الرقص على أعصاب نظام ولد الشيخ الغزواني/ أحمد سالم سيدي عبد الله

أحمد سالم سيدي عبد الله كاتب صحفي مستقل

قبل أيام قليلة طوى الموريتانيون صفحة السنة الثانية من مأمورية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ووفق المعطيات المتوفرة فستطوي البلاد معهما مرحلة الإجماع الوطني، وتدخل مع عامها الجديد مرحلة جديدة قاتمة تحتاج تحركا، وديناميكية للتعاطي معها في أسرع وقت ممكن.

تشير أحدث الدراسات لقياس استقرار الأنظمة السياسية التي تمتلك الشرعية وفق النظم الديمقراطية التقليدية المتعارف عليها، إلى أن شرعية صناديق الاقتراع وحدها لا تكفي لإضفاء صفة الشرعية الدائمة على الأنظمة، بل يجب أن تصاحبها شرعية الإنجازات على أرض الواقع، التي تساعد المنظومة الحاكمة على التماسك الداخلي رغبة في تبني ما تحقق من عمل ملموس لصالح الوطن والمواطن..، هذه الدراسات يمكن إسقاطها على حالة نظام الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني الذي بات نظامه قاب قوسين أو أدنى من أن يتصدع من الداخل، ويصطدم في نفس الوقت بأحزاب وحركات راديكالية تمتلك شرعية تمثيل جماهير عريضة داخل المعارضة التقليدية في البلاد، وهو ما يفرض طرح سؤال ملح عن الطريقة التي سيتصدى بها ولد الغزواني للواقع الجديد.

أولا: الإنقسام الصارخ داخل حزب الاتحاد من أجل الجمهورية

بالنسبة للسبعة المؤسسين لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية، المدعومين من طرف أحد أبرز وزراء السيادة في حكومة ولد الشيخ الغزواني فقد شكلت تشكيلة محكمة العدل السامية ورئاسة جمال ولد اليدالي لها، بداية لإبراز تمردهم على ولد الغزواني، الذي باتوا يصفونه بالمختطف، من طرف مجموعة قليلة قادمة من المعارضة، ففي اليوم الذي وضع فيه السبعة ملف حزب الاتحاد من أجل الجمهورية كان الخليل ولد الطيب نائبا عن حزب التحالف الشعبى التقدمي، وكانت جماعة راشدون في صفوف تواصل، بينما كان ولد أمات نائبا لرئيس حزب التكتل، وكان ولد الواقف في صفوف المعارضة يقود حزبه الذي ما زال يتمسك به..، بالإضافة إلى هذه الجماعة فإن النافذين من السبعة المدعومين من طرف وزير السيادة، يعتقدون أن ولد الغزواني مفتون بأهل اترارزه، وإن مال عنهم فإلى أهل لعصابه.

تتأهب الجماعة لإعلان التصعيد في أي لحظة، وقد انعكس تحركها الذي يمكن وصفه في الأدبيات السياسية بالتمرد، على لفيف المحامين المدافع عن النظام في ملف العشرية..، وهو ما يشرح أسباب الخرجة الإعلامية يوم أمس لهذا الفريق، الذي أدى صراع أجنحة النظام إلى ظهوره برأسين، صار أحدهما مستعدا للخروج للعلن ليؤكد أنه هو من يمثل النظام، بغض النظر عن حضور نقيب المحامين، الذي جرت الأعراف برئاسته لأي فريق دفاع يمتلك عضويته..

لا تقتصر أزمة أغلبية الرئيس على حراك السبعة المدعومين من وزير السيادة، لكنها تتمدد داخل مختلف أقسام، وفروع حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وداخل أحزاب، ورجال إعلام الأغلبية، تمدد الأبعاد الجهوية، والعرقية، والطرقية، والقبلية داخل موريتانيا، فمعظم المنتمين التقليديين للمنظومة الحاكمة يعيشون حالة من عدم الارتياح، والشعور بالغبن، والإقصاء منذ وصول الرئيس الحالي لسدة الحكم، وهم يعبرون عن ذلك علانية، ودون تخوف، ولديهم انطباع أن الرئيس يدير أمور البلد بناء على نصائح مقدمة من طرف مجموعة قليلة تستخدمه لتصفية حساباتها مع الجميع.

ثانيا: الصدام مع المعارضة

تؤكد المعطيات أن أحزاب المعارضة ستشهد انقساما خلال الأيام القادمة بفعل إصرار النظام على التمسك بمصطلح التشاور، بينما تصر أحزاب معارضة على تغييره بمصطلح الحوار، لعبة المصطلحات هذه قد تجعل النظام يقع في صدام مع قوى وأحزاب معارضة، ففي حين تشير المعطيات إلى رغبة أحزاب التكتل واتحاد قوى التقدم، والصواب للمشاركة في التشاور المرتقب، فإن مصطلح التشاور سيجعل النظام في مواجهة حدية مع تكتلات معارضة تمثل مختلف مكونات المجتمع الموريتاني، ممثلة في الشرعية التاريخية للنضال ضد العبودية في موريتانيا بقيادة حزب التحالف الشعبى التقدمي برئاسة مسعود ولد بلخير، وحزب الرك، بالإضافة إلى الشرعية التاريخية لنضال مكون الزنوج بقيادة اتيام صمبا، وكذلك كان حاميدو بابا..، وسيضم هذا التحالف أكبر أحزاب المعارضة، حزب تواصل الذي بات يمثل الواجهة الراديكالية من الناحية السياسية لمكون البيظان وفق بعض المراقبين في البلد..، هذا الكشكول المعارض الذي يمثل الركيزة التقليدية للفعل المعارض في موريتانيا يدفع البعض بالرئيس إلى خلق جو ملائم لتشكله، وهو ما سيقود البلاد إلى صراع محتدم، قد تكون في غنى عنه، خاصة أن وجود تشاور أو حوار يجب أن يكون منطلقا من مبدإ أساسي وهو مشاركة جميع أحزاب المعارضة، حتى لا تعود البلاد إلى ما كانت عليه من تشرذم سياسي قبل انتخابات 2019 الرئاسية.

من الطبيعي أن يتساءل المراقب العادي عن سبل مواجهة رئيس الجمهورية لهذه الوضعية السياسة التي يشهدها حزبه، وكذلك بوادر المواجهة التي باتت قريبة جدا مع معارضة تعرف كيف تأزم الوضع، وتشل حركة التنمية في البلد..

تجمع الدراسات السياسية في منطقتنا العربية بعد الربيع العربي على أن صناديق الاقتراع قد تنتج أنظمة تمتلك الشرعية الانتخابية، لكنها هجينة نتيجة لسيطرة بمبدإ “اللاحكم” بفعل تداخل الصلاحيات، وطغيان الصراع السياسي بين الحركات السياسية التي تصل مراكز صنع القرار..، فيدب الخلاف داخل مراكز النفوذ، وهو ما ينعكس على الإنجازات والخدمات العامة التي كان المواطن يتوق إليها، ويقود هذا في الغالب إلى ضعف نسب النمو وارتفاع نسبة التضخم، وهو مايصاحبه ارتفاع في الأسعار، وتدهور الحالة المعيشية للسكان، وخصوصا الطبقة المتوسطة، والتي عرفت خلال السنوات الأخيرة تدهورا متسارعا، لم يستطع نظام الرئيس غزواني منذ وصوله إلى السلطة إعادة الأمل لها، بل زاد من معاناتها الارتفاع الصاروخي للأسعار..، وهو ما يجعل نظامه يتقاطع مع الأنظمة التي وصلت للحكم في بعض الدول العربية التي عرفت ثورات الربيع العربي..

في بيئة كهذه يجب على المتتبع للواقع السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي في البلد أن يتساءل عن أنجع وسيلة ستمكن ولد الشيخ الغزواني من إخراج موريتانيا من هذه الوضعية القاتمة..؟

مما لا شك فيه أن المشاريع السياسية ذات الطابع الشعبوي لا تمثل حلا جذريا لمشاكل التنمية في البلدان النامية، لكنها قد تكون أفضل وسيلة يتم اللجوء إليها في الظرفيات الاستثنائية لإخراج الشعوب ولو ذهنيا من أزماتها المتراكمة، فالشعوب وإن كانت تواقة للحرية فإنها تتقن فن الانصياع، والطاعة التامة، للقادة الذين يمتلكون كارزما قوية، تظهرهم كمنقذين..، وهذا المشروع الشعبوي أكاد أجزم أن ثمة طرف ما داخل موريتانيا متوثب لاقتطاف ثمار فشل ولد الشيخ الغزواني..، ذلك الطرف حقا غائب عن الأنظار، ومتمترس بعيدا ربما وراء الشائعة، وصناعة الرسائل الصوتية، والتدوينات الغريبة، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وحتى ربما يكون هو من يقف وراء خلق أجنحة متصارعة، متصادمة، داخل النظام..

هذا الواقع بتحدياته وقراءة مآلاته يفرض على ولد الغزواني أن يختار أحد الخيارين التاليين، حتى لا يتيح الفرصة لأولئك الراغبين في إبعاده عن كرسي الرئاسة:

1 – أن يمسح الطاولة وينصب نفسه قائدا لمشروع شعبوي يتدخل في كل شاردة وواردة، يزور المستشفيات، والمراكز التجارية، وينشئ شركة للإيراد والتصدير، مهمتها محاربة فساد التجار، واحتكارهم للمواد الأساسية..، ويسجن عددا من قادة التمرد داخل حكومته وحزبه، وكذا عدد من قادة معارضته، ولا أنصحه بهذا الخيار، لأن عواقبه على المستوى البعيد والمتوسطة وخيمة.

2 – أن يبعد غالبية المقربين منه اجتماعيا، وسياسيا خلال المرحلة الماضية، عن الواجهة، ويختار موظفين عاديين لا تربطه بهم سوى علاقة الانتماء لموريتانيا، يكون اختيارهم بناء على معطيات موضوعية، أساسها الكفاءة، ودراسة ملفاتهم، وسجلات مسارهم..، بطريقة مهنية وفق ما هو سائد في معظم دول العالم، تكون مهمتهم تنفيذ برنامج تعهداتي، وفق جدول محدد وواضح المعالم، بالإضافة إلى فتح حوار جاد يشترط فيه مشاركة مختلف أطياف المعارضة، على أسس سليمة هدفها المصلحة العامة لموريتانيا بعيدا عن أي أغراض حزبية، أو حركية أخرى، ويكون ذلك مصحوبا بحضور فاعل له في مختلف مفاصل المشهد، بصفته الحامي لسيادة الدولة، والداعم لبناء مؤسساتها القوية، والراعي لمصالح مواطنيها، والمحقق لمختلف متطلباتهم، واحتياجاتهم، المادية والمعنوية.

وخلاصة القول: لقد بات المسرح مفتوحا، أمام وزراء، ووجهاء نظام الرجل، من بقايا الأنظمة الرديئة، الذين يمسكون العصى تأهبا للعب بها في مسرح الرقص المفتوح..، فهل يكون الرئيس ماهرا في “لعبة الدبوس” أم أنه سيكتفي بالتفرج حتى تنهار أعصاب نظامه، على وقع رقص المحترفين من رجال السياسة في البلاد الذين ارتبطت الممارسة السياسية عندهم منذ نعومة أظافرهم بالمصالح الخاصة..؟

أليس الشهر العاشر بقريب..؟