الثوابت القومية و المتغيرات: محاولة لإعادة الترتيب (حلقة أولى من 20)/ بقلم الشاعر ناجي محمد الإمام

يقوم الفكر القومي العربي في مدرستيه الناصرية و البعثية علي طرح واحد في جوهره وإن اختلفت الاولويات ترتيبا لا أهمية ، ولو أن ذلك أسال الكثير من الأقلام والألسنة لما كانت تتسم به المرحلة من حماس و”شخصانية “، و تتلخص في هدفين جوهريين وثالث “كمالي” أو “إجرائي” :

الهدف الأكبر والأقدس :الوحدة :وهي كما يدل عليه اسمها تحقيق الوحدة الشاملة الناجزة بين الأقطار(الأقاليم) العربية والشعب الموجود فوقها استعادة لواقع كان قائما إلي ما قبل الإستعمار الأوروبي، وإقرارا لحقيقة كون الشعب العربي من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي ينتمي إلي الحضارة العربية لغة ًو عاداتٍ و تقاليدَ وأنماطَ عيش و تفكير و طموحٍ ،ومنظومةَ أخلاق وسلوك و وحدةً وتواصلاً  فى الأرض و تكاملًأ  في الثروات وتنوعِها و وفرتِها.، و هي المقومات التي لا تتوفر في كثير من البلدان الموحدة أصلا أو فصلا.

الهدف الآخر: الحرية بمعناها القائم “حصريا” آنذاك ،على التحرر من الإستعمار أي تحرير الأرض العربية من الغازي الأجنبي المحتل و خاصة الإستعمار الإستيطاني الصهيوني.                                                                                                        

الهدف الكمالي أو الإجرائي : الإشتراكية ، وهي عند المدرستين ، بغض النظر عن مدرستيها الأم الشيوعية و الجوريسية (نسبة إلى المفكر الفرنسي جان جوريس)، تحقيق العدالة الإجتماعية للطبقات المسحوقة من  الشعب العربي بالتوزيع العادل للثروة القومية على المواطنين وضمان بل كفالة مجانية التعليم والصحة و التكافل الإجتماعي ، والتفرغ للإبداع و المساواة بين مكونات المجتمع أفرادا و جماعات ، بإذابة الفروق الإجتماعية سلميا ، تفاديا للثارات والعشائرية والإنتقام، مع احترام الملكية الفردية وحرية التملك والرأسمال الوطني الذي لا يستغل ولا يحتكر بضمانة قيام قطاع عام قوي يشرف ويشارك في الصناعات الإستراتيجية الكبرى و يضمن جودة المنتوج المصنع أو المستورد حفاظا على سلامة الناس وتطبيقا لمبادئ العدل(و يؤكد عبد الناصر في الميثاق على مطابقتها للشريعة الإسلامية) وقد شاعت كلمة واحدة شكلت شعار المرحلة آنذاك هي: إقامة مجتمع الكفاية و العدل.

وقد شكلت هذه المنظومة الفكريةُ المرجعيّةَ الإيديولوجيةَ لفصيلي القومية العربية منذ الأربعينيات ( البعث  ) و الخمسينيات ( الناصرية  )، و لقد جرت ، بعد هذا،مياهٌ  كثيرة  تحت  جسور النيل  و  دجلة  و بردى ،كان بعضها جارفا و البعض هادئا، و هبت عواصف هوجٌ في الصحارى العربية أطاحت بخيام و اقتلعت  بيوتا و نصبت |أخبية” ما لبثت أن تحولت إلى قصور(من البناء و التقصير) وتطاول هاؤلاء في البنيان وأولئك في الهدم وأولاك في الردم ، وتضاعف عدد الأقطار بدل الوحدة وتشرذمت المدرسة الوحدوية في طبعات مذهبية و رُؤَي “فكرية” تتنابز بالنعوت و الألقاب المزرية ، واستفردت قوى الرجعية و الإستعمار بكل فِرْقٍ تلغمه وتلقمه إلى أن تحولت بوابات الثورة العربية إلى معابر للعبرانيين جهارا نهارا وأصبحت الخيانة العظمى  وُجهة نظر عليك أن تسمعها و تحترمها …فانجرفتْ قيادات و وُجوهٌ إلى حضيض الواقعية ” الوقوعية ” فى انهيار عربي لا قرار لهُ، إذْ لا حدود لخيانة الطلائع لأنها زلزال قيَّمٍ، وانهيار عقيدة  وسقوط … أمة دَوِيُّهُ يصُمُّ الآذان عن الحق مُدَدًا متطاولةً، ويَصِمُ ذاكرة الشعوب ذلّة وتخاذلاً و إحباطا و مداورة.

ولأن المطلوب رقم1 فترة التفكيك الكبرى(كامب ديفيد) ، كان بالدرجة الأولى التنظيمات الشعبية القومية و حركاتها السرية النائمة والنشطة ، وقد تكفلت بذ لك أقطار عربية تمويلاً، وغربية استخباريا، كما تطوعت بعض الأنظمة المصنفة تقدمية ، نكاية بأصحاب فكر لم يقبلوا الذوبان والتحلل مدفوع الأجر فيها  ، وقامت بتزويد أنظمتهم  بأسماء قيادات كانت تتواصل معها…

قد عانت النخب والطلائع القومية المناضلة ألوان الإضطهاد والعذاب و الحرمان ، و بسبب خيانة الكثير من قياداتها ،تحت تأثيرات شتى من التجويع و الترويع والتعويد على انماط الإستهلاك (التسمين) و زراعة “المقاولين الإستخباريين من الباطن” و خلق النماذج البديلة الصداحةالمداحة بحمد الأحكام لمّاعة ببريق الرشوة مُشيرةً  باستهزاء إلى وُجوه المناضلين الشاحبة و شفاه أولادهم الناشفة..فكانت حرب النموذج “الشبعان” ناجحة إلى حدود لم يتصورها مفكرو الموساد الذين وضعوا هذه المقاربة منذ عقدين .(توجد وثائق على الأقل للمنطقة).

وهكذا كادت تختفي بعض التيارات الشعبية العارمة الفاعلة بسبب تلاحق الضربات تحت الحزام ،من ذوي القربى وذوي الغًربة والإربة، ومفاعيل القصف المزدوج من أعداء الداخل (الحركات  المناوئة التي استقطبت  قيادات ميدانية قومية بنفس الأسلوب المادي للأنظمة)وأعداء الخارج (الأنظمة  العربية والكيان و وراءهما الإ ستعمار الجديد).لكن أجيالا تمترست خلف بعض القادة و التزمت بالثوابت حافظت على حد أدنى من الوجود ، ولن نتعرض للرموز الكبار، ولكننا سنقتصر على التنويه بالتحالف الشعبي التقدمي و البؤرة الناصرية فيه، و حزب الصواب و البؤرة البعثية فيه، فلقد أثبتا حيوية  وفهما متطورين للمتغيرات مماأهلهما للبقاء في الساحة رغم جور المادة فى النمذج الديمقراطى الغربي المبني على الرشوة الذهنية و بقشيش الباب الدوار و الفاعل المستتر…

ودون أن نسعى فى هذه المقاربة إلى أي طرح مسبق فإننا من واقع التجربة سنتعرض بالنقد و التحليل للتجربة الناصرية من الداخل و الخارج العربي، وبدون محاباة أو مجاملة، مقتصرين علي المقدمات والمآلا ت مترفعين عن الأفراد و المناكفات، هادفين إلى تجاوز الراهن والإرتقاء إلى مراحل متقدمة تسهم فى الإجابة على الأسئلة الكبرى وطنيا و عربيا وإسلاميا و إفريقيا، وسيد الأسئلة السياسية: مــــــــا العمل؟؟؟؟؟ (لينين)..