الرئاسيات بين الواقع والخيال: من أين لك هذه الأرقام، يا جميل؟ / البخاري محمد مؤمل

البخاري محمد مؤمل (اليعقوبي)

بوصفي مهتما بالدراسات الإستراتيجية، واحمل شهادة جامعية عليا في الميدان (ماجستير في العلوم الاستراتيجية والإدارية)، فكرت منذ سنوات عديدة في طريقة يعتمدها مركز أم التونسي للدراسات الاستراتيجية- الذي أديره- بغية قياس حركة الرأي العام وتقلباتها، أيا كان الميدان. وطبعا كان تقييم توجهات الناخبين من القضايا ذات الأولوية ضمن اهتماماتي، حسب الظرفية السياسية القائمة.

 

وقد بادرت إلى دراسة النشرات والأدبيات المتعلقة بالموضوع، عاكفا على قراءة وفحص ما تيسر لي حول مناهج وتقنيات استطلاع الرأي. وتبادلت الرسائل مع متخصصين. فخلصت إلى نتيجة غير مشجعة مقارنة بإمكانياتي المتواضعة وظروف التخلف السائدة في البلد: الأمر يتطلب تعبئة مصادر كبيرة ومتنوعة، بشرية وتقنية، لا تتوفر في موريتانيا.

 

وقبل الاستفتاء الدستوري الماضي بشهرين أو ثلاثة، اتصلت بمعاهد أجنبية متخصصة، في فرنسا وفي بلد آخر مجاور. فرد علي أصحابها جميعا بما مفاده أن إجراءهم للعملية أو مشاركتهم فيها تتطلب دفع أموال لهم لا طاقة لي بها.

 

لكن ناشطا سياسيا وجمعويا في بلد مجاور دلني على أحد سميته ” أ.م.” وقال إنه من أهل التخصص.. وربط الصلة بيننا. اتصل بي ” أ.م.” واخبرني بأنه على استعداد تام لمساعدتي على القيام بما أريده وبثمن قليل. وفسر لي فكرته، قائلا:

 

“نحن في إفريقيا نصدر دائما نشرات استطلاعية  تلبية للزبناء أو بمبادرة منا.. ولا يهمنا كثيرا كيف يتم الحصول على النتائج المنشورة. إن كنت موافقا، فسوف نساعدك على بلوغ هدفك بسرعة.. دون أن تتعب نفسك. وستكون  التكلفة المالية رخيصة جدا  مقارنة بما يطلبه ويفعله الآخرون في الغرب ” .

 

أبديت له موافقتي المبدئية رغم تحفظ – لم أفصح عنه- بسبب قوله أنهم لا يهتمون بكيفية الحصول على الأرقام. وطلبت منه أن يشرح لي أكثر طريقة عمله.. وان يحدد لي بدقة الكلفة المالية.

 

أجابني أن طريقة العمل بسيطة حسب الغرض السياسي الذي يتوخاه الزبون.. ولا تتضمن بالضرورة عملا معقدا ومكلفا..  فهم يحققون ما يريدون دون أن يلجأوا بصورة فعلية إلى القيام بسبر أراء الناس، موضحا أنهم بدل ذلك سوف يصدرون أرقاما تدعم الهدف الذي أريده؛ ولا يهم  كيف توصلوا إلى تلك الأرقام طالما أنهم يضمنون أنها ستسير طبقا للتوجه او المسار السياسي الذي ادعمه.

 

لم تعجبني الفكرة إطلاقا.. ووضحت له ذلك فورا وفصَّلتُ له سبب عدم رضاي عن هذه الطريقة، خلال حديثنا الذي لم يطل كثيرا. لأن مخاطبي انزعج بسرعة من ردة فعلي الراديكالية واستغرابي لما صرح به. وما كان منه إلا أن قطع الاتصال معي نهائيا. وبدوري لم ابحث عنه، مكتفيا بإخبار الوسيط بما دار بيننا.

 

اليوم، انتعشت هذه الحادثة الافتراضية مع ” أ.م.” التي تصورتها سابقا على سبيل السخرية من التوظيف المفرط عبر العالم للأرقام والعمليات الإحصائية المتعلقة بسبر الأراء، والمزيفة أحيانا.. وعادت القصة الآن بقوة إلى ذاكرتي لما قرأت نتائج “استطلاع للرأي”  قال السيد محمد جميل منصور – رئيس “المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية”- أن مركزه قام به.. واثارت أرقامه استغرابي واستغراب قراء كثيرين لدرجة دفعت بجميل منصور إلى محاولة تبرير ما نشره.

 

وكان قد وعد بهذا العمل سابقا.. تزامنا مع خرجاته الإعلامية الأولى التي أفصح فيها بوضوح عن دعمه لمرشح الرئاسيات السيد سيد محمد ولد بوبكر  ليزيح ما قيل عنه قبل ذلك من تردد حول هذا المرشح وليهيئ الناس لتقبل ما وعد به. لكنه لم يشرح بصورة مرضية، مهنيا وتقنيا، كيف توصل معهده لهذه النتائج علما أنه – على ما اعتقد- لا يتوفر على الآليات اللازمة للقيام باستطلاع الرأي.. مثله في ذلك معاهد ومراكز الدراسات المختلفة في موريتانيا.

 

وفضلا عن ضعف المصادر – لئلا أقول انعدامها- فإن اندفاع جميل منصور السياسي إلى جانب أحد المترشحين يثير تساؤلات حول أهليته للقيام بعمل كهذا.. لكون هذا االنوع من العمل  له مبدئيا أثر على ميزان القوة السياسي، مما يفرض على القائمين به التقيد بالقاعدة الأخلاقية والقانونية التي تنهى عن تنافر المصالح (conflit d’intérêts).

 

ولكن هذه الإشكالية يمكن تفاديها إلى حد ما حسب المعايير التي تم على أساسها اختيار الهيئة المتخصصة الخارجية التي تعامل معها مركز جميل منصور وحسب مصداقيتها. مما يطرح تساؤلات كثيرة وخطيرة رغم ما كتبه جميل بعد نشر تنائج “استطلاعه”، ردا على منتقديه والمتريبين بشكل عام. لكن بقي له أن يقدم تفاصيل جوهرية إيضافية حول الموضوع:

 

  من هي الهيئة المتخصصة التي تعامل معها للقيام باستطلاع الرأي المذكور؟ وهل تمتلك فعلا الكفاءات البشرية والخبرات التقنية اللازمة للقيام باستطلاع للرأي جدي وجدير بالثقة؟

 

كيف كانت خطة وأساليب عملها الذي صبت نتائجه في صالح السيد سيد محمد ولد بوبكر لما تنبأت بأنه سيكون طرفا في دور انتخابي ثان لا يتوقعه أحد ..اللهم إن كان على سبيل التمني من طرف بعض انصاره؟ وما هو البرنامج المعلوماتي المستخدم في علاج المعطيات: تجميعها، تحليلها، إخراجها…؟ وما هي قنوات الاتصال بين المستطلِعين (sondeurs) والسكان المستهدَفين؟

 

ما هي “العينات” الفئوية؟ وما هي الأسئلة التي طُرحت عليها؟ وعلى أي أساس تم انتقاؤها؟ وإلى أي درجة كانت هي ونتائجها ممثلة للرأي العام وتوجهاته ؟

 

أم أنه تم أعدادها وصياغتها بطريقة تخدم أحد أطراف الصراع السياسي على حساب طرف آخر؟  أهل  لهذا السبب غاب الوزن القوي “للتيار الغزواني” الجارف عن نتائج “استطلاع الرأي” هذا، المثير للتساؤل والجدل؟