السلحفاة استراتيجية الاقتصاد / د.زروق النعمة زروق

الدكتور: زروق النعمة زروق /
أستاذ الاقتصاد الإسلامي-جامعة شنقيط العصرية.

حقل السلحفاة حقل غازي يقع في الحدود البحرية بين موريتانيا والجارة السنغال، بعمق 2700 متر. تقدر احتياطاته ـ حسب بريتش بتروليوم البريطانية وكوسموس الأمريكية ـ بأكثر من 25 تريليون متر مكعب من الغاز المسال عالي الجودة. وهو ما يعتبر أكبر احتياطي مكتشف للغاز الطبيعي بعد حقل الظهر المصري المكتشف سنة 2015 ـ من طرف الشركة الإيطالية إيني ـ والذي وصل احتياطيه حوالي 30 ترليون متر مكعب. هذ الاحتياطي ـ إضافة لما أعلن عنه أخيرا من اكتشافات غازية غير بعيدة العاصمة انواكشوط تزيد احتياطاتها على 50 ترليون متر مكعب من الغاز حسب بريتش بتروليوم ـ هو ما جعل موريتانيا تحتل المرتبة السادسة من بين 24 دولة ـ حسب تقدير الاتحاد الدولي للغاز لسنة 2018 ـ ضمن المشاريع المقترحة لإنتاج الغاز المسال. وهو ما يسيل لعاب كبريات شركات النفض العالمية. ويتكون مشروع حقل السلحفاة من منصة عائمة للمعالجة والإنتاج والتخزين والتفريغ، ووحدة عائمة لتسييل الغاز. ومن المتوقع أن يبدأ تصديره في السنة المقبلة وفق ما اتفقت عليه الدولتان مع شركتي كوسموس وبريتش بتروليوم الفائزتين بتسويق غاز هذا الحقل في مرحلته الأولى. وهو الاتفاق الذي سيسمح بتسويق ما يقارب 2,5 مليون طن سنويا من الغاز المسال طيلة عشر سنوات قابلة للتجديد، حسب الوكالة الموريتانية للأنباء.

 

وقعت الدولتان اتفاقيات نهائية في انواكشوط 21 ديسمبر 2018 تقضي بتقاسم الإنتاج مناصفة بينهما، بعد تحديد قسم من العائد لتغطية تكاليف التنقيب والاستثمار. وكذا تمويل شركتي الغاز في البلدين، وآليات التسويق، وجباية الضرائب على مشغلي المشروع. ويرى بعض الخبراء أن حصة موريتانيا قد تصل في بداية الاستغلال 300 مليون دولار سنوي تتزايد تدريجيا فيما بعد.    

 

وبغض النظر عن ذات المشروع وطبيعة الاتفاق بين الدولة وشركائها على المستوى الإقليمي أو الدولي، إلا أن ما يهمنا هنا هو تأثيره على الوضع الاقتصادي والاستراتيجي للدولة. لأن الاحتياطات الغازية الضخمة غالبا ما تؤثر في بنية النظام الاقتصادي والاستراتيجي للدول، وعلاقاتها بمحيطها الإقليمي والدولي. إذ قد تؤدي لخلق تحالفات جديدة، كما قد تودي بتحالفات قائمة وتغذي توترات قديمة. فالموقع الاستراتيجي لهذا الحقل القريب من أوربا، والذي لا يفصله عن امريكا سوى عرض المحيط، وكذا جودته العالية وسهولة استخراجه، كلها أمور تجعل البلد في موقع يحسد عليه ما يحتم على القيادة ضرورة التجهيز للمرحلة القادمة سواء من الناحية القانونية، كتحسين الترسانة القانونية بخصوص التنقيب والاستخراج والاستغلال لزيادة التأثيرات الإيجابية، وفي نفس الوقت مراعات حماية البيئة لتتماشى والمعايير الدولية بخصوص صناعة الغاز. أو من الناحية الاقتصادية كانعكاس هذا المورد الجديد على التنمية الاقتصادية للبلد وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، وزيادة القدرة الشرائية بارتفاع قيمة العملة. أو من الناحية الاستراتيجية كالجاهزية الأمنية لكل ما من شأنه التشويش على جو الأمن والسلام الذين من الله بهما علينا. من هنا يتوجب على صناع القرار في البلد إعادة النظر في الأبعاد التالية:

 

على المستوى الداخلي:

 

يمكننا القول إن الزخم الإعلامي الدولي للكبير للغاز الموريتاني لا ينعكس داخليا على الأقل، ربما لتجارب الحديد والنحاس والذهب والسمك السابقة، وأخيرا تجربة النفض مع حقل شنقيط – والذي قيل فيه تهكما إبان ظهوره (البطرن أخنز من الحوت أو لا انشمت ل ريحه) – والتي لم تنعكس كلها على المواطن العادي الذي تولد لديه الإحباط من كل ما هو ثروة وطنية، واتجه لتدبير أموره بنفسه، أما التنمية فمن باب أحرى. لذا أرى من الضروري جدا إعطاء الأولوية القصوى لنمو وازدهار البلد، وهو أمر سيكون متاحا إن شاء الله بفضل الموارد الكبيرة المتوقعة، هذا إن تم وضع حد للفساد المستشري الذي ينخر جسم البلد. وهي فرصة للحكومة أولا لكسر هاجس الإحباط لدى المواطن من التجارب السابقة، وثانيا لكسب ثقته وإقناعه بأن موارده ملك له، ويتم توجيهها في خدته من مختلف الأوجه. ويمكن تحقيق ذلك من أوجه عدة أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

 

إعطاء أولوية لتشغيل اليد العاملة المحلية في هذا القطاع، وهو ما يؤدي لخلق آلاف فرص العمل المباشرة، سواء عن طريق المشروع ذاته، أو من خلال ملحقاته من مختلف المشاريع.

 

الاستفادة من انتاج الكهرباء من الغاز، وهو ما يؤدي لتقليل كلفة الاستهلاك المحلي من هذه المادة الضرورية، وهذا بدوره سيساعد في خلق مشاريع جديد كفتح مصانع مثلا سيكون لها التأثير الإيجابي في استيعاب اليد العاملة بمختلف مستوياتها. ناهيك عن إمكانية تصدير الفائض عن الحاجة للدول المجاورة ما يزيد من رصيد البلد من العملات الصعبة.

 

العناية الكبيرة بالتعليم والصحة من خلال التركيز على البنية التحتية لهذين القطاعين كبناء المؤسسات التعليمية، وتحسين ظروف الكادر المشرف عليهما من زيادة في الرواتب والعلاوات، ما ينعكس إيجابا على مخرجات هذين القطاعين، والتي بدورها ستنعكس إيجابا على مختلف القطاعات الأخرى. ونذكر في هذا الصدد تعهد شركة كوسموس بموجب الاتفاق بتدخل اجتماعي بقيمة 30 مليار دولار في التعليم والصحة قد تصل حصة موريتانيا منها حوالي 1200 مدرسة، و30 مستشفى. كما ينبغي التركيز أيضا على التعليم الجامعي من خلال فتح جامعات أخرى بمختلف التخصصات، ومعاهد جامعية فنية لمختلف المجالات، كل هذه الأمور تمس الجوانب الأساسية لحياة المواطن.

 

على المستوى الاقليمي:

 

يقع هذا الحقل كما أسلفنا على الحدود بين بلدنا ودولة السنغال، وهو بلد اتسمت العلاقات الدبلوماسية معه خلال العقود الماضية بكثير من الشد والجذب، على الرغم من الروابط الروحية والثقافية والاجتماعية التي تجمعنا به. وصحيح أن تقاطع المصالح بين البلدين يدعوهما لتنحية الخلافات جانبا والتوجه لبناء شراكة استراتيجية صلبة أمام الحوادث العارضة، وبالتالي وضع مقاربة -بتنسيق مشترك-  تزيل التوتر، وتغلب التهدئة في معالجة الملفات الحساسة، وهو ما يقتضي خلق عقلية جديدة للتعاطي مع الاختلافات. لكن لا يغيب عن أذهاننا أن هذا البلد له نفس الاستفادة من هذا الحقل، وأنه في إطار تخطيطه الاستراتيجي للمرحلة القادمة، كانت ضمن أولويات التركيز على الجانب العسكري من خلال اقتناع طائرات وسفن حربية وصواريخ حديثة قادرة على الوصول لعمق بلدنا. وأن قادته العسكريين غالبا ما حاولوا المجازفة بعمليات عسكرية ضد البلد لأتفه الأسباب، لولا التحذيرات القادمة من بعض العواصم الاوربية بضرورة عدم الاقبال على ذلك. وليس آخرها ما تناقلته وسائل الاعلام من تسريب لمعلومات استخباراتية من قبل باريس للرئاسة السنغالية، تم بمقتضاها توجيه الرئيس السنغالي رسالة هامة لجيشه تقتضي قدرة الجيش الموريتاني ضرب العمق السنغالي بكل وسائله المتوفرة. وأمرهم بتقدير الموقف جيدا. كان ذلك بعد إطلاق النار من قبل خفر السواحل الموريتانية على صياد سنغالي رفض الانصياع للتحذيرات. هؤلاء القادة التواقين لنشوب الحرب لأتفه الأسباب، ولم يمنعهم من ذلك إلا العجز عن تقدير ردة الفعل، ينبغي التعامل معهم بحذر. وهو ما يقتضي ضرورة التخطيط الجيد لهذا الجانب والتركيز على عصرنة الجيش وإمداده بالتجهيزات الكفيلة للرفع من جاهزيته على كل الأصعدة جوا وبرا وبحرا.  وهو أمر يقتضه أيضا ضرورة الحفاظ على أمن واستقرار البلد، وكذا الموقع الريادي للدولة في قوة دول الساحل للتصدي للإرهاب العابر للحدود.

 

على المستوى الدولي:

 

قلنا سابقا إن الثروات الكبيرة تسيل لعاب الشركات الدولية والقوى الكبرى، وهو ما يتضح جليا هنا. إذ منذ الإعلان عن هذه الاحتياطات بدأ اهتمام الدول الكبرى بموريتانيا. فهذا المنتدى الموريتاني الأمريكي يرى النور في انواكشوط 2018، وقد لا تكون مناورات فلينتلوك 2020 بعيدة عن هذا المنحى. كما أعلن عن مكتب لتطوير الاستثمارات الخاصة في مجال الغاز بين موريتانيا وبريطانيا. ولم يبقى الامر على هذا الحال بل حتى فرنسا التي شهدت علاقتها بالبلد نوعا من الفتور إبان حكم الرئيس محمد ولد عبد العزيز نتيجة موقفه من بعض القضايا – كرفضه المشاركة في تحالف تترأسه فرنسا 2013 لطرد الجماعات المسلحة من شمال مالي، وتفنيده للرواية الفرنسية بخصوص تنفيذ عملية عسكرية على التراب الموريتاني- لم ترضى بموقف المتفرج على الوضع بل أحست بنوع من الغبن من عدم إشراكها في موضوع الحقل. فهذا السفير الفرنسي في دكار يعترض على انفراد حقل السلحفاة بين الشركات الآنكلوسكسونية رغم اهتمام شركة توتال الفرنسية بالموضوع من البداية.

 

إلا أن ما يهمنا هنا ليس هذا الاهتمام الكبير بالبلد بقدر ما يهمنا انعكاس هذا التكالب على الوضع الداخلي فيه. ومعلوم أن هذه القوى تجري وراء مصالحها الخاصة، ولا تتورع في اتخاذ السبل الكفيلة بتحقيق ذلك ولو كانت على حساب أمن واستقرار البلد. ولا أرى التضييق على الجماعات الإسلامية، وتحريك الملف الحقوقي مؤخرا إلا جزءا من تلك الألاعيب الخبيثة. من هنا يتوجب على القيادة ضرورة توجيه هذه الموارد الجديدة لكل ما من شأنه الحفاظ على لحمة وتكاتف المجتمع وتقويته أمام الصدمات المتوقعة من قبل تلك القوى. ويتم ذلك بالنظر في أمور من أهمها:

 

تقوية اللحمة من خلال الرفع من المستويات المعيشية للجماعات الهشة بصفة عامة، بغض النظر عن اللون والعرق. والقضاء على الفوارق الاجتماعية من خلال العناية بتلك الجماعات. ويتم ذلك إما عن طريق ميز إيجابي لصالحهم، أو خلق برامج تنموية موجهة إليهم. تخلقها الدولة وتشرف عليها بصفة مباشرة لئلا يتم استغلالها من جهات خارجية.

 

الوقوف بصلابة أمام المنظمات الخارجية التي تستهدف التأثير على الانسان سواء عن طريق المعتقد كالجماعات التنصيرية والتبشيرية… وهذا النوع لا يدخل ضمن حرية المعتقد فلكل بلد خصوصيته، وبلدنا إسلامي بصفة عامة الحمد لله. وبالتالي فهذه الجماعات مجرمة بحكم التأثير على المعتقد العام. أو عن طريق التوجه السياسي لكيلا تبقى السياسة المحلية ورقة بيد جهات أجنبية تعبث بها كيف تشاء. وهذه النقطة أساسية أيضا لتبقى السياسة محلية من المواطن وإليه فتخدم الصالح العام.

 

التأني والحذر الشديدين في اتخاذ المواقف بخصوص السياسة الخارجية للبلد. وينبغي أن يكون الاصطفاف في التحالفات الدولية، أو الانضمام إليها نتيجة دراسة معمقة ومحايدة وفق ما تقتضيه المبادئ الدينية الصرفة والمصالح الوطنية العامة.  وقطع الطريق أمام المصالح الذاتية الضيقة لبعض الممسكين بالملفات الحساسة.

 

وفي الختام أرى أن حقل السلحفاة يبقى سلاحا ذا حدين. فهو نعمة ومورد كبير سيرفع من مستوى التنمية في البلد، وينقله من خانة الدول الفقيرة إلى مصاف كبريات الدول المصدرة للغاز. هذا ان استطعنا تطويعه لصالحنا. وهو نقمة ووبال وشر مستطير إن – لا قدر الله- استطاعت القوى الدولية السيطرة عليه ومنعنا من الاستفادة القصوى منه، مستغلة في ذلك عدة طرق منها الفساد المالي والمشاكل الداخلية… وتبقى الكرة في مرمى السلطة الحاكمة لتقرر طريق التصرف في أمانتها الشرعية والوطنية. فهل يا ترى ستنحاز للخيار الأول وتتحول موريتانيا لدولة عصرية بكل المقاييس؟ أم لا قدر الله سيكون الخيار الثاني هو المسار الحقيقي. ونقول عليك يا وطني السلام؟ كان الله في عونك بلدي الغالي.