التاريخ ومحنته في موريتانيا / د.حماه الله ولد السالم

الأكاديمي الموريتاني حماه الله ولد السالم

يذكر الكاتب حسنين هيكل أن المؤرخ الإنجليزي ذائع الصيت هوبزباوم خاطبه قائلا: أنتم معشر العرب لن تفلحوا في استئناف نهضتكم، لأنكم، ببساطة، لا تعرفون الفرق بين التاريخ والماضي!

كان المؤرخ الإنجليزي يقصد أن التقدم يحتاج وعيا تاريخيا، يمكّن من فهم منطق التجربة البشرية، لكن ذلك يظل مستحيلا أمام من لا يعرف أن ثلاثية الماضي والحاضر والمستقبل لا وجود لها إلا في الذهن، لأنها ببساطة منتج عقلي تقريبي لضبط موقع الإنسان في نهر الزمن “السرمدي”، تماما كمن يسير في أرض خلاء في ليل بهيم ليس فيه ضوء ولا مَعلْم، ما يجعله تائها في الصحراء لأنه لا يعرف وجهته، وذلك لأن التواريخ والأحداث هي معالم في الزمان، تماما كالجبال والشجر في الأرض الخلاء وكالنجوم في جو السماء.

والأكثر طرافة وربما مرارة أن غالبية من يتحدثون عن “الماضي” (أو ما يعتقدون أنه تاريخ) لا يستطيعون تعريف هذا العلم ولا تمييزه عن “ضده” من العلوم الاستدلالية الأخرى.

المعرفة التاريخية الحديثة ضعيفة في أغلب البلدان العربية، ولذلك تسود التصورات الأسطورية والبدائية والإيديولوجية التي تعمر الذهنية العامة وتخلط بين الحقيقة وضدها وتشوه التاريخ ومعرفته.

ولا يكاد السؤال عن معنى التاريخ يجد جوابا، بل يبقى سؤالا غريبا، تصعب الإجابة عنه، على كل من تطرحه عليه من المختصين فبالأحرى من المتعلمين العاديين.

والأعجب بل والأغرب أنْ لا يجيبك عن هذا السؤال طلبة التاريخ في الجامعة، وأن يتلكأ المؤرخون في تقديم تعريف مقبول لميدانهم الأصلي.

ضبابية المصطلح وغموض سياقه، ترجع إلى طريقة تدريس التاريخ في مؤسساتنا التربوية، وإلى أسلوب تلقين المادة التاريخية في الجامعات، وكذا بسبب الانكفاء على صعيد التنمية المجتمعية.

التاريخ علم يدرس تطور التجربة الإنسانية ويرمي إلى وضع حوادثها في سياقها المنطقي والزمني، بغية فهم منطق الصيرورة التي تطال السياسية والحرب والمؤسسة ونحلة العيش والعقلية وطبيعة الوسط من أرض ومناخ.

الحدث التاريخي هو الكائنة التي تحدث في زمان ومكان معينين وتؤثر على أكبر قدر من الناس وتهم عصرهم.

وميزة الحدث التاريخي أنه فريد لا يتكرر ولا تمكن استعادته بحذافيره، ولا يمكن التنبؤ به أو إخضاعه للفحص، على النحو الذي يفحص فيه المُجْهِر واحدة الخلايا أو إحدى قطع الصخور!

كان التاريخ عند الأوائل من يونان وروم وعرب سردا “لحوادث الماضي” وتركيزا على ما يتصل منها بالخاصة من ملوك وأمراء وقادة بدل العامة بمختلف أصنافها.

ولذلك لم يؤرخ الأقدمون إلا للحوادث المدوية كالزلازل والحروب والجائحات، أو المشهورة كوفيات الملوك والأعيان وغيرها، أي تواريخ الوقائع السياسية والاقتصادية والعسكرية.

ويعود ذلك إلى كونهم لا يرون من “الحدث” إلا جزءه الظاهر، بينما تختفي عنهم أجزاؤه العميقة التي بتنا نعرفها اليوم، ولأنهم، كذلك، يطابقون بين التاريخ والماضي، أي بين الحدث وزمانه الذي يصبح بالنسبة لمن يرصده ماضيا انقضى.

تغير كل ذلك، وبتنا نعرف اليوم، مع مدرسة حوليات الفرنسيةEcols des) (Annales، ومدرسة التاريخ الجديد الإنكليزية، أن الحدث التاريخي حدث معقد يتكون نتيجة لعوامل متعددة، أي لحوادث أخرى مختلفة المستويات، منها الحوادث السريعة والوقائعية التي تظهر في الحروب وخلافات الساسة وصعود الأسعار ووفيات الأعيان وغيرها، وهي النتف المتاحة من “الحدث التاريخي” للعامة وللمتعلمين أو المهتمين بـ “التاريخ”.

أما القوات العميقة لذلك الحدث فتصنعها “حوادث” أكثر تعقيدا، هي البنيات الفكرية والاقتصادية والمجتمعية، التي تتحرك بصمت وعمق، وتتطور عبر مُدَدٍ طويلة تصل القرن أو القرون، وهو ما يسمّيه مؤرّخو “الأنّال”: المدة الطويلة (Longue durée).

وهناك حوادث أعظم خطرا في تحقيق مصائر البشر، هي الحوادث الراكدة التي تتطور عبر مسار تاريخي موغل في الطول يصل أحيانا آلاف السنين أو ملايينها ومثالها زمان التربة والمناخ ..

ويبقى على المؤرخ أن يجمع مادته من “آثار” و”شواهد” تلك “الحوادث المختلفة المتباينة الشديدة التنوع والثراء والتعقيد.

لم تعد الوثيقة التاريخية هي النص المكتوب الذي يوصل إلينا شواهد عن “الماضي”، بل صارت مفهوما أكثر تعقيدا وخصوبة، يشمل كل شاهد أو أثر أو رمز يحمل معنى عن حياة البشر وتحولاتها، ولذلك يهتم المؤرخون اليوم بالوثائق المختلفة كالنوازل الفقهية والصكوك المالية والمراسلات الأدبية فضلا عن وثائق الحكم والحرب، ويجمعون أجزاء ما أمكن من شواهد الحضارة والثقافة كالنقود والألبسة والأسلحة والأثاث والمعمار، ويسجلون أيضا روايات شهود العيان شعرا ونثرا وسردا، ولا يتركون نتائج البحث في المناخ والتربة والمياه عظيمة الأثر في حياة الإنسان.

ويبقى استخلاص “المادة التاريخية” من ذلك الركام المعقد المختلف شكلا ومضمونا، وتلك مهمة المؤرخ المحترف الذي يمتلك ثقافة موسوعية حول الحقبة التي يدرسها ويحوز معارف واسعة من الألسنية والأدب إلى الجغرافية وعلم السكان والاقتصاد السياسي وعلم الإحصاء والحضارة وغيرها من العلوم التي يسميها المؤرخون “العلوم المساعدة” لأنها تساعد المؤرخ على تحليل مادته التي تشمل سلاسل الأسعار ودرجات الحرارة ونصوص الفكر والأدب وحتى المذكرات الحميمة.

أما استخدام تلك المادة في بناء سلسلة الأحداث، فهي عملية معقدة ودقيقة تتطلب جودة الأسلوب ورهافة الحس ورصانة العرض والبعد عن اللغة الصعبة والمعجمية، كما توجب المهارة في حبك الحوادث ورص بعضها إزاء بعض، والقدرة على بناء “الحدث التاريخي” بوصفه نتاج عوامل سياسية وثقافية واقتصادية مختلفة حسب طبيعة الحقبة ومنطقها، إلى غير ذلك من تقنيات ما يسمى في صناعة التاريخ “الكتابة التاريخية” أي الصياغة النهائية للأحداث وعرضها بطريقة سهلة دقيقة تجمع بين العميق منها والسطحي و السريع منها والبطيء. ويقابل هذه العملية، في عرف المؤرخين، ما يعرف بـ “المعرفة التاريخية” وهي ثقافة المؤرخ وتاريخ تطور الفكر التاريخي ومساهمة المعارف الأخرى فيه كالفلسفة والحضارة والاجتماع، لكن على المؤرخ الحذر من الخلط بين “المعرفة التاريخية” و “الكتابة التاريخية” إلا إذا كان بصدد تأليف أطروحة جامعية تقتضي ذلك.

كما ينبغي الحذر من الخلط بين علم التاريخ، المُعَرّف آنفا، وفلسفة التاريخ التي صارت في عداد الأموات وبقيت قيمتها فكرية بالأساس.

ولذلك يجب تجنب التصور الفلسفي في كتابة التاريخ، لأن حوادث الحياة البشرية لا تخضع لقوانين ثابتة أو لمنطق حتمي، ومن هنا لا يمكن التنبؤ بمسارها. بينما تهتم فلسفة التاريخ باكتشاف “القوانين” التي تحكم مسار التاريخ والغاية التي يتجه نحوها!

كما يجب على المؤرخ تجنب الأحكام المعيارية، لأن حكم القيمة يخرج بالمؤرخ عن الحيّاد ويجعله طرفا في الحوادث التي يؤرخ لها، كأن يحكم على طائفة من المسلمين بالكفر أو الفسق دون يكون ذلك بطريقة مباشرة، أو يصدر ألقابا في حق بعض الأعيان كالعلامة أو الأفضل و الأعظم و البطل الهمام وما شابه، لكنه يستطيع تقديم آراء الفرق في بعضها على نحو متوازن، وبمكنته إيراد تلك الأوصاف بردها إلى صيغ التحلّي والتلْقيب التي ترد في كتب التراجم والطبقات، وقس على ذلك!

لم يعد التاريخ سردا للحوادث عن الخاصة بل صار تاريخا للإنسان، مهما اختلفت ملته أو عرقه أو نحلته من العيش، ومهما كان موقعه من مدارك الاجتماع.

ورغم ذلك فإن المؤرخ الذي يتنكّر للحدث، إنما يتنكّر لمادته الأساسية، ولذلك تظل الوقائع السياسية والحربية واليومية في قلب التاريخ وكتابته، ومن دونها تفقد العناصر التحليلية وجهتها لأن “الحدث” و “والوقائع” هي بمثل البوصلة تحدد الاتجاه في والموقع لكي لا يضيع الإنسان في نهر الزمان السرمدي، ولأن الماضي و الحاضر والمستقبل، لا وجود لها إلا في الذهن البشري.

أطلنا بتلك المحددات والقواعد تبصيرا للمهتمين بحقل التاريخ، وتنبيها للموغلين في حقله ممن لا يعرفون عنه شيئا، وصدا للمتطفلين على هذا العلم الصعب والشيق والذي تستباح حرمته اليوم في موريتانيا، ويتسوّر محرابه العابثون والهواة، يسرقون الأطروحات ويتلاعبون بالنصوص ويتزيدون في القول والفعل ويلا يعرفون شيئا يسمى عزوا أو إحالة أو أمانة علمية البتة.

هذا الوضع الكارثي تعزّزه لامبالاة رسمية حتى أنّ معهد إيفان ( IFAN) في السنغال وجه برسالة إلى السلطات الموريتانية يطالبها باستلام حصتها من الأرشيف العلمي الاستعماري في المعهد، وإلا تعرض للإهمال أو للتلف، ولم يحصل الجانب السنغالي على رد لحدّ الساعة، لا من وزارة الثقافة ولا من الهيئات التابعة لها مثل معهد البحث ولا من الأرشيف الوطني ولا حتى من بقايا المكتبة الوطنية أو من المتحف. رغم أن عملية النقل هذه قد لا تكلف أكثر من سيارة نصف نقل مركونة في فناء إحدى الوزارات “العتيدة”.

هذا الاستخفاف الرسمي بالذاكرة الوطنية يعزّزه نزوع مستمر إلى العبث بالتراث، وتجفيف ممنهج لمنابع “الإلهام” القيمي والإنساني، وتدمير مصادر البحث والتفكير، ما يجعل كتابة تاريخ بلدنا عملية شبه مستحيلة، لاسيما في ظل نفوق سوق الرداءة الفكرية والمؤسسية، التي تسطح كل شيء، وتفرغ كل فعل خلاق من مضمونه ومعناه. وهو واقع مؤسف أسلمتنا له السياسات الفاسدة والجاهلة، تماما كنظيرتها في بلاد العرب الأخرى، والتي جعلت من العرب ونحن منهم خارج الأمم والحضارات التي تستفيد من تاريخها.

لن ينجح أي “مشروع” لكتابة التاريخ الوطني، ولا أي مشروع ثقافي، لأن شرط البدايات مفقود تماما وهو حصول حد أدنى من الجدية العلمية والإرادة الرسمية، وهما شرطان غائبان تماما في بلدنا هذه الأيام.

تنال كل مرحلة من عمر الدولة الوطنية قِطّها من الرداءة الفكرية والمؤسسية، ما ينعكس بصورة أسوء في المُنتج المعرفي والثقافي، وتزداد الآثار فداحة على الذاكرة الوطنية التي تتشتت وتكاد تمّحي، رغم السجالات العقيمة والمبتذلة أحيانا، بين المنشغلين بـما يسمى “المقاومة” أو “المسالمة”، في سياقات تشويهية وعبثية، تزيد طين الذاكرة الوطنية المأزومة أصلا بللا بل تجعله وحْلا ورملا متحركا.

يبدو “تاريخ البلاد” مجرد “تواريخ” ما ـــ قبل الدولة، روايات شبه أسطورية ووقائع مفككة، وتواريخ ميتة لا تعبر عن أي سيرورة تاريخية منسجمة.

لا يبدأ التاريخ الوطني إلا في شكل كتابة تاريخية نقدية، أي بعد تخليص التاريخ من الجانب الأسطوري والتمجيدي، وهو ما لم يحصل لحد الساعة.

بعض البلدان العربية، دخلت مرحلة التاريخ النقدي، رغم الخصَاص المُبين في المادة الأولية، وتجاوزت التواريخ التقليدية التمجيدية والأسطورية وحتى الانتقائية.

منطق السيرورة غائب تماما، ولذلك لا يتم البحث في أسباب الحدث التاريخ ولا نتائجه، ولا حتى منطقه الداخلي البديهي، وييتم الاكتفاء بسردية عقيمة و وقائع ميتة، يعمرها نفس أسطوري كالح أو روح تمجيدي مقزز.

الانتقائية بارزة لا تخطئها العين، يتم حذف “التواريخ المزعجة، أو نسيانها ابتداء، ويتم بتر الحدث في مساراته المتناقضة مع الخطاب “التمجيدي”، ليتم تقديم حبكة بالغة الطراوة تصلح للبركة أكثر منها للفهم والتعقل.

بالمقابل يتشبث آخرون بالعقلانية “الاستعمارية” وكأنها بداية “الانكشاف” أي الدخول في عالم التاريخ، وما قبلها هو الأسطورة، تماما كالغزو الإسباني للألدورادو(El Dorado ) في أمريكا اللاطينية.

يعكس طابع التشنّج والتوابل الحرّيفة من السباب والشتائم، والتكفير الديني والحداثي، عجزا عميقا عن الخطاب المعرفي وفشلا ذريعا للدولة الوطنية في بناء مشروعيتها التاريخية.

لا يجد أي مُكوّن مجتمعي ولا ثقافي، قلّ أو كثر، ضعف أو صلب، ذاته في “التاريخ المتداول، بل يجده مجرد مهاترات منْقبية أسرية وحتى مناطقية مغبرة وقاتمة خالية من أي معنى إنساني أو مدلول عقلاني، أو استنساخ للكتابات الاستعمارية والاحتجاج بها، في نوع من الاستنجاد الثقافي بالخارج!

يرجع ذلك إلى أن التاريخ المتداول هو تاريخ تقليدي وليس تاريخا نقديا يؤرخ للإنسان وليس للفرد، وللمجتمعات وليس للجماعات وللمؤسسات وليس للحكومات.

وكلما توسعت دائرة التاريخ العلمي ازداد حضور القوى الاجتماعية والثقافية المهمشة والمغيبة وصار أكثر شمولية وإحاطة بكل التواريخ الرسمية والفردية والمؤسساتية والمجتمعية. أي أن بناء تاريخ شمولي رهن بعلميته.

سيكون في غاية السفه والساذجة من يحاول ترميم ما وهىَ من الذاكرة الوطنية في ظل تسارع وتيرة الهدم الممنْهج لكل ما هو عقلاني وقانوني وحتى إنساني في هذا البلد!

الطابع الاستعراضي للسياسة الثقافية بارز لا تخطئه العين، هو جزء من الولاء للحاكم والبراءة من خصومه، وهو أيضا وسيلة لتمرير النفع العاجل للأقربين إيديولوجيا واجتماعيا، وبطريقة و مقززة.

كتابة التاريخ تبقى جزء من كلّ هو مشروع الدولة الوطنية الذي يواجه فشلا حقيقيا، في ظل الاستبداد والرؤية الأمنية قصيرة النظر واليد، والنظرة الاستهلاكية البدائية وسياسة “النعامة”.

عندما يتدارك الموريتانيون ذات يوم وطنهم، ويبدءون مرحلة إعادة البناء، إن تمهّد لهم ذلك، سيكتشفون فداحة الضرر الذي أصابهم في الصميم، وأنه يجب عليهم بناء ذاكرتهم من الصفر.

يتجدّد مع كل رصاصة “ترحيب” بالاستقلال، احتكاك سجالي ساذج وعقيم، بين باعة السرديات الطرية والخطابات المعلبة، ما يعكس عمق أزمة الضمير الجمعي وفداحة المأساة الوطنية.

في الجزائر مثلا ـ حسب بنجامين ستورا، بدأ التاريخ النقدي لحرب التحرير، مع أعمال علمية نقدية مثل كتابات محمد حرْبي، سعت إلى تخليص تاريخ تلك الحقبة التأسيسية من الأسطورة والخرافة والتمجيد، وإعادة كتابتها بوصفها “منتجا بشريا” قابلا للنقد والقراءة، ليصبح جزء من “التاريخ الإنساني” وليس عملا بطوليا محلقا في سماء الوهم، ما يمكّن بناء الذاكرة وتجديد المشروعية بعد حرب الكفاح الوطني الشهيرة.

وفي المغرب تجاوز المؤرخون مرحلة التاريخ الوطني، وطفقوا ينجزون أطروحات تأسيسية في كتابة التاريخ الشمولي من منظور معرفي نقدي وشمولي،

وهو حال الأعمال التي أنجزها مؤرخون ومفكرون في تونس وليبيا وغيرها من البلدان الشقيقة.

مسار البحث التاريخي الوطني تراجعي تماما، بدأ بإسهام موريتاني جدي في تاريخ المتوسط مع أطروحة محمد ولد داداه عن “مفهوم الملك في المغرب، في ثلاث مجلدات تحت إشراف عالم التاريخ الوسيط روبار برونشفيج.

وتوالت كتابات المؤرخ البحاثة المأسوف عليه محمد الشنافي، الذي قدم العناصر الرئيسة لكتابة التاريخ في غرب الصحراء، ومهد الطريق لكل المؤرخين الموريتانيين.

وتعززت تلك الأعمال بنتائج الأبحاث الأثرية التي قام بها الباحثون الفرنسيون في مواقع المدن الدراسة (قبة صالح، تـﮔداوست..).

كانت تلك الحصيلة نتيجة مباشرة لبعض جوانب التقدم في مشروع الدولة الوطنية في عهدها الأول، رغم الأخطاء الفادحة لمسار النقاش حول المسألة الثقافية والهوية الوطنية.

مع تصاعد وتيرة “عسْكرة الدولة” ازداد انحدار مستوى الإنتاج المعرفي، رغم ازدياد أعداد “المُنتج المكتوب” كميا، تحت تأثير تقني وسلعي في المقام الأول.

الكتيبات المدرسية ذاتها، بدأت مشوهة وناقصة، لكنها كانت أكثر قربا من منطق التاريخ الوطني، ثم أصبحت كتابات تمجيدية أو سردية فارغة من أي معنى تاريخي جدي.

بغياب المشروع الوطني الجامع، تُعزّز المشاريع قبل الوطنية، مواقعها، وتنتج تواريخها الخاصة، ما يكرّس “الهويات القلقة” ويُنتج مزيدا من الرداءة يجعل “الضمير الجمعي” و “الوعي التاريخي” خارج رهانات اللحظة.

الخوف من المستقبل هو النتيجة المباشرة لفشل الدولة الوطنية في تحقيق طموحات المواطنين، ما يجعل التخندق في الولاءات الريفية أمرا مشهودا وطبيعيا، لكنه يجذّر الريبة التي تستحيل رفضا للآخر في الوطن، جهة أو قبيلة أو طائفة، ما قد يتحول في نهاية المطاف إلى كراهية عميقة.

ومن المستطرف، وربما المُبكي، أن الموريتانيين يتسوّرون بسهولة “محْراب” علْمين اثنين: الطب والتاريخ، بل ويتفننّون في تقويم عمل الطبيب وكتابة المؤرخ، ولا يقيمون وزنا لأي تكوين أكاديمي مهما كانت مستواه أو تعقيده، ولذلك فالكل هو طبيب بالفطرة ومؤرخ بالواقع.

لكن أيا من أولئك لا يحير جوابا عن السؤالات المعرفية القلقة عن مفهوم التاريخ؟ ولا عن منهجه؟ ولا عن تقنية الحبكة التاريخية؟ ولا حتى عن أوليات الوصف والتفسير.

ساحة علم التاريخ مستباحة، تماما كغيرها من العلوم والمعارف، لنفوق سوق الرداءة الفكرية والمؤسسية التي تعمر كل شيء، وتجعل من “كل شيئ” قابلا للبيع والشراء.

يستطيع الجانب الرسمي إنفاق مليارات الأوقية على الأعمال الاحتفالية والفلكلورية، وبجرة قلم، لكنه سيمتنع ويتمنع، بل ويكابر، حين يتم تقديم مشاريع علمية جدية لكتابة التاريخ الوطني، أو لتنظيم الحقل المعرفي والثقافي.

يعتقد أولئك أن “الطابع الاحتفالي”، التشويهي في واقع الأمر حتى في الصور المعروضة على الكتيبات، يكفي لتثمين الثقافة الوطنية، وهو منظور إداري لا تنقصه الوقاحة تماما كالرؤية الأمنية قصيرة النفس واليد أيضا.

كتابة التاريخ الوطني، هو عملية مستمرة، علميا وإيديولوجيا، تتطور بتقدم مشروع الدولة، نجاحا وإخفاقا، وكلما حققت المجتمعات الحديثة تقدما في الاندماج المجتمعي وترسيخ مفهوم المواطنة استطاعت قراءة “الماضي” بنسبية وعقلانية، والعكس صحيح، وفي ظل غياب مشروع وطني جامع تطل المشاريع ما قبل الوطنية، وتصبح جزء من الرداءة السياسية والمؤسسية والفكرية، تمتح من بئرها النتن وتنزح من سواقيها العفنة.

لم يكتب تاريخ موريتانيا الوطني لحد الساعة، ولذلك تمتلئ الساحة بخطابات متشجنة ومعبرة عن الهويات القلقة مجتمعيا، وعن الخوف من المستقبل.

غالبية التواريخ المتداولة، كتبت بأياد غير علمية، غير مؤهلة علميا ولا أكاديميا، باستثناء أطروحات دكتوراه متخصصة موجهة لغايات أكاديمية محددة، وليست موجهة إلى القارئ العادي الذي لا يستطيع معرفة غير الخلاصات السهلة، ولذلك لا يجد بدا من قراءة الكنانيش التي تحوي أسماء الرجال والوقائع الجزئية والروايات الشفوية التي تصلح لتهدئة الأطفال عند النوم، وإن كانت تحوي بعض الفائدة العامة لاسيما إن جمعت المادة الوصفية بشيء من التحقيق الشخصي.، لكنها تبقى قاصرة عن الوفاء بمطالب البحث العلمي المعاصر.

كتابة التاريخ “الوطني”، هي أولا، مسؤولية الدولة، والتي لا تقيم وزنا لتلك المعطاة بل تعتبر التاريخ مادة مزعجة ومقلقة لاسيما إن دخلت في مواضيع من قبيل المسألة الثقافية والهوية الوطنية.

عندما يغيب التاريخ الوطني تطل وبشكل قبيح “تواريخ” ما ـ قبل الدولة، وتمارس تأثيرها السيئ على الذهنية الجمعية بل تشكل بعض مظاهرها اعتداء فجا على عقول الناس وحرمة شعورهم.

يبقى من واجب المؤرخين في موريتانيا أن يصيروا إلى كلمة سواء في المنهج والرؤية والعمل، لحماية حرفتهم من الهواة والسرّاق والعابثين و ومن أجل النهوض بعلم التاريخ في بلادنا.

نقلا عن صفحة الكاتب على الفايسبوك