الساحل الصحراوي إلى أين؟ أزمتا “اتشاد” و”مالي” والسيناريوهات المحتملة / الدكتور سيد أعمر شيخنا

الدكتور سيد أعمر شيخنا / مدير المركز الإقليمي للأبحاث والاستشارات

عَقِبَ ظُهور بعض التحسن، مع بدء تنزيل المقاربات التي أقرتها القمم المتتالية لزعماء الساحل والصحراء، والمواكبة الدولية لهذا الإطار الإقليمي النموذجي، عادت أوضاع الساحل والصحراء إلى الارتكاس من جديد – نسبيا – مع بروز تحديات سياسية وأمنية واستراتيجية جديدة.

 

ففي الركن الشرقي من الساحل شهدت جمهورية “اتشاد” تطورات عاصفة مع مقتل “الماريشال” إدريس ديبي، في خضم التصدي لهجومٍ كاسح للمتمردين في شمال البلاد، وفي الركن الغربي للساحل شهدت جمهورية مالي تصدعا في قيادة المرحلة الانتقالية؛ قاد إلى انقلاب ثانٍ بعد انقلاب أول لم تمض عليه بعدُ سوى تسعة أشهر، وفي المنطقة الوسطى تشهد مناطق غرب النيجر وشمال شرق بوركينافاسو هجمات دموية للجماعات الإرهابية، تستهدف القرى الآمنة، مما أسفر عن نزوح العديد من السكان وشيوع الخوف في عموم تلك المناطق الآهلة بالسكان، ثم جاء التطور الأكثر إثارة وهو وقف فرنسا لعملية “برخان”، احتجاجا على انقلاب مالي الأخير والدور الروسي الواضح في المشهد المالي.

هذه التطورات المتسارعة تثير العديد من المخاوف حول مستقبل الأمن والاستقرار في منطقة الساحل الصحراوي، والمخاطر المحدقة ببعض دُوَلِهِ جراء المشاكل الداخلية والتدخلات الخارجية، وسنركز في هذه الورقة على التحديات المحيطة بجمهوريتي  “اتشاد” و”مالي”، والأسباب العميقة لهذه الأزمات، والسيناريوهات المتوقعة، وتأثيرات ذلك على أوضاع الساحل والصحراء.

 

“اتشاد”.. تصدعات الركن الشرقي للساحل

تتمتع “اتشاد” – الدولة الحبيسة – بموقع جيواستراتيجي مميز في معادلات الأمن الإقليمي بالقارة الإفريقية، فهي على تماس مباشر مع ثلاث كتل إقليمية في القارة، هي: منطقة الساحل وغرب إفريقيا عبر النيجر ونيجيريا، ومنطقة وسط إفريقيا عبر الكاميرون وجمهورية وسط إفريقيا، والشمال الإفريقي عبر ليبيا والسودان. وتعبيرا عن الوعي الاستراتيجي بهذا الموقع أو تنفيذا لأدوار وظيفية محددة، جعل الرئيس الراحل المارشال  إدريس ديبي اتنو من اتشاد ركنا رئيسيا في معادلات الأمن الإقليمي بمنطقة الساحل وعموم الجوار التشادي.

في عواصم القرار الدولي ودهاليز المنظمات القارية والإقليمية يبرز – حاليا – بشكل ضاغط القلق على استقرار اتشاد ووحدة أراضيه، وآفاق الانتقال الآمن للسلطة على نحو ديمقراطي يعزز شرعية المؤسسات، وتوافقي ينزع فتيل التأزيم والاقتتال الداخلي، وتزداد خطورة الوضع في اتشاد بالنظر إلى بعدين رئيسيين هما: صعوبة تمرير أجندة نظام وراثي يستند على القوة العسكرية في دولة تشهد تصاعد تأثير معارضة مسلحة قوية منتشرة في جبهات مختلفة، بموازاة تحفز نشط لمعارضة سياسية تعزز موقعها النضالي مع اختفاء ديبي وقبر أحلامه في المأمورية السادسة. يضاف إلى هذه التحديات مخاوف جدية تتعلق بالخشية من تفكك الجيش وانهيار الدولة في بلد كل حدوده مشتعلة شمالا وغربا وشرقا: الإرهاب في الساحل وحول بحيرة اتشاد تحديدا، والصراع في ليبيا، والأوضاع الأمنية في دارفور، وتفاعلات الأزمة المزمنة في إفريقيا الوسطي.

وبالنظر إلى الواقع التشادي الحالي يمكن توقع ثلاث سيناريوهات ممكنة في الحالة اتشادية، وهي:

 

أولا – سيناريو تمرير التمديد لنظام ديبي:

يعتبر نظام الماريشال إدريس ديبي اتنو أحد الأنظمة القوية في منطقة الساحل من حيث طول مدة البقاء في السلطة وطبيعة بنية النظام العسكرية والاجتماعية وتحالفاته الخارجية القوية )الفرنسية تحديدا(، وهي عوامل يمكن أن تساعد نظام المجلس العسكري بقيادة الجنرال محمد كاكا ديبي في ترتيب أوراقه وإنفاذ خططه في استمرار النظام القائم منذ التسعينيات وإن بصيغ وواجهات جديدة، لاسيما إذا نجحت أطراف المرحلة الانتقالية في تهدئة الأجواء وجر الأطراف التشادية للحوار والقبول بهامش من المشاركة، وهذا السيناريو يظهر حتى الآن أنه ممكن في ظل سيطرة المجلس العسكري الحاكم منذ مقتل الماريشال، والدعم الذي يتلقاه من بعض الأطراف الإقليمية والدولية والطبيعة الانتقالية التي أعلن عنها.

ثانيا – سيناريو الانفجار:

إن النظام الذي أسس إدريس ديبي منذ التسعينيات شاخ وتجاوزه الوعي السياسي للتشاديين، وهو وعي استفاد من هامش التراكم الديمقراطي، وصار يتطلع إلى وجه آخر لاتشاد من دون ديبي، الذي كان يصادم نواميس الوعي الديمقراطي بإصراره على الظفر بمأمورية سادسة في محيط إقليمي وقاري غيرِ مواتٍ. لقد أحدث الرحيل المفاجئ للرئيس إدريس ديبي زلزالا كبيرا له تداعيات خطيرة على اتشاد وجوارها الإقليمي، ولا يبدو في حوزة الجنرال محمد كاكا ديبي وأركان مجلسه العسكري الحاكم من الخبرة ما يؤهلهم للإدارة الجيدة للهزات الارتدادية المرتبطة بهذا الزلزال. وإذا لم يتم التوافق على خريطة انتقالية واضحة المعالم  يبقى  من المحتمل جدا  بحسب آراء العديد من الخبراء أن تتكامل  جهود المعارضة السياسية في الداخل مع حركات التمرد العسكري على مختلف الجبهات في اتجاه استغلال حالة الفراغ الحالية والتصدعات داخل البنية الاجتماعية والعسكرية للنظام، وهناك بالفعل – على حد تعبير أحد حذاق الدبلوماسية في الإقليم – حالة صمت كبيرة مريبة تعم المشهد التشادي، يُخشى أن تكون  الهدوء الذي يسبق العاصفة.

ثالثا – سيناريو العبور الديمقراطي:

هناك سيناريو حالم في المشهد التشادي لكنه ممكن التحقق، يتمثل هذا السيناريو في تحقق توازن قوة داخل اتشاد بين منظومة الدفاع والأمن المسيطرة في البلد وحلفائها القبليين من جهة وقوى المعارضة السياسية وحركات التمرد المسلح من جهة أخرى، والوصول إلى حلول عقلانية تجنب اتشاد الوقوع في مستنقع الاحتراب الأهلي من خلال التوافق على إنجاح المرحلة الانتقالية، والشروع في بناء مؤسسات سياسية شرعية، تستوعب مختلف  القوى والاتجاهات التشادية من دون إقصاء.

 

أزمات مالي المزمنة

 

دخلت جمهورية مالي منذ العام 2013 منعطفا حادا، تمثل في تزامن بروز ثلاث تحديات خطيرة ضاغطة، تتمثل في: فساد وتآكل النظام القائم بقيادة آمادو توماني توري، وتصاعد الحراك الثوري للحركات الأزوادية المطالبة بالانفصال، وتعاظم دور الحركات الجهادية ذات الأجندة الملتبسة، فكان ما كان من انقلابات وتصفيات وتدخلات أجنبية وفوضى وحروب. وما إن طُردت الجماعات الجهادية وحُيِّدت الحركات الأزوادية بجرجرتها نحو مسار الجزائر التفاوضي، واستعادت مالي النظام الديمقراطي، حتى انفجرت الأوضاع من جديد: عودة الإرهاب واستفحاله في عموم الساحل، وانفجار مشكل “الفلان” سكان ماسينا وسط مالي، وتململ الأزواديين في الشمال من جمود مسار الجزائر، ثم ظهور حركة معارضة قوية في بامكو ضد نظام الرئيس بوبكر كيتا، ثم عودة الانقلابات والانقلابات المضادة، وكانت ثالثة الأثافي ظهور التنافس الدولي الحاد بين قوى الشرق روسيا والصين الباحثة عن موطئ قدم في المنطقة، وفرنسا ذات النفوذ التقليدي الموروث عن الحقبة الاستعمارية.

وبالنظر إلى الأوضاع الحالية في جمهورية مالي وجذورها التاريخية والسياسية والمؤسسية، يمكن توقع حدوث أحد ثلاث سيناريوهات محتملة:

أولا – سيناريو الانفجار الداخلي:

يذكر الدكتور السيد ولد اباه في مقال له عن الأزمة الأزوادية “أن “بيار مسمار”، آخر حاكم استعماري لموريتانيا ورئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، كان يقول إن «أزواد» هو كردستان أفريقيا، وهو القنبلة الموقوتة التي ستفجر منطقة الساحل”، وإلى حد بعيد يستند هذا الاستشراف إلى جملة معطيات تاريخية وسياسية، لكن مشكلة سكان الشمال المالي (أزواد) أضيفت لها مشكلة سكان الوسط (فلان ماسينا) الذين أعلنوا تململهم واحتجاجهم على التهميش في الدولة المالية، وخرجت من أوساطهم حركات مسلحة، مما يعني أن الدولة المالية بحاجة إلى إصلاحات عميقة ومراجعات مؤلمة تجنب مالي خطر التفتيت والاحتراب الأهلي، لقد كان الاتحاد الإفريقي صائبا وصريحا في دعوته أثناء القمة الإفريقية التي عقدت في يناير/ كانون الثاني 2013، حين طلب من الحكومة المالية ومن الفرقاء الآخرين دفع العملية السياسية نحو إيجاد حلول طويلة الأمد للأزمة المالية، مع التأكيد على الطابع السياسي للأزمة، وحاجتها لحل سياسي طويل الأمد وليس لتدخل عسكري أجنبي.

ثانيا – سيناريو الصراع الدولي على مالي:

ظل الانفراد الفرنسي بإدارة ملف محاربة الإرهاب في الساحل الصحراوي، الذي يخفي ورائه أجندة إستراتيجية كبرى، موضع استياء قوى دولية عديدة، فقد اعتبر التدخل الفرنسي الغربي 2013  تعبيرا عن السياق الجيو استراتيجي العام في المنطقة والعالم، فهو من جهة استباق للتداعيات المحتملة للربيع العربي على إفريقيا المسلمة جنوب الصحراء التي تشهد حالة يقظة دينية متنامية، يعتبر التيار الجهادي – رغم هامشيته وتطرفه – إحدى تعبيراتها في مواجهة الوجود الغربي وملحقاته. ومن جهة أخرى يندرج هذا التواجد العسكري الغربي في سياق مواجهة التمدد الصيني والروسي في إفريقيا، وبالفعل كشفت الأيام عن حدة الصراع الدولي على المنطقة، حيث استفادت القوى الشرقية الأوراسية من تململ سكان الإقليم من النفوذ الفرنسي، وهو ما فتح الباب أمام التحالف الحالي بين النخب الحاكمة في مالي مع روسيا والصين على حساب فرنسا ذات النفوذ التقليدي، ولا يحمل هذا التبدل في التحالفات الدولية الكثير من الايجابيات لأزمات الإقليم، فالقوى الدولية الجديدة ذات سجل سيء في مجال الديمقراطية وإدارة التنوع الثقافي والهوياتي، ولا تملك خبرة عميقة بالمنطقة ومشاكلها المزمنة، لكن كسر الاستفراد الفرنسي بالمنطقة يمكن أن يشكل خطوة نحو استعادة زمام المبادرة والتفكير الحر في التحديات الموروثة عن الحقبة الاستعمارية. لكن الأخطر حاليا يبقى اشتعال حروب الوكالة بين القوى الدولية المندفعة نحو المنطقة وتلك المدافعة عن نفوذها الاستراتيجي الوجودي.

ثالثا – سيناريو مالي الديمقراطية المتصالحة:

ويمثل هذا السيناريو الاتجاه العقلاني المتماشي مع المنطق والمصلحة العليا لدولة مالي ومنطقة الساحل بشكل عام، ويخدم السلم والاستقرار الدوليين، وهو بناء مالي جديدة تسودها الديمقراطية وحكم المؤسسات، مالي متصالحة مع شعبها، وبذلك تقطع مالي مع هشاشة المؤسسات السياسية، والنزعات الانفصالية، وعدم الاستقرار السياسي.

إن الحل يبدأ ببناء مؤسسات ديمقراطية تعيد الثقة الشعبية في النظام، وتوقف الانهيار المريع لمؤسسات الدولة، ثم التوجه إلى التفكير في حلول إبداعية  تضمن لجمهورية مالي وحدتها الترابية واستقرارها، وتحقق للأزواديين طموحاتهم وآمالهم في التنمية والعيش الكريم، في دولة فيدرالية أو من خلال حكم ذاتي موسع في دولة موحدة، لقد آن الأوان لتفهم النخب المالية أن مياها كثيرة قد جرت في نهر العلاقة المالية الأزوادية، وأن المسكنات التي دأبت مالي – بدعم من بعض الحلفاء – على تقديمها للأزواديين كلما تململوا أو امتعضوا من سياساتها لم تعد مجدية بل صار لها مفعول عكسي، وإذا ما اقتنعت النخب المالية لا سيما في الجنوب بهذا الحل السياسي العقلاني، وقام المجتمع الدولي بتقديم دعم مالي وتنموي كبير لمالي الديمقراطية الموحدة، فسيكون هذا الأمر فاتحة لعهد جديد من السلام والاستقرار، يمكن أن يمثل نموذجا يحتذى به لحل نزاعات مستعصية أخرى في شبه المنطقة.

 

خاتمة

تعود جذور أزمات الساحل والصحراء إلى أسباب عديدة، أهمها تلك المتعلقة بـ”ضعف الدولنة”؛ أي التعثر في بناء دولة قوية، ذات مؤسسات مستجيبة وفاعلة، ومجتمع وطني مندمج، واقتصاد متماسك يلبي الحدود الدنيا من الرفاه. وترجع الأسباب المؤسِّسة لظاهرة “ضعف الدولنة” في عموم دول إفريقيا جنوب الصحراء إلى الطريقة التي غَرست بها الإدارة الاستعمارية الكيانات الدولاتية في التربة المحلية، فظهرت الدولة كنبتة خارجية موروثة عن الاستعمار، ولم تكن تطورا تاريخيا طبيعيا، ولا تعبيرا عن خصائص المجتمع وتكويناته الاجتماعية والحضارية، وهو ما شكل السياق التاريخي والموضوعي للمسار المتعثر لعملية بناء “الدولة – الأمة” في الجمهوريات المستقلة حديثا، وهو الانحراف الذي كان بالإمكان تداركه وترميمه خلال  العقود الماضية، ولكن هذا الورش الاستراتيجي لم يلقَ اهتماما يذكر بسبب السياقات المرتبطة بإرث الأنظمة الشمولية. وفي بلدان تتسم بضعف الدولنة وتعثر الاندماج المجتمعي ليس من الوارد – بتاتا – أن تنجح أي عملية تحول ديمقراطي، أحرى أن تصل عتبات الترسيخ الديمقراطي، وهكذا تتعرض هذه الدول لانتكاسات دورية، وتعيش حالة مزمنة من عدم الاستقرار.

لقد أدت المشكلات المقترنة بالتحول الديمقراطي في الدول الضعيفة إلى توصية من نوع مختلف، “وهي توصية تؤكد “الدولنة أولا” بمعنى “قبل أن تكون قادرا على تحقيق الديمقراطية أو التنمية الاقتصادية، لا بد من أن تكون لك دولة قوية”، ولكن أقصر الطرق  إلى بناء الدولة القوية هو بناء تقاليد ومؤسسات ديمقراطية حقيقية تجعل الديمقراطية “اللعبة الوحيدة في المدينة”، مع الشروع الفوري والفعال في ترميم الوحدة الوطنية “وإنهاء الممارسات الإقصائية، التي كانت دوما أحد مصادر اختلال بناء الدولة وعدم استقرارها، وإحداث تغيير مهم في الأسس التي وُزِّعَت، وتُوَزَّع، في إطارها حصص القوة في المجتمع، ليكون مدخلها عنصر المواطنة المتساوية في النصوص وفي الممارسة” .