحصيله أخلاقي معتدل، ومن يساوم على حقوقه ويتنازل عنها أو جزء منها متطرف. الاعتراف بالكيان الصهيوني تطرف، والإصرار على الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني اعتدال. وعليه يصف المتطرفون العرب الذين يقيمون علاقات مع الصهاينة أنفسهم بالمعتدلين في حين أن الصامدين على المبدأ والحق هو المعتدلون.

في حاضرنا السياسي، يتم استعمال كلمة اعتدال للدلالة على المواقف السياسية التي تنسجم مع الرؤية الغربية، وبالتحديد الولايات المتحدة، لما يجب أن تكون عليه الأمور والأوضاع السياسية. يصف ساسة الغرب من ينسجم مع مواقفهم السياسية بالمعتدلين، بينما يصفون الذين يخالفونهم بالمتطرفين. هذا تعريف أو مقاربة مبنية على الرؤية الذاتية أو المصلحة، وغير مبنية على معطيات أخلاقية. وعندما تدخل المصلحة إلى المفاهيم فإن سمة الكونية أو العالمية تنتفي وتصبح التعريفات ذاتية وآنية؛ وتخضع الفضيلة عندها لتعريفات مصلحية تتغير باستمرار.

الاعتدال مفهوم كوني، أو على الأقل، عالمي يكتسب أهميته من أنه عام وموضوعي وينسحب بدون تمييز على كل الشعوب والأشخاص. فعندما نتحدث عن الصدق مثلا فإننا نتحدث عن معيار لا يخضع لرؤية ذاتية تجعل من بعض الكذب أو بعض المبالغة بديلاً. على الصيني أن يكون صادقاً، وكذلك الأرجنتيني والعربي والصربي، وإلا دخلت المفاسد إلى الساحة الدولية، وأخذت المصالح مكان الفضائل. لا يخفى علينا أن هذا العالم يقوم على المصالح المرتبطة بالقوة المادية التي تتناقض في أغلب الأحيان مع القوة الأخلاقية.

تعريفا المقاومة والإرهاب يشكلان مثالين على فوضى المفاهيم والمصطلحات العالمية. أجازت المواثيق الدولية للشعوب التي تقع تحت الظلم أن تقاوم، ولم تتفق الأمم بعد على تعريف للإرهاب، لكننا نلاحظ أن الاجتهادات الذاتية حول المفهومين تغزو وسائل الإعلام وتحاول السيطرة على تفكير الناس في كل مكان واستحواذ العقول. وما من شك أن هذه الاجتهادات تساهم في بناء النزاعات التي تقود في النهاية إلى سفك الدماء، وربما إلى الحروب المفتوحة.

يعيدنا هذا إلى العرب الذين يسمون أنفسهم بالمعتدلين. إذا نظرنا إلى الساحة العربية عموما وحال الأمة العربية جماعة ودولاً منفردة نلاحظ أن الأمة ليست على ما يرام. في ظل الأنظمة العربية الموجودة حالياً، الأمة العربية تستورد حوالي 75% من احتياجاتها الغذائية؛ يشكل استهلاك العرب من الورق 7,.% من مجمل الاستهلاك العالمي؛ لا توجد جامعة عربية واحدة من الجامعات العالمية المتميزة؛ هناك حوالي 70,000,000 عربي أمي؛ العرب مهزومون أمام إسرائيل في معارك متعددة وبعض أراضيهم محتلة؛ الأجانب يدنسون الأرض العربية بقواتهم ويخضعون الأمة لإراداتهم؛ الهوة العلمية بين العرب والعالم المتقدم تزداد اتساعاً؛ القادة العرب ينفقون حوالي 30% من دخل الأمة العربية المالي على قصورهم وأعوانهم؛ الخ.

المعنى أن الذين يعانون من هذه الأمور لا يمكن أن يكونوا معتدلين. المعتدل أخلاقي ولا يمكن أن يقبل وضعاً يكون فيه عالة على غيره في لقمة الخبز، ولا يقبل أن ينفق أمواله على غير ما يؤدي إلى فوائد محققة وبينة لكل الأمة، أو على الأقل، لشعب الدولة. وإذا ذهبنا إلى إعطاء حكم عام، يصعب جداً أن نصنف نظاماً عربياً واحداً على أنه أخلاقي، وكتاب العرب يكتبون دائماً حول الكثير من الأخطاء والخطايا التي ترتكب بحقوق الأمة وشعوبها.

كما أن هناك إشكالية صعبة جداً يجب على الحكام العرب وبالتحديد على الذين يصفون أنفسهم بالمعتدلين أن يقدموا حلاً لها: هل نفصل نحن الكتاب بين مصلحة الأمة ومصلحة الأنظمة أم لا؟ هل مصلحة الأنظمة هي ذاتها مصلحة الأمة، وأمن الأنظمة هو ذاته أمن الأمة؟ إذا كانت المصلحتان متطابقتان، فلماذا نجد هذا التخلف الكبير الذي تعاني منه الأمة في مختلف المجالات الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية والعسكرية في حين تنعم الأنظمة ومن والاها بالنعم والرفاهية؟ وبناء على ذلك، هل مصلحة الأنظمة في التنسيق مع الولايات المتحدة أو التحالف معها هي ذاتها مصلحة الأمة العربية؟ وهل إذا تحقق أمن الأنظمة سيتحقق أمن الناس على اتساع الوطن العربي؟

نحن لا نريد بالتأكيد أن نحصر مفهوم الاعتدال بالموقف من إسرائيل وبمدى انسجامه مع الطرح الأمريكي، ولا بالموقف من إيران. مفهوم الاعتدال أشمل وأعم، ومن المفروض أن يبادر من يصر على اعتدال فكره وعمله على مناقشة الأمر علناً عل في ذلك ما ينعكس إيجاباً على قدرة الأمة على التفكير الصحيح.

المصدر