الروائي البارز موسى ولد أبنو يكتب حصريا للصدى : قراءة في “مدينة الرياح” (الحلقة 1 )

موسى ولد أبنو / روائي موريتاني

أقدم هذه المقاربة لروايتي “مدينة الرياح” بوصفي قارئا.  فالكتابة أملت نفسها دون مبررات. أما القراءة فهي دائما بحث عن مسوغات للكتابة. بغض النظر عن الأسباب الموضوعية والذاتية والعوامل المفترضة، سواء كانت عوامل نفسية، أو وجودية أو سوسيو-تاريخية، يظهر من خلال قراءة الرواية أنها ترتبط بأنموذج أسطوري يتجاوز بشكل كبير الكاتب نفسه، واللحظة السوسيو-تاريخية. ففي الرواية يمكن تقصي معنى النص على ضوء النصوص التراثية والأساطير الكبرى. فمنها استوحيت التجليات التي ألهمتني إنشاء عالم ينافي الواقع المبتذل، بل يتجاوز ذلك ليرفض وطأة هذا الواقع المنساق وراء السفالة.

 

I.                تجليات التراث واستلهام الكتاب

   

إن القص القرآني والأساطير والنصوص التراثية المؤسِّسة، سواء كانت عالمة أو شعبية، لا تقص علينا حكايات من الماضي بقدر ما تنبئنا عن خبايا مستقبلنا. وهذا هو مرتكز توظيف التراث في رواية الخيال العلمي. تتزاوج في مدينة الرياح لغات عدة (تراثية، فلسفية، علمية) وأساليب عدة (روائية، شعرية، موسيقية، دينية) لتشكل كتابة تتعطش إلى الحقيقة. ذلك العطش نفسه الذي قتل ڨارَا، بطل الرواية، ثم بعثه من جديد. وقد أنتجت هذه الكتابة سماء جديدة وأرضا جديدة، “أرض الرجال” وسماؤهم التي تمكنهم من النظر إلى أنفسهم. إنه عالم الرواية الذي يدعونا إلى التفكير: {فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} سورة الأعراف -الآية 176.        

 

        يظن الإنسان أنه صائب النظر وأنه يسعى من أجل الخير وطبق الهدف الذي حدد لنفسه. لكنه في أغلب الأحيان يكون أعمى، بينما يظن أنه يبصر؛ فتنتج أفعاله عكس ما أراد. يظن الإنسان -والحالة هذه- أنه يسعى لمصلحته، وهو في الحقيقة يعمل لهلاكه. فيكون التخلص من الظاهر سبيلا أوحد لاكتشاف الحقيقة الجوهرية ومعرفة الحكمة الإلهية. وهذا بالضبط هو موضوع القَصص القرآني في سورة الكهف.  ففي مستهل هذه السورة تأتي قصة أصحاب الكهف الهاربين من ظلم المجتمع البشري، والذين يتقبلهم الله في رحمته، فيخرجهم من الزمن الفلكي ليدخلهم في الزمن الكهفي: {وترى الشمس إذا طلعت تزَّاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه} ليرجعهم بعد قرون إلى مجتمعهم، فيروا ما آل إليه. ثم تروي السورة قصة موسى عليه السلام والخضر، التي تُظهر بجلاء قصور البصيرة الإنسانية وعجزها عن تقصي الحقيقة. وفي الأخير تروي سورة الكهف قصة ذي القرنين الذي ملك المشرق والمغرب، وجال الأرض مكتشفا الوجوه المختلفة لفعل الإنسان فيها، حتى وصل بين السدين وأقام السد دون يأجوج ومأجوج. وتُستنتج دلالة هذا القَصص في الآية 97 من السورة: {قل هل نُنَبِّئُكُمْ بالأخسرين أعمالا الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}. يستوحي نص مدينه الرياح هذا المعنى ويتناوله على صعيد الزمن البشري، زمن التاريخ، ليقارن أفعال البشر في فترات متباعدة من التاريخ، لكن ضمن تاريخ بلد واحد (موريتانيا) من الماضي إلى الحاضر والمستقبل، تقاس من خلالها بصيرة الإنسان، وهل هو يسعى إلى الخير أم إلى الهلاك، وهل أن الإنسان ينتقل، بفعله في التاريخ إلى الأفضل أم أنه يرذل. هكذا يكون ڨارَا، بطل رواية مدينة الرياح، الضمير الذي يقارن بين الماضي والمستقبل في مسيرة التاريخ، وهو الإنسان المنتشل من المستقبل البعيد ليروي ذاكرة الماضي السحيق.

 

      هكذا يُنْزَعُ البطل من الزمن، ليُخلّص من مأساته، وليصير شاهدا عليه. فيتحول إلى كائن خارج الزمن، يُنتشل ليدلي بشهادته. إلا أن ڨارَا كان منقطعا عن ذاته وعن الآخرين وعن الزمن الماضي، عاجزا عن التذكر في كل الفترات التي عاشها بعد الفترة الأولى. النوم وحده هو الذي يمكنه -في نوبات أحلام وجيزة- من الشعور بذاته وبالأزمنة الغابرة التي عاشها. لكنه مع كل يقظة يفقد ذاته ويرجع إلى عبثية وجوده. فقط، وبعد موته، عندما انتشل بعد أزمنة طويلة، باح بسره، ودخل دائرة الخلود. بعد تحليل معهد أركييولوجيا الفكر الإنساني لبقايا مادة لَمْيَلِينْ في جمجمته، ظهرت الأفكار التي اختلجت في نفسه لحظة سكرة الموت، والتي حملت شهادته على القرون التي جابها. وهكذا تكون سكرة موته قد أنتجت لحظة تخيل أدبي، صار بموجبها فعل حياته فعل بطل، وتلك هي وظيفة التذكر التي تسمو بالحياة إلى قدر إلهي، حسب عبارة أفلاطون. هكذا شكلت عظام ڨارَا النخرة، التي حتها الزمن، الصفحة البيضاء، الفارغة، الموحية باليأس والموت والتي عليها كتب الباحثون الأثريون، بعدما عبطوا الأرض، ملحمة حياة دامت أكثر من عشرة قرون، واسترجعها البطل-الراوي لحظة سكرة موته. فانتفت الصفحة البيضاء، وفُتح الباب لقدر معاكس. فنتجت من حكاية، تبدو تافهة، إرادة خلاّقة أعادت إنتاج ميثولوجيا مذهلة.

 

          الرواية في جزئيها الأول والثاني، تسترجع فترات من الماضي؛ لأن بطلها ڨَارَا الذي سافر في اللازمان يسترجع في لحظة سكرة موته ذاكرة الماضي السحيق، بدءا من القرن الحادي عشر الذي ولد في بدايته، ومرورا بالقرن العشرين والحادي والعشرين الذين جابهما هاربا نحو المستقبل، بفضل الخضير الذي ينقله من الماضي إلى المستقبل، ليريه ما آل إليه البشر. تجعل الرواية من التراث مرتكزا لكتابة الخيال العلمي؛ ففيها أقحمت التراث القديم في الخيال العلمي، سواء كان هذا التراث عالميا، من خلال التراجيديا اليونانية، أو عربيا إسلاميا من خلال القصص القرآني أو محليا من خلال التراث الشعبي الموسيقي البظاني. فجاء النص على منوال حكاية أوديبيه، لا بالمعنى لفرويدي(Freudien) نسبة إلى سيغموند فرويد، ولكن بالمعنى الصُّوفُّوكْلِي. فسوفوكليس (Sophocle) عندما ألف مسرحيته أوديب ملكا كتب تراجيديا البصيرة الإنسانية، وذلك وفق القراءة المتميزة التي قدمها كارل رينهارت (Karl Reinhart). فالطريق الفاصل بين بداية مجد البطل الثيبي (نسبة إلى مدينته ثيبة Thèbe) إلى نهايته المروعة، هو صراع بين الظاهر(الكُمُونْ) والحقيقة (التجلِّي). يتقدم أوديب نحو تجلي الحقيقة، وبهذه الطريقة -كما يقول هايدڨر (Heidegger) – ” يتقدم خطوة خطوة ليجعل نفسه في اللاكمون، ولتتجلى أمامه الحقيقة، التي لن يطيق النظر إليها إلا بفقء عينيه، لينقذ نفسه من الظاهر المضلل. وهكذا يكون البطل الثيبي، نسبة إلى مدينته ثيبة، قد اضطر إلى أن يعمي نفسه كي يرى حقيقة ذاته.” فبفقدان بصره تمكن أوديب من النظر ببصيرة، لتتجلى أمامه الحقيقة. يرمز ڨارَا لوجوه عدة من أسطورة أُودِيبْ (Œdipe): فهو تخبره كهانة أوْدَاغٌوسْتْ بأن حفيده سيقتله، كما نبأت عرافة مدينة ثيبة لايوس، والد أُودِيبْ (Œdipe في الأسطورة اليونانية بأنه سينجب ولدا سوف يقتله ويتزوج من أمه. لكن ﺗَﻧْڨَلَّ، حفيد ڨارَا، قاتل جده والمتزوج جدته، لن يفقأ عينيه، كما فعل بطل تراجيديا اليونانية، لأنه الأوديب التقاني، الغارق في الظاهر، المنغمس في الخطيئة.

 

 تدور أحداث مدينة الرياح في برازخ التاريخ، وتعتمد أسلوبا في الكتابة برزخا بين الواقعية والرمزية، وبين رواية الخيال العلمي والرواية التاريخية. فالمكان والزمان والشخوص واللغة التي أنتجتها الرواية تتأسس في فضاء بعيد، فضاء القَصص القرآني. تستلهم رواياتي النص القرآني، سواء في وجهها الإبداعي (خلق المصطلحات والجمل وأسماء الشخوص)، أو في تكوين عالم جديد يحاكي عوالم القَصص القرآني، أو حتى في إيجاد تقنيات جديدة للحكي. فمثلا، خلال كتابة الرواية، واجهت معضلة إبداع بطل يشهد على عشرة قرون وينتقل بين حقب زمنية متباعدة. وإذا كانت فكرة نسبية الزمن قد خطرت ببالي كطريق إلى حل ممكن، إلا أنني لم أجد فيها مرادي. لكن، عندما استحضرت قصة أصحاب الكهف، وكونهم عاشوا {ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا} تبلورت أمامي طريقة تمديد حياة بطل الرواية لتغطي قرونا كثيرة. كما أني استلهمت القَصص القرآني في خلق شخصية الخضير في الرواية، ملَك الزمن، الذي ينقل البطل من فترة زمنية إلى أخرى، ليؤدي وظيفته كشاهد على الفعل الإنساني عبر التاريخ. وبما أن موضوع الرواية الرئيسي هو بصيرة الإنسان والحكم عليها من خلال مقارنة فترات من التاريخ تفصلها قرون عدة، كان لابد من إيجاد لحظة يتكور فيها الزمن، لحظة يمكن أن تشتمل على القرون التي جابها البطل، وتكون هذه اللحظة لحظة حق تنجلي فيها الحقيقة أمام البطل-الراوي، وتمكنه من الحكم على التاريخ وعلى نفسه وعلى الزمن. هنا يظهر دور القَصص القرآني وأهمية استلهامه في الكتابة الروائية وفي حل معضلات الحكي: لقد جاء في القرآن الكريم أن لحظة الحق هذه كائنة، وهي لحظة سكرة الموت: {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ(21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} (سورة ق). فعند سكرة الموت يتمدد الزمن ليستدير، فيُسترجع الأمد مهما طال، وتُسترجع البداية، وتتكشّف الحقيقة. هكذا جاء الحكي في رواية مدينة الرياح ليروي لحظة الحق هذه، لحظة الشهادة التي ينكشف فيها الغطاء. يروي البطل في هذه اللحظة، ببصيرة ثاقبة، أحداثا عاشها في زمن امتد قرونا، أحداثا كان في غفلة منها فتكشفت له وصار شاهدا عليها، يعرف كل شيء عنها ويحكم عليها ببصيرة:

 

«…أنا في عالم جديد، تهاجمني خلاله ذكريات تافهة، غريبة، من الحياة التي تغادرني.. وجاءت سكرة الموت بالحق.. لم أعد في غفلة من شيء.. بصري اليوم حديد.. أضاءت سكرة الموت تلافيف حياتي التي ظهرت بصور مكبرة آلاف المرات، والزوايا المظلمة كأنما صوبت عليها آلاف الشموس الصحراوية الموتورة.. انزاحت الحواجز بين الظاهر والباطن، البادي والخفي، المعلوم والمجهول.. الوعي يتم من خارج منطقة الوعي. إنني من منطقة ما بعد الحياة، وما قبل الموت، من منطقة التخوم، أستعيد شريط حياتي.. أسمعه، وأراه، أدركه بالتفاصيل. ليس فيه قبل ولا بعد.. أنا الذي أفنيت حياتي أحاول، بلا جدوى، أن أربط حياتي بأحلامي، وشعوري بلا شعوري، ووعيي بوعي الآخرين، لأصدر حكما على الآخرين وعلى ذاتي وعلى الزمن، وارتدت محاولاتي يائسة مخذولة، ها أنذا أشاهد ما عجزت عنه طوال حياتي يتحقق من تلقاء نفسه ساعة موتي.. الآن، وبعد ما خرجت من الميدان، أرى نتيجة المعركة الحاسمة بين حياتي وأحلامي، مجسدة أمامي بدقة متناهية، كل شيء فيها يأخذ حجمه الصحيح، قبل أن تلتهمها بالوعة العدم. أرى العالم كله من عدسة ناظور، كله الآن بديهيات، لم تعد ثمة ألغاز ولا أسرار.. كله على مستوى واحد من الوضوح. الزمن اختزل نفسه في بعد واحد، لم يعد ثمة ماض ولا مستقبل، أصبح حاضرا فحسب.. وشخصت البداية..» (ص 9-10).

 

تتجلى في القصص القرآني كل الحقيقة الإنسانية، وكل تحديات الحاضر. هذا ما جعلني أستلهم من القرآن الكريم أهم موضوعاتي الروائية. إن بنية مدينة الرياح هي تَمثُّلٌ لقَصص سورة الكهف.  فالأجزاء الثلاثة في الرواية تتناص مع القَصص في هذه السورة: (قصة أصحاب الكهف، قصة موسى عليه السلام والخضر، وقصة ذي القرنين). كما أن هذه الأجزاء الثلاثة تتمثل المحطات الثلاث في قصة موسى عليه السلام والخضر (خرق السفينة، قتل الغلام، إقامة الجدار). تتقاطع الثيمات في الرواية مع موضوعات القَصص في هذه السورة: السفر خارج الزمن (زمن الكهف) البصيرة (مجمع البحرين، المعرفة الإنسانية والمعرفة الإلهية)، الفعل وعلاقته بالخير والشر (خرق السفينة، قتل الغلام، إقامة الجدار)، وأيضا غرور الإنسان وقصور بصيرته (اعتراض موسى عليه السلام على أفعال الخضر).  وهي أمور تتمثل في الحكي من خلال حكم كاهنة أوداغوست على ڨارَا: «لن تستطيع أبدا أن تحكم بتمعن على المستقبل بالحاضر..» (الرواية ص61).  وهو الحكم نفسه الذي تحكم به عرافة مدينة ثيبة في تراجيديا سُوفُوكْليس. لكن التّناص يتجلى بشكل أوضح في كون “كهف” أصحاب الكهف برزخا زمانيا ومكانيا: {وترى الشمس إذا طلعت تزَّاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه}، أي أنهم في برزخ زمني. والمكان في مدينة الرياح أيضا هو كهف برزخي. فجمهورية ﺗﻧڨلَّ هي «جمهورية المنكب البرزخي الديمقراطية»؛ كما أن أحداث الرواية تدور في الفضاء الموريتاني الذي يسميه الشيخ محمد المامي “المنكب البرزخي” ويقول عنه أبو الهامة (الذي يرمز لسقراط): «هذه الأرض برزخ» (ص54)، كما أن ڨارَا يقول: «كهفي ممتلئ سوداوية إلى حد الفيضان..»  (ص125)، وزمن الرواية زمن كهفي: البطل ڨارَا ينقله الخضير في اللازمان، من فترة تاريخية إلى أخرى. ينتقل الحكي مرتين من الزمن إلى اللازمان، حيث يفر البطل في نهاية الفصل الأول إلى قمة الجبل فيلتقي الخضير، ويفر في نهاية الجزء الثاني ليلتقيه مرة ثانية؛ مثلما هو الحال في سورة الكهف التي ينتقل قَصصها مرتين من الزمن إلى اللازمان: الأولى عندما يعتزل أصحاب الكهف مجتمعهم ويلجئون إلى الكهف، والثانية عندما يصل موسى عليه السلام إلى مجمع البحرين ليلتقي الخضر…  كما أن ڨارَا والثعلب وفاله وكلابها و النَّمَادِي وكلابهم يشكلون في الرواية تمثلا لأصحاب الكهف وكلبهم، وأيضا فإن لاَزِمَة رواية مدينة الرياح: «إذا كنت رافضا للقدر فاعتزل البشر، وانفرد في الصحراء وانتظر أمر ربك..» هي تمثّل لنداء أصحاب الكهف {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً} (الكهف:16). في نهاية الجزء الأول من الرواية، يهرب ڨارَا من مجتمع بشري فاسد، مجتمع أُودَاغُوسْتْ، فيأوي إلى رأس جبل الغلّاوية منتظرا الخلاص بالموت أو رحمة من الله، مجيبا نداء البعيد الذي جعل أصحاب الكهف يعتزلون مجتمعهم. فهو ينتج ويؤوّل على صعيد حياته البشرية هذا النداء الذي أجابه أصحاب الكهف. وهو نفس النداء الذي جعل موسى عليه السلام يقصد مجمع البحرين (مجمع المعرفة الإنسانية والمعرفة الإلهية) ليلتقي الخضر (الخضير في الرواية).

 

من أبرز أمثلة تناص الرواية مع سورة الكهف، المقابَلة بين الجزء الأخير من الرواية، الذي يتناول مستقبل مجتمع التقانة، وقصة ذي القرنين التي تتناول مصير الأرض بعدما مُكِّن للإنسان فيها. إن تأويل قصة ذي القرنين من سورة الكهف نتج عنه تصور لما سيؤول إليه مجتمع التقانة. فعندما أتدبر محطات ذي القرنين في سورة الكهف، وأتدبر تمكينه في الأرض وإتيانه أسباب الأشياء كلها، فالذي يتبادر إلى ذهني هو الإنسان التقاني الذي غزا مشارق الأرض ومغاربها، والذي تحكم في الطبيعة: {إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا} (الآية 83). وعندما أتدبر ما ورد في القرآن الكريم عن محطات ذي القرنين (العين الحمئة، القوم الذين تطلع عليهم الشمس دون ستر، البشر الذين لا يفقهون قولا ويأجوج ومأجوج) فما يحضر ذهني هو تلوث المياه وتشقق طبقة الأوزون في الغلاف الجوي، وهي كلها أمور تُذكِّر بما آل إليه مجتمع التقانة ونتجت عن جهالات البشر وفسادهم: {إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض} (الآية 90).

 

رافق هذا التأويل لقصة ذي القرنين في الجزء الأخير من رواية مدينة الرياح توظيف آخر للتراث في مجال الموسيقى الشعبية البظانية، من خلال استلهام جَانْبَتْ الغول، اطْرﻳﮔ ﻟﮔنيديه، اطْرﻳﮔْ الغُولْ انْوَفَّلْ، “ﻟﮕنيدي اطْرﻳﮔْ فَتِّيدَنِيتْ بَيْنْ اسْمَ واتْرَابْ”، (كما يقول موسيقيو البظان)؛ ذلك المقام الموسيقي الذي يوحي بمجتمع مستقبلي وقع في التهلكة. فمَوْسَقَتْ ﻟڨْنيدي الجزء الأخير من الرواية الذي يتناول مجتمع ﺗﻧڨْلَّ ومدينته غير الفاضلة (مدينة الرياح)، ﺗﻧڨْلَّ » الغول الْمُلَوِّثْ « (الرواية) الذي حوّل المجابات الكبرى إلى مخزن للنفايات السامة.