السياسة الخارجية الأميركية… غياب للرؤية وخسارة للمصالح

الرئيس الاميركي جو بايدن

الصدى – متابعات /

 على مدار ما يقارب من ثلاثة عقود منذ بدايات تسعينات القرن المنصرم عقب انهيار الاتحاد السوفياتي وبروز الولايات المتحدة الأميركية كقطب أوحد في إدارة النظام الدولى، واجهت سياستها الخارجية تحديات عدة نجحت في بعضها، على غرار نجاحها في إعادة توحيد ألمانيا داخل حلف الناتو، والتعامل المنضبط مع حرب الخليج الثانية في إطار الشرعية الدولية الممثلة في قرارات الأمم المتحدة بضرورة تحرير الكويت من الاحتلال العراقي (1990-1991)، والجهود الدبلوماسية والعسكرية بقيادة الولايات المتحدة للمساعدة في إنهاء الحرب والمذابح في يوغوسلافيا السابقة، والتوصل إلى اتفاق دايتون للسلام عام 1995، وصياغة اتفاقيات تجارية جديدة في إطار منظمة التجارة العالمية، وإنقاذ ملايين الأرواح البشرية بفضل خطط المساعدات والطوارئ الرئاسية للإغاثة.

 

ولكن عند موازنة هذه الإنجازات مع الإخفاقات المحققة، نخلص إلى القول بأن الإخفاقات زادت على الإنجازات، إذ لم تتمكن السياسة الأميركية من معالجة غالبية التحديات التي واجهتها أو الحد من تداعياتها على مصالحها ومصالح حلفائها، بما أدى إلى تراجع دورها عالميا رغم أن الفرصة كانت سانحة لأن تثبت جدارتها وسيطرتها على مقدرات العالم وشؤونه عقب انفرادها بقيادة النظام العالمي وهيمنتها على إدارة جُل قضاياه، إلا أنها لم تتمكن من وضع رؤية منضبطة لإدارة هذه القضايا رغم امتلاكها لعديد عناصر القوة الشاملة التي لا تزال قائمة حتى اليوم، إذ تكشف التقديرات عن أنه في عام 2021 انفقت الولايات المتحدة على الدفاع ما يقدر بـ772 مليار دولار، أي أكثر مما تنفقه الدول السبع التالية عليها مجتمعة، وهي الصين والهند وروسيا والمملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية وألمانيا وفرنسا، حيث يبلغ إجمالي ما تنفقه هذه الدول السبع 609 مليارات دولار، أي أقل من الولايات المتحدة بأكثر من 160 مليار دولار. والولايات المتحدة كانت تمتلك حوالي 13.000 طائرة حربية في سنة 2016 حينما كانت تملك روسيا والصين اللتان تأتيان بعدها في الترتيب الدولي ثلاثة آلاف وألفى طائرة فقط على التوالى. وللولايات المتحدة حوالى 800 قاعدة عسكرية في الخارج في أكثر من سبعين بلدا، بينما لا يتعدى عدد القواعد الخارجية الروسية والبريطانية والفرنسية الثلاثين قاعدة مجتمعة. كما تتقدم الولايات المتحدة في صناعة الطائرات الحربية دون طيارين على غيرها وإن كانت تنافسها الصين وروسيا في هذه الصناعة، تليها إسرائيل وتركيا. بل تشير بعض البيانات التي نشرتها صحيفة «الغارديان» البريطانية أن الولايات المتحدة ستمتلك ألف طائرة حربية دون طيار في سنة 2028 بينما ستمتلك الصين وروسيا أقل من واحد على عشرة من هذا العدد. أما في المجال الاقتصادي فلا تزال الولايات المتحدة رغم تراجع دورها، صاحبة المكانة الأولى، إذ يبلغ حجم الاقتصاد الأميركي 20.5 تريليون دولار في 2021، يأتي بعده الاقتصاد الصينى بـ17 تريليون دولار، ثم الاقتصاد الياباني بـ5 تريليونات دولار، ليمثل الاقتصاد الأميركي 22.3 في المائة من حجم الاقتصاد العالمي خلال عام 2021 مع الأخذ في الحسبان أن التفوق الأميركي يشهد تراجعا في تراتبيته، حيث يواجه تراجعا تاريخيا مستمرا من عام 1960 عندما كان الاقتصاد الأميركي يمثل 40 في المائة من الاقتصاد العالمي.

 

انفقت الولايات المتحدة على الدفاع ما يقدر بـ 772 مليار دولار

 

التسرع في القرارات

رغم هذه المكانة المتعاظمة عالميا للولايات المتحدة عسكريا واقتصاديا، بل وثقافيا كذلك، إلا أن الواقع يكشف عن نجاح أطراف أخرى تمكنت من إحراز تقدم على حساب الولايات المتحدة في بعض المؤشرات، من ذلك على سبيل المثال تقدم روسيا نوويا وفي بعض الملفات العسكرية، حيث تأتي الولايات المتحدة في المركز الثاني خلف روسيا بالنسبة لعدد الدبابات المملوكة لكل منهما، إذ تمتلك روسيا حوالي 12.000 دبابة بينما تحوز الولايات المتحدة 6.600 دبابة، وهو ما يتكرر بشأن الأسلحة النووية، إذ تمتلك روسيا 6.255 قطعة، بينما تمتلك الولايات المتحدة 5.550 سلاحا نوويا فقط. مع الأخذ في الحسبان أن ذلك لا يعني أن موازين القوى لم تعد في صالح الولايات المتحدة، بل تظل تمتلك الولايات المتحدة العديد من عناصر القوة التي تعزز مكانتها وتمكنها من تحقيق مصالحها، شريطة أن تدرك حقيقة أن طبيعة النظام الدولي لن تستقر على وتيرة واحدة، إذ سرعان ما تشهد تحولات في بنيته في ضوء تزايد الصراعات على قمته، وأن الحفاظ على المكانة في تلك البنية مرهون بقدرة الفاعل الدولي على إدارة قضاياه وأزماته وتحالفاته بشكل لا يمنح الفرصة للمنافسين للصعود إلى قمة النظام والمزاحمة على قيادته، وهو ما أخفقت فيه الولايات المتحدة سواء في إدارة علاقاتها مع حلفائها، ورسم مسارات التحرك مع أعدائها ومنافسيها، من خلال تبني سياسات واتخاذ قرارات غير مدروسة على غرار قراراتها عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، بدءا من احتلال أفغانستان عام 2001 ثم العراق 2003، ذلك الاحتلال الذي أنهته الولايات المتحدة بقرارات مفاجئة غير مدروسة لتداعياتها على الأوضاع في تلك المناطق عقب الانسحاب، فسلمت العراق فريسة للتوغل الإيراني، كما تركت أفغانستان ساحة لتنظيم طالبان عقب توقيع إدارة ترامب في فبراير (شباط) 2020 معها اتفاقا حدد 1 مايو (أيار) 2021، موعدًا نهائيًا لانسحاب القوات الأميركية من البلاد على أمل تحقيق الاستقرار، في حين أن الاتفاق فشل في إلزام طالبان بإلقاء أسلحتها أو حتى الالتزام بوقف إطلاق النار، فلم تكن اتفاقية سلام بقدر ما كانت اتفاقية لتسهيل الانسحاب العسكري الأميركي المتسرع من الحضانة الأولى للإرهاب العالمي. الأمر ذاته تكرر في إدارتها للملف النووي الإيراني، إذ سعت في مرحلة ما إلى إبرام اتفاق مع طهران (عام 2015) إلا أنه لم يتضمن وضع حد لمنع امتلاك إيران سلاحا نوويا، وهو ما دفع الإدارة الأميركية الجمهورية في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب في ظل استمرار طهران في تطوير قدراتها النووية إلى التراجع عن هذا الاتفاق دون حساب تداعيات ذلك على واقع المنطقة وأزماتها، ثم فجأة تعيد الإدارة الأميركية الديمقراطية من جديد مفاوضاتها مع طهران في محاولة لتأمين صفقة جديدة معها بغض النظر عن التكلفة. كما مثلت أزمة أوكرانيا الأخيرة التي دفعت موسكو إلى الاعتراف بجمهوريتين جديدتين على الأراضي الأوكرانية، نموذجا آخر للاندفاع الأميركي دون حساب العواقب والتداعيات على الشعب الأوكراني والأمن في تلك المنطقة التي تعاني من صراعات مكتومة وحروب مفتوحة. ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل يؤكد على هذا النهج غير المحسوب لتوجهات السياسة الأميركية في علاقاتها الخارجية ما يحدث كذلك في القارة اللاتينية، إذ إنه منذ عام 2017، تفرض الولايات المتحدة عقوبات على حكم الرئيس الفنزويلي مادورو الذي يستمر حتى اليوم في الحكم في ظل معاناة يدفع ثمنها الشعب الفنزويلي.

 

نجاح أميركا لن يتحقق بمفردها

في ضوء ذلك، كان من الأهمية بمكان أن تبحث الإدارات الأميركية المتعاقبة في أسباب هذه الإخفاقات المتكررة، بعيدا عن تفسيرات نظرية المؤامرة التي تمثل حلا سهلا يلقي بالمسؤولية على عاتق أطراف آخرين، أو حتى التمادي في انتهاج ذات السياسة التي تؤدي استمراريتها إلى تفاقم المشكلات أو تعقد الأزمات، رغم ما قد يرى البعض أن استمرارية السياسة الخارجية إنما يمثل ركيزة أساسية في نجاحها، انطلاقا من فكرة التراكم الذي توجده حالة الاستمرارية في انتهاج ذات السياسات، إلا أن هذه الرؤية رغم وجاهتها في أهمية أن تكون ثمة ثوابت رئيسية في توجهات السياسة الخارجية لأية دولة. ولكن في الوقت ذاته يجب أن لا تعني الاستمرارية، الجمود والخروج عن متطلبات اللحظة الراهنة وتحولاتها، وذلك لأن الإخفاقات الأميركية في سياستها الخارجية لا تدفع ثمنها الولايات المتحدة فحسب، بل تمتد تأثيراتها إلى الأطراف كافة؛ سواء كانوا من أعدائها حيث يقومون باختبار حدود ضعفها واستغلال هذه الحدود، أو من حلفائها الذين يتزايد لديهم الشك في قدرة الولايات المتحدة ومصداقيتها في العمل سويا في مواجهة التهديدات المشتركة، حيث يجد الحلفاء أنفسهم في مواجهة تحدياتهم بشكل منفرد في ظل غياب مفاجئ أو تحول طارئ في الموقف الأميركي بعيدا عن الوعود المقطوعة والاتفاقات الموقعة، بما يوسع من مساحات عدم الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها، وهو ما يصب مباشرة في مصالح الخصوم الذين يتحينون الفرصة للمواجهة تارة أو الإفلات من الالتزامات الدولية تارة أخرى.

 

الولايات المتحدة كانت تمتلك حوالى 13.000 طائرة حربية عام 2016

خلاصة القول إن السياسة الخارجية الأميركية في إخفاقاتها المتعددة والتي شهدت تزايدا في عقودها الثلاثة الأخيرة بشكل متسارع، تحتاج إلى إعادة قراءة دقيقة لتوجهاتها وتحركاتها وكيفية اتخاذ قراراتها كما أوضح ريتشارد هاس مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية، في مقال منشور له في دورية «فورين آفيرز»، بأنه رغم تعهد الرئيس الأميركي جو بايدن بالمساعدة في قيادة العالم نحو مستقبل أكثر سلامًا وازدهارًا لجميع الناس، إلا أن الحقيقة من وجهة نظر هاس أن الأزمة ليست في طبيعة النظام الدولي والفاعلين الرئيسيين فيه، وإنما تكمن الأزمة في أن الأميركيين يريدون مزايا النظام الدولي دون القيام بالعمل الجاد المتمثل في بنائه والحفاظ عليه، وهو ما يتطلب أن تدرك الولايات المتحدة أن نجاحها لن يتحقق بمفردها، وإنما يجب أن تعمل مع الآخرين سواء الحلفاء التقليديين أم الشركاء الجدد، وذلك كله من خلال الاعتماد على الوسائل المتاحة كافة؛ رسمية وغير رسمية بهدف التوصل إلى مجموعة من القواعد والمعايير الدولية وآلية لتنظيم العمل الجماعي. حينذاك تستطيع الولايات المتحدة أن تدير أزمات النظام الدولي وقضاياه بشكل يحقق مصالحها ومصالح حلفائها، وفي الوقت ذاته يحافظ على الأمن والسلم الدوليين بما ينعكس إيجابا على حالة الاستقرار العالمي وتقليل عدد الصراعات وخفض مستوياتها.