الحج توبة وإنابة / بقلم : الأستاذ ياسر محمد عبده يماني

معالي الاستاذ ياسر محمد عبده يماني / كاتب ومؤلف سعودي نجل المفكر الاسلامي البارز وزير الاعلام السعودي الراحل محمد عبده يماني

الحج فرصة لأن يتوب الانسان ويعود الى جادة الصواب ، ليحس بذلك الشعور الذي يسبغه عليه المولى سبحانه وتعالى من الطمأنينة والرضى والتطهر من الذنوب ، وبذلك الاحساس بالندم على ما اقترفه من اخطاء ، فالتوبة معناها الحقيقي الندم وعقد النية الصادقة على عدم العودة الى ما سبق من اخطاء ، وهي واجبة من كل ذنب ، فاذا كان الذنب بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى من شروطها ان يقلع عن ارتكاب المعاصي ، وان يندم على فعلها ، وان يعزم ان لا يعود اليها ابدا ، اما اذا كانت المعصية تتعلق بأخطاء ارتكبها تجاه اشخاص آخرين فيضاف لتلك الشروط البراءة من حق اصحابها.

وليعلم الانسان ان باب التوبة مفتوح ، وأن الله سبحانه وتعالى اشد فرحا بتوبه عبده حين يتوب اليه ، فقد ثبت في الصحيحين انه صلى الله عليه وسلم قال: ” لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحِلَتِهِ بأرض فلاة ، فَانْفَلَتَتْ منه وعليها طعامُهُ وشرابُهُ فَأيِسَ منها ، فأتى شجرة فأضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها ، قائمةً عنده ، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح ” ، وقال صلى الله عليه وسلم : ”  إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ”  (رواه مسلم ) ، و”  إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ”  ( رواه الترمذي ) ومن اجمل ما قرات عن موضوع التوبة تلك القصة المؤثرة التي رويت عن إمرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنى ، فقالت : يا رسول الله أصبت حداً فأقمه علي ، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال : ” أحسن إليها ، فإذا وضعت فأتني ”  ففعل فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فشدت عليها ثيابها ، ثم أمر بها فرجمت ، ثم صلى عليها . فقال له عمر : تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت ؟ قال : ”  لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم ، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل ؟  ”  رواه مسلم .

والانسان اذا عزم على التوبة يجب ان يعلم انها تحتاج الى تثبيت وتنمية وعمل يومي بأن يتعهدها ويسقيها بالاصرار على الابتعاد عن مواطن الزلل ، وعن كل ما يقرب اليها ، والأهم من هذا وذاك احاطة نفسه بأهل الخير والصلاح وارتياده الأوساط والأماكن الصالحة ، لأنها تعين على الخير ، وعلى العمل الصالح وتنأى به عن الخطيئة ، ثم ان علينا ان نتنبه الى خطورة اوقات الفراغ وعدم اشغالها بما ينفع العبد ، فهي ان ترافقت مع الصحبة  السيئة قد تتسبب بعودة الانسان ـ والعياذ بالله ـ الى ماكان عليه ونكوصه عما تاب عنه.

لذلك يجب ان يكون المرء صادقا مع نفسه ، ويعلم ان النفس امارة بالسوء ، فهي كالمطية يجب ان ُتلجم ، ولايكتفي بذلك بل عليه الحذر لأن المطية وإن لجمت الا انها قد تطرح صاحبها في غفلة منه .

والحديث عن موضوع التوبة من اجمل الأحاديث في كل وقت فكيف اذا كان الحديث عنها في هذه الأيام المباركة التي يجتمع فيها المسلمون على صعيد واحد في عرفات ، وفي منى وبقية المشاعر المقدسة ، وتكون فيها ابواب السماء مشرعة ومفتوحة للتائبين ، التي يتوجب على كل تائب ان ينتهزها  بأن يتوب توبة نصوحا ، ويكون أمين مع الله  ومع نفسه وأن يحافظ توبته وثمراتها وعلى الخير الذي يجنيه منها  بمراقبة النفس ، والمراقبة هنا تعني ان يستشعر الانسان قرب الله سبحانه وتعالى منه ، واطلاعه على امره وان يستحضر هذا المعنى بصوره دائمة فيقوده ذلك الى الحياء والخشية من الله سبحانه وتعالى فيرث الخير والطمأنينة والاستقرار والمتاع الحسن كما وعد الله سبحانه وتعالى التائبين: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}

ومن أصدق قولا ووعدا من الله رب العالمين .