الاكاديمي الاماراتي البارز عبد الخالق عبد الله في حوار شامل وحصري لـ “الصدى”: لهذه الأسباب تعطلت المصالحة الخلجية بعد أن وصلت الأطراف للبيان الختامي

الاكاديمي الاماراتي البارز عبد الخالق عبد الله

الإمارات فتحت مخزونها الطبي لمن طلب ولمن لم يطلب وهذا ما جعلها  عنوانا بارزا للإيثار في زمن “الكورونا”.

 

هناك دول وقوى إقليمية على رأسها إيران وتركيا لا تريد للخلاف الخليجي أن ينتهي

 

اقتصاديات دول الخليج اصبحت صخمة جدا فالسعودية دخلت مجموعة20 …  والامارات تفوقت على تايلاند وسنغافورة

 

الى جانب “لحظة الخليج” هناك ما أسميه ب “الزخم الإماراتي”

حاوره : رئيس التحرير : محمد عبد الرحمن المجتبى/

الأكاديمي الاماراتي البارز الدكتور عبد الخالق عبد الله شخصية فكرية وسياسية إماراتية غنية عن التعريف ، له حضوره المميز في المشهد الفكري والثقافي وحتى السياسي الخليجي والعربي والدولي ، يشتهر عبد الخالق بوضوح الرؤية والصراحة في القول والموضوعية في التحليل والجرأة في التناول.

عرف خلال السنوات الاخيرة كأبرز مثقف إماراتي يعالج الاشكاليات الفكرية والسياسية المطروحة في المشهد الاماراتي والخليجي والعربي ، وكان من ألمع المنشغلين بالأزمة أو بالخلاف الخليجي كما يحلو له هو أن يسميه  ، كما أشتهر على المستوى الاكاديمي بكتبه التي تتناول المشهد العربي بإسلوب مختلف يجمع بين دقة المعلومة و إثارتها.

في عددها لهذا الأسبوع تتشرف “الصدى” باستضافة الدكتور عبد الخالق في حوار شامل يتطرق لكواليس الازمة الخليجية حيث كشف لنا من أسرارها وخباياها ما لم يكشف من قبل ، كما تحدث الرجل عن “لحظة الخليج العربي في التاريخ العربي المعاصر”  التي اثارت الكثير من النقاش والجدل ، وعن ما يطلق عليه “الزخم الاماراتي” الجديد.

وهذا نص الحوار :

  • الإمارات فتحت مخزونها الطبي لمن طلب ولمن لم يطلب وهذا ما جعلها عنوانا بارزا للإيثار في زمن “الكورونا”.

 

بداية دعنا نبدأ بآحدث  خرجة إعلامية  لك تحدثت فيها عن انتصار دول الخليج على فيروس كورونا ، ما ذا تقصد بالانتصار على فيروس ما زال يعبث بدول عظمى حول العالم ؟

  • صحيح أنا تحدثت في مقالة لي نشرت خلال الأسبوع الماضي عن “كورونا” ودول الخليج و تسائلت هل انتصرت دول الخليج في معركتها مع هذا الفيروس، الذي لا شك أنه أخطر وباء مر على البشرية في تاريخنا المعاصر ، ولا زال لحد اللحظة يفتك بكل دول العالم بدون استثناء ، لأنه إجتاح حوالي 192دولة حتى الآن ، وحالات الإصابة والوفيات في تصاعد مستمر ، أما الخسائر الاقتصادية فهي غير مسبوقة وتقدر بحوالي 9 تريليون دولار أمريكي ، ولا زال الفيروس يحتجز نصف البشرية أي 4 مليارات من البشر في بيوتهم.

وعلى الرغم من هذا الوضع الخطير تعاملت كل دولة في العالم معه بمنسوب مختلف من النجاح ، وعندما تحدثت عن حالة دول الخليج العربي ، حاولت التركيز على المؤشرات الحيوية ، كعدد حالات الفحص الطبي ، وحاولت أيضا أن أقارن هذه الأرقام بالأرقام المعلنة لدى أفضل الدول ، خاصة الدول المتقدمة إجتماعيا وبالذات الدول الاسكندينافية ( بولوندا والدانمارك.. وغيرها) ، وعندما نظرت لوضعية هذه الدول بالمقارنة مع وضعية دول الخليج وجدت أن الفار ق كبير  لصالح دول الخليج ، فحتى يوم أمس (الاحد) سجلت تلك الدول الاسكندينافية 116ألف حالة إصابة ، في حين أن العدد في دول الخليج لا يتجاوز 42 ألف إصابة في نفس اليوم.

كل ذلك يدفعني لأقول أن هناك انتصارا نسبيا لدول الخليج في معركة “كورونا” أكدت من خلاله هذه الدول أن لديها قدرات وتقنيات طبية متقدمة جدا ، ربما متفوقة على أكثر الدول تقدما في هذه المجالات.

صفحة الامارات وراياتها بيضاء في مجال المساعدات والمعونات ، وهي بهذا المعنى تعد من أكثر الدول سخاء في العالم ، و ثاني أكبر دولة تقدم المعونات للعالم بعد السويد

  • نجد أيضا دكتور أنه في الوقت الذي تنشغل فيه دول عظمى بوضعها المحلي، وتجد مشاكل في المعدات والكمامات والطواقم الصحية لدرجة أنها تحظر تصدير المعدات الطبية والمواد الغذائية لاحتكارها للاستغلال المحلي ، في هذا الوقت نفسه تسير دولة كالامارات جسرا انسانيا حاملا المساعدات الطبية والغذائية للدول المتقدمة والفقيرة على حد السواء في هذه الظرفية العصيبة التي تنسى فيها الدول العظمى أو تتناسى مسؤولياتها فيها..هل يجوز لنا أن نتحدث عن مفهوم جديد للشجاعة يتعلق بالدول ؟
  • بالفعل هذه ملاحظة هامة وجديرة بالاهتمام عن دولة الامارات ، وملاحظة جديرة جدا عن كيف تعاملت دول كبرى وقوى عظمى مع هذا الفيروس ،خلال الشهرين الماضيين ، تلك الدول العظمى التي أخذت بمبدإ التنافس الفج واللا أخلاقي على المعدات والكمامات الخ .. بعكس ذلك كان حال الامارات ، التي أخذت بمبدإ التضامن العالمي في وقت أخذت “أوروبا” – المتقدمة داعية التضامن الدولي- تحتكر ما لديها من مخزون طبي وغذائي ، فالإمارات فتحت مخزونها الطبي لمن طلب ولمن لم يطلب ، وبالتالي هناك بالفعل كما أشرتم تعاملين مختلفين ، أنا الخصهما في مفهوم جديد للتداول وهو “الايثار الاماراتي” ، بمعنى التضحية بما لديك لصديقك ، ولأقرب الناس إليك ولكل محتاج إليك وقت الشدة ولا تنتظر حتى تصلك طلبات الناس ، وهذا ما جعل الامارات عنوانا بارزا للإيثار في زمن “الكورونا”.

 

  • لعل الإيثار ليس غريبا على المنظومة القيمية التي وضعها مؤسس الامارات الشيخ زايد بن سلطان طيب الله ثراه ؟

 

  • صحيح الشيخ زايد رحمه الله، هو الذي أسس لمثل هذا لنهج من التعاون والتضامن اقليميا ودوليا وصفحة الامارات وراياتها بيضاء في مجال المساعدات والمعونات ، وهي بهذا المعنى تعد من أكثر الدول سخاء في العالم ، ووفق المؤشرات الحيوية تعتبر ثاني أكبر دولة تقدم المعونات للعالم بعد السويد، نسبة الى إجمالي ناتجها المحلي ، وهذا هو نهج الامارات الذي أرساه الأب المؤسس الشيخ زايد رحمه الله .

 

الصين تمكنت من السيطرة على وباء كورونا في 76يوما فقط ، وهذا في الحقيقة نجاح باهر وإن كان لا يعفيها من المسؤولية ، في حين أن دولا عظمى أخرى أرتبكت بشكل فاضح كأمريكا مثلا

 

  • دكتور على الرغم من أن جائحة كورنا لا تزال تجتاح العالم ومن الصعب استشراف عالم ما بعد كورونا ، لكن المؤكد أن أمورا كثيرة ستتغير في شتى المجالات وعلى مختلف الاصعدة ، فما ذا لو طلبنا منكم تقديم رؤيتكم للعالم بعد جائحة كورونا ؟

 

  • أخذا بالمؤشرات ، وبحجم الخسائر وحجم الخراب الذي أحدثه هذا الفيروس ، أعتقد أنه من حق البعض أن يعتبر تجربة الانسانية مع هذا الفيروس لحظة فارقة وفاصلة وغير مسبوقة بكل تأكيد ، و كما تفضلتم السؤال الآن هو هل عالم ما بعد كورونا سيختلف قليلا أو كثيرا مع عالم ما قبل كورونا ؟، في الحقيقة هذا السؤال سابق لأوانه فعلا ، ولكن هناك أكثر من إجتهاد ، فالبعض يرى أن العالم سيكون مختلفا جدا على صعيد موازين القوى وعلى صعيد الأولويات ، والبعض الآخر يقول أنها لحظة آنية ستمر على البشرية وتمضي بدون أن تحدث أي تغيير يذكر ، تماما كما مرت بها لحظات مماثلة سابقا ، ولن تحدث فارقا ضخما في المعادلات الدولية فيما عدا ربما ترجيح وزن الصين قريبا ،و وزن آسيا قريبا في مقابل الوزن الامريكي والأوربي، فهذا وارد جدا بالنسبة لي ، لأن الصين المسؤولة الأولى عن نشر هذا الفيروس في العالم ، تمكنت من مواجهة هذا التحدي بكفاءة أقوى بكثير من الكفاءة الامريكية والاوربية ،  مما يعطيها ربما وزنا أفضل وأفضلية إستراتيجية 

 

 فالصين تمكنت من السيطرة على وباء كورونا في 76يوما فقط ، وهذا في الحقيقة نجاح باهر وإن كان لا يعفيها من المسؤولية ، في حين أن دولا عظمى أخرى أرتبكت في الحقيقة بشكل فاضح كأمريكا مثلا ، فهل سيؤدي هذا الى تغيير الموازين في عالم ما بعد كورونا ؟، أعتقد أن السؤال مشروع لكن الجواب عليه قابل لأكثر من إجتهاد.

 

الاستياء الخليجي من السلوك القطري عمره ربع قرن من الزمن وقد تأذت منه دول كثيرة من بينها موريتانيا

 

الدكتور عبد الخالق من يحاورك لا بد أن يفتح على الفور ملف الأزمة الخليجية ، لكونك من أكثر المنشغلين بها والمؤثرين فيها إعلاميا وسياسيا ، ما هو برأيك السياق السياسي الذي جعل هذه الازمة واقعا معيشا في مجتمع خليجي عرف بقوة والوشائج العاطفية و بالموروث القيمي لاحتواء الصراعات والأزمات ؟

 

  • دعني أولا أتفق معك على أن نستخدم عبارة الخلاف الخليجي ، بدلا من عبارة ومفهوم الازمة والمقاطعة والحصار الى ما ذلك ، فالخلاف الخليجي اليوم مضت عليه ثلاث سنوات وربما هو أول خلاف خليجي يأخذ كل هذا الوقت بدون أن يوجد له حل ، فعلى مدى 38 سنة من التعاون الخليجي الثنائي وتحت مظلة مجلس التعاون ، نجد أن هذا الخلاف هو الأعمق في تاريخ هذه الدول الست ، وهو عميق جدا أكثر مما يتصوره البعض، ولا علاقة له بالعادات والتقاليد ، فنحن نتحدث عن دول وعلاقاتها فيما بينها ومصالحها ، ومصالح الدول عندما تتعارض تفرز سلسلة كبيرة من الاستياءات والخلافات ، وما حدث بين الأشقاء في دول الخليج العربي هو أنه بالفعل هناك استياء خليجي  من دولة قطر ونهجها وسلوكها السياسي منذ 25 سنة.

 

  • اذا الخلاف تراكمي وليس وليد لحظة معينة ؟

 

  • لا أبدا الاستياء الخليجي من السلوك القطري عمره ربع قرن من الزمن ، خاصة الاستياء السعودي والاماراتي والبحريني ومع الوقت شمل كل الدول العربية بما فيها مصر وموريتانيا التي اضطرت لقطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر

 فالنهج القطري خلال 25 سنة الماضية كان نهجا مشاكسا نهج شقاوة تأذت منه دول كثيرة وعلى أكثر من مستوى ، فالإعلام القطري كان دوما إعلاما تحريضيا، خاصة “قناة الجزيرة”، التي يحسبها البعض قناة إخبارية وهي ليست كذلك مطلقا ، فهي من يومها الأول تستهدف الواقع العربي لتحريكه وزرع الفتن والخلافات بين الدول العربية وحتى داخل كل دولة عربية ، ودول الخليج عانت من هذا الإعلام المشاكس ، وتحدثت مع قطر مرارا وتكرارا بخصوص الدور التحريضي الخطير لقناة الجزيرة ، ولم تطلب إغلاق هذه القناة فهي رصيد لنا جميعا ورصيد للإعلام العربي ، ولكن من أجل توقيف دورها التحريضي فقط ، ولكن قطر للأسف لم تستمع إلى ذلك ، وتفاقمت الأمور بعد الربيع العربي حيث ركزت “قناة الجزيرة” بشكل تحريضي كبير على مصر واستهدفتها في أمنها واستقرارها ،  وأنتم تدركون أن إستقرار وأمن مصر أولوية لكل العرب و ليس لمصر وحدها ، علاوة على ذلك قطر أيضا تلاحمت في نهجها مع قوى التغيير في الوطن العربي، وربما لديها الحق في ذلك ، ولكن عندما تحتضن جماعة كجماعة الإخوان المسلمين التي صنفت إماراتيا وبحرينيا وسعوديا ومصريا كجماعة إرهابية ، هذا يضع على قطر بعض الالتزامات ، فليس مطلوبا من قطر قطع علاقاتها مع هذه الجماعة ، أو تصنيفها كمنظمة ارهابية ، فالكويت لم تفعل ذلك وسلطنة عمان لم تفعل ذلك ولا لوم عليهما ، ولكن الخطير هو أن  تقدم قطر 70 بالمائة من التمويل المالي  لجماعة صنفت إرهابية من أقرب الدول لها كالإمارات والسعودية.

هذه بعض من مواطن الخلاف وإلى أن تستجيب قطر لبعض من المطالب والشروط أعتقد أن الخلاف الخليجي مستمر ، رغم أن هناك بوادر إيجابية لا حظناها سنة 2019 ونلاحظها حاليا أيضا

 

أرى ان الخلاف الخليجي دخل مرحلة الدقائق العشر الأخيرة

 

. دكتور عبد الخالق تتحدث من حين لآخر عبر تغريداتك عن قرب انتهاء الازمة او الخلاف الخليجي كما تفضل ان تطلق عليه وهو خلاف طال أمده  ، هل تبني هذه التغريدات على تسريبات من مصادر صنع القرار وانت قريب منها ، أم  على استقراء مسار الاحداث ، أم أنك كما يتهمك مناوؤك تغرد خارج السرب ؟

 

  • يا سيدي أنا ككاتب وأكاديمي أجتهد كما يجتهد غيري ، وأعتمد على المؤشرات لأنها هي وحدها التي تقودنا لفهم ما يجري في الساحة الخليجية ،وعلى صعيد الخلاف الخليجي الخليجي ، فما رأيته أنا على الأقل ثلاث مؤشرات مبشرة بالخير كلها تدفع للتفاؤل ، أولها أنه شتان ما نحن عليه سنة 2020 وما كنا عليه في بداية إندلاع الخلاف سنة 2017م من حيث ثلاث مؤشرات أساسية وسريعة هي :
  • أولا : تراجع الحملة الإعلامية الشرسة المتبادلة بين هذه الدول بشكل كبير وملحوظ ، وربما تراجعت هذه الحملة بنسبة 80 بالمائة ، مع أنها لم تنتهي ، وهذه خطوة مهمة جدا في تقديري لرأب الصدع في هذا البيت الخليجي
  • ثانيا : أعتقد أن النفوس صارت أكثر هدوءا ، فعندما تتابع تغريدات وزراء الخارجية في العواصم الخليجية تلحظ أن النفوس قد هدأت قليلا ولم تعد بنفس الحدة والاحتقان.
  • ثالثا : هناك إنتظام دقيق في اجتماعات مجلس التعاون الخليجي لم نكن نشهده خلال السنتين الماضيتين ، وحتى إجتماع القمة الذي شهدته الرياض في ديسمبر الماضي ، كان مختلفا جدا عن القمة السابقة له في الكويت.

اليوم نرى وزراء الاقتصاد والصحة والدفاع والداخلية لهذه الدول الست يجتمعون بشكل دوري وبحضور قطر.

كل هذه المؤشرات وغيرها تجعلني شخصيا أرى ان الخلاف الخليجي ربما دخل مرحلة الدقائق العشر الأخيرة ولم يعد في الدقائق الخمس الأولى ، فنحن الى الآن أقرب من أن نرى الضوء في نهاية النفق ، وأنا أنطلق من هذه المؤشرات كي أكون متفائلا ، وتفألو بالخير تجدوه .

 

هناك دول وقوى إقليمية على رأسها إيران وتركيا لا تريد للخلاف الخليجي أن ينتهي

 

  • ولكن نلاحظ أنه مع كل حديث عن تقارب بين أطراف الخلاف تظهر أصوات غير متناغمة مع التوجه للتقارب ، وهذا يجعلنا نتسائل هل هناك قوى أو جهات مستفيدة من حالة الخلاف الخليجي وتسعى دوما للتأزيم كلما لاحت بادرة لحل هذه الازمة ؟

 

  • سؤال جيد وفي محله ، فلا شك عندي أن هناك من هو مستفيد من حالة الخلاف الخليجي الخليجي ، وهناك من يعبث بفرص التسوية وهناك من يؤجج بين الحين والآخر ، ولا يقتصر الأمر على أشخاص مستفيدين أو جماعات بل يتعلق الأمر بدول وقوى إقليمية في المنطقة.

مثل من مثلا  ؟

هناك ثلاثة أطراف محددة مستفيدة من حالة الخلاف الخليجي  ،وتعمل دوما ليلا نهارا على تأجيجه وإبقاءه مشتعلا ، وذلك عبر فبركات وأكاذيب وأخبار مزيفة ، وفي طليعة هؤلاء إيران التي تسعى من خلال سياساتها و وسائل إعلامها والنشاطين بالنيابة عنها في المنطقة العربية لزيادة التأجيج والخلاف بين الاشقاء الخليجيين ، لأن ما لا تريده إيران هو التضامن الخليجي والتنسيق المشترك بين أبناء البيت الخليجي لأنه لا يصب في مصلحتها.

وبعد إيران تأتي تركيا ضمن الدول التي لا تريد للخلاف الخليجي أن ينتهي لكونها قوة إقليمية استفادت من هذا الخلاف بشكل لا يتصور ،  اقتصاديا وعسكريا وماليا ، وهي تريد استمرار وضع الخلاف لكي تستمر قطر في اعتمادها الكلي عليها أمنيا وعسكريا واقتصاديا ، وهي بذلك تخدم أغراضها الاستراتيجية قصيرة وبعيدة المدى ، رغم أن تركيا كانت مؤهلة لأن يكون لها دور إيجابي في تهدئة النفوس ومعالجة الازمة ، لكنها قامت بعكس ذلك و أرسلت قواتها العسكرية إلى الدوحة، واستهدفت السعودية ولا زالت تستهدفها في نظامها ورموزها.

أيضا هناك جماعات أخرى وفي مقدمتهم جماعة “الإخوان المسلمين” ، يودون لهذا الخلاف أن يستمر، لأن ذلك في صالحهم ، فقطر تدعمهم وتلجأ إليهم لتكلفهم ببعض المهام الخاصة ، وهم يلجأون إلى قطر  ، ويسعون دوما لبث أكاذيب وفبركات لتضييع فرص إنهاء الخلاف وطي صفحته.

 

حمد بن جاسم والتغريد في الاتجاه المعاكس

 

  • وهناك أيضا من يتهم الإدارة القطرية السابقة بتضييع فرص الوفاق الخليجي ، هل توافق هذا الطرح أم أنه مجرد اتهام لا يستند لحقيقة ؟

 

  • صحيح من يتابع بعض التغريدات من بعض المسؤولين السابقين في قطر ، يرى أن خطابهم يتسم دوما بالبؤس والشؤم ، فهو خطاب لا يرى سوى الجانب المظلم من الواقع الخليجي ، ويبدو أن هذا ملازم لهذه الشخصيات التي لا ترى بريق أمل ، ولا تبعث الأمل في النفوس ، بل دورهم تعزيز الخلافات والشقاق ، ومن بين هؤلاء للأسف الشيخ حمد بن جاسم رئيس الوزراء و وزير الخارجية القطري الأسبق الذي كانت له صولات وجولات ، فهو دائما يغرد في الاتجاه المعاكس ، وتغريداته الأخيرة أكبر دليل على ذلك ، فعندما يشكك في إقتراح تأسيس شبكة للأمن الغذائي الخليجي ويستهزأ من ذلك ويسخر منه ، فيعني ذلك أن الرجل من بين شخصيات في قطر وربما في دول خليجية أخرى ترغب في إستمرار الخلاف الخليجي.

 

الحرس القديم يدير الامور في الدوحة  ويحتفظ بملفات الدبلوماسية والاعلام  

 

  • يجرنا كلامك لسؤال هام يتم تداوله على نطاق واسع ، وهو من يدير الأمور في الدوحة الإدارة السابقة أم الحالية أم أن الادارة السابقة تحتفظ ببعض الملفات لنفسها ؟

 

  • أنا أعتقد أن الحرس القديم في قطر ممثلا في سمو الأمير الوالد حمد بن خليفة ومن معه  لا زال هو الذي يقود في قطر ، ولا زال هناك دور بارز لمستشاري الحرس القديم وعلى رأسهم عزمي بشارة.

صحيح أن الحرس القديم تنازل عن السلطة وخرج من المشهد، لكنه في تقديري لا زال يدير على الأقل الملفات الخارجية  والإعلامية خاصة إدارة “الجزيرة” ، والحرس القديم معروف بعدائه الشديد وكرهه للسعودية بشكل خاص.

وبالتالي من يقرأ المشهد القطري لا يرى تغييرا كثيرا ، بحكم أن في الصورة أمير شاب ربما لديه نوايا حسنة وتقدير مختلف للأمور ، لكن من يوجه هذا الأمير الشاب ويمسك له جهاز “الكونترول” هم عناصر الحرس القديم وعلى رأسهم الشيخ حمد بن خليفة والشيخ حمد بن جاسم.

 

الحل خليجي خليجي …  وفي الرياض تحديدا … وهذا ما بدأت قطر تستوعبه

 

  • في سياق تفاؤلك بحل سريع للخلاف لخليجي هناك خطوة قطرية ملفتة تمثلت في توجيه التماس عاجل للامين العام للأمم المتحدة تطالبه بالتدخل العاجل لإنهاء الازمة الخليجية ، ألا يؤشر ذلك إلى أن قطر أصبحت جاهزة للتعاطي مع أشقائها لتسوية الخلاف ؟

 

  • يجب أن نذكر أن قطر منذ إندلاع الخلاف الخليجي الخليجي ، ومنذ لحظة المقاطعة الرباعية ، تحركت شرقا وغربا و طافت كل عواصم صنع القرار في العالم من آمريكا إلى لندن إلى باريس إلى برلين إلى موسكو ، يعني كل عواصم الدول المؤثرة في القرار الدولي حاولت قطر أن تضغط من خلالها من أجل إيجاد حل لهذا الخلاف، وبعد جولاتها المكوكية اكتشفت أن الحل ليس في العواصم العالمية الكبرى أو الصغرى ، وطرقت قطر كل الأبواب والنوافذ العالمية ، ولكنها اكتشفت أنها تطرق الأبواب والنوافذ الخطأ ،

 

  • لماذا خطأ اليس الخلاف عميقا ويتطلب تدخلا دوليا خاصة من الدول المؤثرة في صنع القرار الدولي المرتبطة بمصالح وصداقات مع دول الخليج الست ؟

 

  • خطأ لسبب بسيط ، هو أن هذا القرار خليجي رباعي صرف والحل هنا في الخليج ليس في أي مكان آخر من العالم ، الحل كما ذكر أحد كبار المسؤولين الاماراتيين في الرياض ، وهذا ما بدأت قطر تدركه الآن ويتضح جليا لها بعد ضياع الكثير من الوقت.
  • أيضا قطر أدركت على مدى السنوات الثلاثة من المقاطعة ،أن هناك عزلة نفسية من أقرب الناس إليها ، وهذه الحالة النفسية مؤثرة جدا وأخذت تؤثر أكثر على قطر ، وهناك أيضا عزلة سياسية فهي وجدت نفسها محاصرة ومقاطعة ، وهذا يؤثر حتما على دورها الإقليمي والدولي ، إذن هناك تأثيرات خطيرة لهذا الخلاف على نفسية صانع القرار القطري ، وعلى الشعب القطري أيضا الذي يرى أن إنتماءه خليجي عربي وليس تركي أو إيراني.

واعتقد أن بدأت فعلا تستشعر خطورة إستمرار الخلاف من الناحية النفسية ، رغم أن التأثير الإقتصادي له ليس عميقا، فالمقاطعة عبر التاريخ لم تغير لا حكومات ولا سياسيات ، ولكنها تترك تأثيراتها النفسية الصعبة ، فالدول لا تود أن تكون مقاطعة أو منبوذة أو غير مرغوب فيها ، فهذا يحملها أعباء نفسية لا تطيقها ،ولا ترغب في إستمرارها طويلا.

وعندما تطرق قطر اليوم باب الأمم المتحدة ، فهي تود فقط من خلال ذلك أن يشعر المجتمع الدولي بحالها وبعزلتها  ، لأنها تدرك مسبقا أن الأمم المتحدة ليست هي البوابة الملائمة لحل الخلاف الخليجي.

 

  • اذن الحل خليجي خليجي برأيك ؟

 

  • مائة بالمائة الحل خليجي ، فكما كان قرار المقاطعة خليجي ورباعي فإن الحل كذلك خليجي بلا شك.

 

  • قلت آنفا أنك تعتقد أن مسار الخلاف الخليجي يدخل الآن حيز الدقائق العشر الأخيرة.. ما دلا لات ذلك على أرض الواقع ؟

 

  • نعم يمكنني أن أؤكد لكم ولصحيفتكم الموقرة ، أن أشواطا متقدمة قطعت في مسار حل الخلاف الخليجي ، خلال الحوار الذي دار بين قطر والسعودية في الشهور الماضية ، فيما يتعلق بتلبية الشروط المطروحة على قطر ، والسعودية كانت تنوب عن بقية دول الخليج ، لكن الخلاف لا يزال مستعصيا على مستوى الأمور الإجرائية لإنهاء المقاطعة ، وقطر لا تزال متعنتة ، لكن أعتقد أنه سيتضح لها أن تعنتها ليس في محله.

 

  • ما ذا تقصد دكتور بعبارة الأمور الإجرائية ؟ هل يمكن أن تكشف “للصدى” السر الحقيقي لتعطل المفاوضات السعودية القطرية المفاجئ وتعطل مسار طي صفحة الخلاف الخليجي ؟

 

  • نعم يمكنني أن أفشي هذا السر لأول مرة لصحيفتكم الموقرة ، فالدول الاربعة أعتمدت بعض الامور الإجرائية في حوارها مع قطر عبر السعودية ، وقد اتفقوا تقريبا على معظم وليس كل الشروط ، وقطر استجابت لذلك ، ويبدو أننا قد وصلنا الى مرحلة صياغة البيان الختامي ، ولكن ما عطل ذلك هو أن الدول الأربعة أرادت أن يكون هذا الحل الجديد مختلفا عن الحل الذي تم التوصل له سنة2014 و2015 م ، حيث وقعت  قطر على التزامات لكنها لم تحترمها ، فكان السؤال هو كيف ندفع بقطر كي يكون هذا الاتفاق الجديد ملزما لها ، و وجدت الدول الاربعة ان الالية الوحيدة لإلزام قطر بتوقيعها ، هي توثيق الاتفاق الجديد لدى الأمم المتحدة ولدى الجامعة العربية  ولدى كل الهيئات الاقليمية والدولية  كميثاق ملزم لقطر ولكل الاطراف الموقعة عليه  ، وهذا ما رفضته قطر لأنها لا تود أن تلزم نفسها بميثاق دولي وإقليمي كهذا  لا تستطيع التنصل منه بسهولة  كما  تنصلت من الاتفاقات السابقة   ، ولذا الخلاف حاليا انتقل من التجاوب القطري مع الشروط للتجاوب مع الأمور الاجرائية وهو مستعص لكن في تقديري أن قطر سوف تعود لطاولة المفاوضات وستقبل بهذه الآلية الاجرائية لإنهاء هذا الخلاف الذي طال أمده ، واعتقد أن مخاطبتها للأمم المتحدة كما تفضلتم في موضوع الخلاف الخليجي مجرد تمهيد للعودة لطاولة المفاوضات وقبول الشرط الاجرائي المشروع للدول الأربعة.

 

  • وماذا عن المبادرة الخليجية ؟

 

  • خلال الشهور الماضية كان هناك حوارا مكثفا وفعالا ومسؤولا بين السعودية وقطر ، وطبعا السعودية تمثل دول الرباعي ، والى جانب هذا الحوار الذى دار على أعلى المستويات ، كانت هناك مجموعة من الحوارات الجانبية على المستويات الفنية ، وفي تقديري واعتقادي أن الحوارات الفنية لا تزال متواصلة ولم تنقطع ، وبالتالي نحن الآن نترقب قمة خليجية إستثنائية (قد تكون افتراضية )في شهر مايو المقبل ، وأعتقد أن الأعين يجب أن تتجه لهذه القمة ، وقد تتأجل الأمور للقمة العادية القادمة لنرى انفراجا أكبر لهذا الخلاف الخليجي بل ربما نرى تسوية نهائية.

 

المشهد العربي .. وتحول مركز النفوذ من المدن القديمة للمدن الجديدة !!!

 

الدكتور عبد الخالق في خرجات إعلامية سابقة لحضرتك فجرت نقاشا حادا في بعض العواصم العربية عندما تحدثت عن إنتقال “المركز العربي” من دمشق والقاهرة وبغداد لدول الخليج العربية  ، خاصة الرياض وابوظبي ، ماهي مسوغات هذا الطرح ؟

 

  • يا سيدي الحديث معكم ذوا شجون لما يثير من إشكاليات تلامس الواقع العربي ، وبالفعل أنا تحدثت سابقا عن أن الواقع العربي والمشهد العربي يشهد بروز ما أسميته بلحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر ، و “لحظة الخليج” عنوان كتاب لي نشر سنة 2018م وأعيدت طباعته سنة 2019 أيضا ، وباختصار شديد “لحظة الخليج ” في التاريخ العربي المعاصر تقول أن الوزن النسبي و الاستراتيجي ، و السياسي و الدبلوماسي و الاعلامي للدول الخليجية إزداد بشكل ضخم خلال العقدين الاخيرين ، فقد أصبحت هذه الدول أكثر حضورا ونفوذا وتأثيرا في الواقع العربي مما كانت عليه في السابق ، وقياسا بتأثير أي مجموعة عربية اخرى ، وهذه المسلمة تؤكدها كل المؤشرات التي يمكن للباحثين الرجوع لها سواء كانت مؤشرات سياسية ، أو اقتصادية أو دبلوماسية أو إعلامية أو مالية أو فكرية أو ثقافية .. كل المؤشرات تؤكد وتقول هذه  لحظة الخليج

 

دول الخليج بما فيها قطر تعتبر اليوم اكثر تأثيرا من باقي الدول العربية مجتمعة

 

  • دكتور أنت تتحدث عن دول الخليج بما فيها دولة قطر ؟

 

  • نعم أقصد دول الخليج الست بما فيها قطر ، فهذا الخلاف طارئ وسيزول ، وأنا أرصد  تأثير 20 سنة مضت لا اقصد السنتين الأخيرتين.

والذي أقوله بكل يقين – وقد يثير الانتباه والجدل وقد لا يحظى بقبول البعض – بخصوص “لحظة الخليج” هو أن دول الخليج الست بما فيها قطر سيدي العزيز تعتبر اليوم أكثر تأثيرا داخل 16 عشر دولة عربية بما فيها كبريات الدول العربية كمصر وسوريا والعراق والجزائر الخ ..وهذا التأثير أقوى بكثير من تأثير تلك الدول الستة عشر على دول الخليج الست ، وهذا بإختصار هو ما يجسد لحظة الخليج التي نعيشها ، وهذا ما يجعلنا أمام بروز عواصم جديدة ومدن جديدة تعتبر أكثر حضورا اليوم في القرار العربي ، والوعي العربي كأبوظبي ودبي والدوحة ،هذه أصبحت هي المدن المتقدمة ، وأصبحت هي المدن النموذجية بدلا من القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق ، وغيرها من المدن المتعثرة والمنهكة في الوقت الحاضر ، وهذه هي لحظة الخليج في التاريخ العربي ، المعاصر حيث انتقل مركز الثقل العربي بكل مؤشراته من الحواضر العربية القديمة الى المدن الخليجية الجديدة.

 

اقتصاديات دول الخليج اصبحت صخمة جدا فالسعودية مصنفة في دول العشرين والامارات تفوقت على تايلاند وسنغافورة

 

  • ولكن ما هي أسباب تراجع حواضر الثقل العربي القديمة وبروز هذه المدن الجديدة  ؟

 

  • هذا البروز ليس له علاقة لا من قريب ولا من بعيد بالنفط ، فالنفط كان موجودا منذ خمسينيات القرن الماضي ،  ودول  الخليج شهدت طفرته قبل عقود ،  لكنها لم تصل لما هي عليه  الآن من نفوذ وتأثير في الواقع العربي .

هذا أولا ، وثانيا إقتصاديات دول الخليج اليوم أصبحت إقتصاديات عملاقة فالسعودية مثلا أصبحت مصنفة ضمن عشرين اقتصاد في العالم ، والإمارات تمثل ثاني أكبر  اقتصاد في المنطقة العربية ، وتمثل أكبر ثلاثين أقتصاد عالمي ، فالإمارات اليوم تجاوزت سنغافورة وتايلاند اقتصاديا ،كما فاقت دولا آسوية كثيرة.

فهذا الثقل الاقتصادي ليس مرتبطا بالنفط وحده ، فالصناديق السيادية الخليجية تتصدر الصناديق العالمية ، فالصندوق السيادي الاماراتي مثلا يعتبر مصدر دخل أكبر بكثير من النفط في الامارات ، وحجمه اليوم يقدر ب 1,3 ترليون دولار امريكي ،  و ناتجه وإيراداته وفوائده أكثر بكثير من الإيراد النفطي ، وبالتالي دول الخليج اليوم إيراداتها  ضخمة جدا ، و أكثر من ذلك دول الخليج كانت ولا زالت بالمناسبة تتعامل مع المشهد العربي كمجموعة مترابطة ، وكمنظومة إقليمية تفتقدها الدول العربية ، وقد حاولت دول المغرب العربي أن تتكتل لكنها فشلت ، وحاولت دول المشرق العربي  وفشلت ، فمنظومة مجلس التعاون الخليجي عززت الثقل الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي  لهذه الدول الست ، ضف الى كل ذلك أنه بين كل الدول العربية بل في عموم المنطقة الممتدة من  باكستان الى موريتانيا نجد أنها المنطقة الأكثر توترا وعدم استقرار في العالم اليوم ، لما تعج به  من الحروب والميليشيات الارهابية و الجماعات المسلحة  و وسط هذه المنطقة التي هذا وضعها تعتبر دول الخليج الست هي الأكثر استقرارا سياسيا ، والمنطقة المستقرة دائما تكون هي منطقة النفوذ  ، والمنطقة المزدهرة هي أيضا منطقة الخليج العربي ، وهذا ما جعل دول الخليج تحتل مركز الثقل العربي الجديد وهذا الوضع في تقديري سيستمر حتى حين.

 

  • دكتور على الرغم من أنك لست خبيرا إقتصاديا لكنك قلت أن الاقتصاديات العملاقة التي حققتها دو ل الخليج خاصة الامارات والسعودية لا تعتمد على النفط ،هل يعني ذلك أن هذه الدول لن تتأثر بما يحصل الآن من تراجع غير مسبوق لأسعار النفط ؟

 

  • النفط في الحقيقة لا زال ملكا عربيا وخليجيا وآمريكيا وروسيا ودوليا وسيبقى ، فالاقتصاد العالمي مرتبط بهذه السلعة التي هي سلعة استراتيجية وسلعة سياسية وليست فقط سلعة تجارية ،فالنفط مهم لدى جميع دول العالم وتقلبات أسعاره تنعكس سلبا وإيجابا على الاقتصاديات العالمية ، والمتضرر الأكبر من هذا الإنهيار الكبير في أسعار النفط ليست دول الخليج بالرغم أنها تضررت ، وليست روسيا وليست أضا الدول المصدرة “أوبك” ، فأكبر دولة متضررة من هذا الإنهيار هي آمريكا ، وهذا ما جعل الرئيس الامريكي دولاند ترمب  يتدخل ليقول “رجاء ابحثوا لنا عن حل”

وهذا لا ينفي تأثر دول الخليج من هذا الإنهيار الحاصل في أسعار النفط ، ولكن ليس تأثيرا بالغا لأننا عندما ننظر لاقتصاد كاقتصاد الامارات مثلا نجد أن هذا الاقتصاد يعتمد على النفط بنسبة 26بالمائة فقط ، وكان هذا حلما بعيد المنال بالنسبة للإمارات ولكنها تمكنت من التخلص من هيمنة النفط على اقتصادها، من خلال تنويع مصادر الدخل ففي المجال السياحي تعتبر الامارات وجهة مفضلة ل 22 مليون سائح حول العالم سنويا ،وهذا الرقم يوازي ضعفي عدد السياح في باقي  الدول العربية مجتمعة ،  ونفس الشيء بالنسبة لقطاع الطيران المتألق جدا جدا في الامارات  ، فهي تعتبر مركزا متطورا للطيران المدني في العالم ، ومطار دبي اليوم هو الأضخم من نوعه في العالم بعد تقدمه على مطار “هيثرو” من حيث عدد المسافرين بعد تحقيقه لرقم 90 مليون مسافر سنويا ، وأيضا في القطاع التجاري يستقبل ميناء جبل علي بدبي 50 بالمائة من إجمالي التجارة في جميع الدول العربية ، وشركة موانئ دبي تدير اليوم نحو 80 ميناء في العالم من كوريا شرقا الى اتشيلي غربا ، إذن نحن نتحدث عن اقتصاديات عملاقة جدا والنفط على أهميته لم يعد هو العامل الأساسي فيها.

 

الى جانب “لحظة الخليج” هناك ما أسميه ب “الزخم الإماراتي”

 

  • دكتور هذا الحضور الاقتصادي المتميز لدولة الامارات هل هو المرتكز لتموقعها في المشهد العربي والاقليمي والدولي أم يعود ذلك أيضا لمبادراتها الانسانية والتنموية التي تطلقها حول العالم ؟

 

  • نعم أنا حين أتحدث عن ما أسميته لحظة الخليج في المشهد العربي الجديد ، اتحدث ايضا عن ما اسميته بالزخم الاماراتي ، فهناك في تقديري زخم إماراتي في لحظة الخليج ، فالإمارات نموذجها التنموي ملهم ، ونموذجها المعرفي متقدم ،  ونموذجها التقني متطور ، فأكثر دولة عربية اليوم تستثمر في البنية التحتية الرقمية وليس الصلبة هي دولة الامارات ، من حيث إدخال الذكاء الصناعي وإدخال الجيل الخامس ، ومن حيث التطور التقني ، وبالتالي هناك تفوق إماراتي نسبي في العديد من المؤشرات الحيوية التنافسية ، التطور التقني ، الحكومي وغير ذلك من المؤشرات الحيوية.

النموذج الإماراتي متجسد في شركاتها في مدنها ، وأهم من ذلك في قيادتها  فالإمارات ترفرف بجناحين هما جناح أبوظبي وجناح دبي ، وهناك تكامل وتنافس بين الجناحين ، الإمارات تحلق بجناحين قياديين هما الشيخ محمد بن زايد والشيخ محمد بن راشد ، وهما قائدان طموحان وطموحهما سيصل بنا الى كوكب المريخ وقد بدأ العد التنازلي لذلك ، وبالتالي الامارات محظوظة لكونها نموذج إتحادي مختلف ، ولكونها تحظى بهذه القيادة الشابة ، والإمارات اليوم واثقة من نجاحها بل من نجاحاتها ، و واثقة من حاضرها ومستقبلها  أكثر من أي وقت مضى في تاريخها المعاصر ، من يزور الامارات سيشاهد أعلى برج في الدنيا وهو برج خليفة ، ولكن هناك ما هو أعلى من برج خليفة ولا يشاهد ، وهو الثقة بالنفس ، فالإمارات واثقة جدا من نفسها وتلك بعض سمات الإمارات التي تتصدر “لحظة الخليج”

 

  • طيب دكتور في مقابل ما أطلقت عليه الزخم الإماراتي أو التصدر الاماراتي للمشهد الخليجي والعربي ، وحضورها الدولي هناك بعض الجهات والقوى العربية والاقليمية  لا يروق لها النموذج الاماراتي وتعمل على  شيطنة كل ماهو اماراتي ، ما هو السر في ذلك برايك ؟

 

  • هذا صحيح ، فمن يتابع الإعلام العربي اليوم بكل تشكيلاته ، وما تبثه بعض المنابر الاعلامية عن الامارات في سياق شيطنتها غير مسبوق، وربما لا يلامس أي دولة أخرى وبهذه المناسبة أتمنى أن يفهم قراء صحيفة “الصدى” الموقرين أن 80بالمائة مما يقال ويبث عن الإمارات في سياق شيطنتها غير صحيح ، وكله أكاذيب وفبركات وشائعات لا تستند لأي واقع ، وبصراحة ما تبثه اليوم وسائل الإعلام القطرية والإيرانية والتركية و الإخوانية عن الامارات يجب أن يوضع على الاقل موضع الشك ، لأن هدفه الوحيد كما تفضلتم في السؤال هو شيطنة الامارات وقيادتها الرشيدة ، وتعود هذه الشيطنة بالأساس لشيئ واحد هو أن الامارات عرفت تماما مصدر الخطر على إستقرارها واستقرار الوطن العربي ، وحددت جماعة الإخوان بشكل خاص وصنفتهم على أنهم من أكبر العابثين بالاستقرار العربي ، هذا الى جانب تصنيفها لجماعات التطرف والغلو، وبالتالي الإمارات أعلنت نفسها في مقدمة الدول التي تحارب هذه الجماعات، التي تنشر الإرهاب والتطرف والكراهية ، وهذا الموقف الاماراتي الحاسم هو الذي جعل الامارات تحصد من ضمن ما حصدت التركيز عليها وشيطنتها من طرف تلك الجماعات والدول الراعية لها ، يضاف لتلك الجماعات هناك من هم حولنا ويشعرون بالغيرة من الامارات كي لا أقول الحسد ، وأحيانا تكون تلك الغيرة في شكل منافسة غير شريفة ، وبالتالي طبيعي جدا أن تتعرض الإمارات لمثل تلك الحملات التشويهية والمشيطنة ، وهذا طبيعي فالناجح والمتصدر دائما يلقى مثل هذا المصير ، مصير الغيرة السوداء وليست الغيرة البيضاء ، وليس الحسد أيضا وإنما الحقد أحيانا  ، لكن الامارات مستمرة في سعيها ومسيرتها ولا تبالي بما يقال عنها من تلفيقات وفبركات ، وما يبث من شائعات وأكاذيب ، فالإمارات تنظر للمستقبل وتمضي نحو تحقيق استراتجياتها المحددة بدقة متناهية ، و لا تعير أي انتباه لمثل تلك الحملات الخاسرة ، لكن في مقابل ذلك الإمارات اليوم كسبت صداقات أكثر مما نتخيل  ليس فقط عربيا بل إقليميا ودوليا ، وأصبحت عواصم العالم وزعماء العالم على اتصال مستمر بما أسميه بالرمز الدولي 971 ، أي بعاصمة الامارات وبقيادة الامارات ، حيث يستقبل الرمز الدولي يوميا مكالمات من زعامات العالم يستشيرون ويتباحثون مع قيادة الامارات فيما يجري في المنطقة ويأخذون برأيها ويستأنسون بجهودها ، وبالتالي الإمارات اليوم أصبحت قوة من القوى المتوسطة الصاعدة في العالم ، بمعنى أن لديها شبكة واسعة من الصداقات الإقليمية والعالمية ، ولكنها أيضا تعتبر من القوى الناعمة في العالم حيث تحتل الترتيب 18 في العالم ولا توجد أي دولة عربية أخرى في قائمة الأربعين الأولى في ترتيب القوى الناعمة في العالم ،بمعنى أن صداقات الإمارات واسعة جدا على المستوى العالمي وعطائها يتصدر العطاء العالمي كما تحدثنا في بداية الحوار عن عطاء وإيثار الامارات في زمن الكورونا ، وهذا كله يضيف للنموذج الاماراتي المزيد من الاحترام والتقدير والمصداقية.

 تحية للاشقاء … وأتطلع لزيارة موريتانيا

  • الدكتور عبد الخالق في نهاية هذا الحوار الذي تتشرف صحيفة “الصدي” بإجراءه مع حضرتكم كأول وسيلة إعلام موريتانية تستضيفكم ، ماهي رسالتكم للقارئ والمثقف الموريتاني وأنتم تطلون عليه من خلال “الصدى”؟

 

  • يا سيدي العزيز للأشقاء في موريتانيا كل الحب والتقدير ، ونحن في الإمارات بيننا مع أشقائنا في موريتانيا علاقة أخوية عميقة جدا ، أسسها الشيخ زايد طيب الله ثراه ، ولموريتانيا تقدير خاص في الإمارات وفي قلوب الإماراتيين بحكم عوامل كثيرة ، ويهمني جدا في هذه السانحة السعيدة أن أنقل من خلال صحيفة “الصدى” الموقرة محبة شعب الامارات للشعب الموريتاني ، وكم أنا في شوق لزيارة موريتانيا التي لم أحظ بزيارتها حتى الآن هي ودولة عربية أخرى من بين كل الدول العربية ، ولكنني اتطلع لزيارة موريتانيا قريبا  ، ومرة أخرى شكرا لصحيفتكم لإتاحة هذه الاطلالة والفرصة السعيدة للتواصل مع الاشقاء الاعزاء والكرام والنخب الفكرية والسياسية في موريتانيا . 

 

المصدر : صحيفة الصدى الموريتانية الاسبوعية الصادرة بتاريخ :06رمضان الموافق 29-04-2020