السياسي البارز والخبير الاقتصادي موسى فال “للصدى” : الوثيقة أطلقت عليها “العشرية الضائعة” وهي في الحقيقة العشرية الجهنمية

موسى فال/ رئيس الحركة من أجل التغيير الديمقراطي(عدسة الصدى)

ولد عبد العزيز إستثمر مليار دولار في مجال الطاقة ،ورغم ذلك لا تزال الكهرباء تتقطع

الاستاذ موسى أفال شخصية سياسية واقتصادية غنية عن التعريف ، كتب في نهاية حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز وثيقة اقتصادية بنكهة سياسية ، رصد فيها أخطاء واختلالات السياسات الاقتصادية التي انتهجها نظام الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز خلال عشرية حكمه للبلاد ، وأبانت هذه الوثيقة التي هي قراءة تحليلية للأرقام والبيانات الاقتصادية الرسمية المعتمدة من طرف النظام، أن السياسات الاقتصادية كانت كارثية وعبثية بما في الكلمة من معنى ، ولذا قرر الرجل أن يعنون وثيقته “بالعشرية الضائعة” لكنه اليوم يقول أنه في حالة مراجعته للوثيقة سيغير العنوان ليصبح “العشرية الجهنمية”

صحيفة “الصدى” بطبعتيها العربية والفرنسية قررت نشر هذه الوثيقة على حلقات بشكل اسبوعي لأهميتها الاقتصادية والسياسية والتاريخية ، وقد أكملت الطبعة العربية من “الصدى” نشر الوثيقة قبل اسبوعين ، وهاهي تجري حوارا مع معدها الاستاذ موسى فال حول ما أثارته وتثيره هذه الوثيقة من جدل وما تكشفه من عبث بالاقتصاد الوطني على مدى عقد من الزمن

والصدى إذ تشكر للزعيم السياسي والخبير الاقتصادي موسى أفال تجاوبه مع رغبتها في الحوار رغم دخوله في صمت إعلامي هذه الفترة تدعو قرائها الكرام لمتابعة هذا الحوار الهام الذي استعرض كل حيثيات المشهد الاقتصادي الوطني بتجلياته  السياسية مع استعراض الآفاق  الاقتصادية الواعدة للبلاد

وهذا نص الحوار:

حاوره رئيس التحرير  : محمد عبد الرحمن المجتبى

 – الطبعة العربية من صحيفة “الصدى” أكملت مؤخرا نشر  وثيقتكم السياسية والاقتصادية التي اطلقتم عليها وثيقة “العشرية الضائعة” ، وهي وثيقة تشمل الكثير من المعلومات الخطيرة تتعلق بفشل تسيير النظام السابق برئاسة الرئيس  محمد ولد عبد العزيز

وبودنا أن نستضيفكم اليوم بعد نشر الحلقة الأخيرة من حلقات الوثيقة لنطلع الرأي  العام  على ظروف إعدادكم لهذه الوثيقة واختياركم لعنوانها (العشرية الضائعة) هذا العنوان الذي يعتبر البعض انه كان قاسيا في  حق النظام السابق .. ؟

لاحظت مبكر أن سياسات ولد عبد العزيز الاقتصادية غير رشيدة وستكون كارثية لتركيزه على الاستثمارات على حساب التسيير

  • مرحبا بكم ، هذه الوثيقة تعتبر خلاصة للكثير من المقابلات والمقالات في المجال الاقتصادي حاولت خلالها أن أتناول الخلل الخطير في السياسات الاقتصادية المتبعة من طرف نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز على مدى عشر سنوات، وفي نهاية تلك العشرية كان لا بد من إعداد حصيلة شاملة لما شهدته البلاد  من سياسات اقتصادية خلال فترة حكم ولد عبد العزيز ، لأنني في الأيام الأولى من حكم الرجل لا حظت أن سياسته الاقتصادية غير صالحة وغير ناجعة ، لأنه في أول توجه له أعلن أن الأولوية بالنسبة له للاستثمارات على حساب تسيير الدولة ، و فعلا خصص 40بالمائة من ميزانية الدولة للاستثمارات، والباقي خصصه للإدارة ورواتب العمال ، وهذه في الحقيقة سياسة غير حكيمة وغير سديدة، خاصة بالنسبة لدولة كموريتانيا وحتى بالنسبة لجميع الدول النامية ، فمعروف أن الاولوية لدى هذه الدول تتمثل في السياسات الاجتماعية والإنمائية ، خاصة التعليم والصحة والتغطية الإجتماعية ، وعندما توفر الدولة إمكانيات وترسم لها سياسات حكيمة موجهة لهذه المجالات ، فإن المبالغ المتبقية بعد هذه المجالات الاجتماعية هي التي توجه للاستثمار ، ولكن للأسف الرئيس السابق ولد عبد العزيز عكس القاعدة الاقتصادية وركز على الاستثمارات بدلا من التسيير

 

  • وهل أعطت الاستثمارات أكلها ؟

 

  • لا أبدا فالرئيس السابق ولد عبد العزيز بعد اختياره لهذه السياسة التي تعطي الاولوية للاستثمار على حساب التسيير ، ظهر أيضا أن الأولويات في مجال الاستثمار لم تكن مرتبة وفق الآليات المتعارف عليها اقتصاديا ،بل كان الأمر يخضع لمزاجه الشخصي ، فقد كان يختار بطريقة عشوائية مجالا استثماريا وينهمك فيه بطريقة غريبة(عينيه ما فيهم بلله)  بدون أي تخطيط أو تصور مسبق ، فعلى سبيل المثال استثمر ولد عبد العزيز ما يربو على مليار دولار في مجال الطاقة ،ورغم ذلك لا تزال الكهرباء تتقطع في العاصمة يوميا ، وهناك خط كهربائي بين نواكشوط ونواذيبو وازويرات ، وخط آخر بيننا مع السنغال ، وكل هذا لا توجد له مردودية أو جدوائية  ومبرراته غير مقنعة وغير واضحة ، كذلك ميناء انجاغو قرب كرمسين الذي صرفت فيه مبالغ هائلة تقدر ب 400مليون دولار، سمعت مؤخرا وزير الاقتصاد الحالي يقول أنه يعكفون على دراسة لوضع  تصور للطريقة التي سيستثمرون بها هذا  الميناء ، وهذا  في الحقيقة مضحك بل محزن  ، فالميناء تم انجازه وبعد ذلك يبدأ التفكير في استغلاله ، ويعني هذا أنه لم تكن هناك دراسة جدوى للميناء أصلا، ولم تنجز دراسة استثمار له قبل إنجازه ، وهذا في الحقيقة خطير جدا ، فالرئيس السابق ركز على الاستثمار على حساب التسيير وهذا  خطأ فادح ، والاستثمار ايضا مارسه بطريقة مزاجية أهدرت المال العام ولم تعط النتائج المتوخاة ، وهذا في الحقيقة هو ما جعلني أعكف على هذه الوثيقة لاستعرض العبث الذي تم في شتى المجالات ، ولكي اوضح للرأي العام ان السياسة الاقتصادية التي انتهجت خلال عشرية ولد عبد العزيز كانت خسارة على البلاد ، وما أنفق فيها من الأموال لو أخضع لسياسات حكيمة تكون موريتانيا  اليوم وصلت لمرحلة متقدمة من التطور والازدهار ، خاصة أن موريتانيا حصلت على الكثير من الموارد خلال هذه الفترة

 

  • هل يمكن أن نفهم أن تركيز ولد عبد العزيز على الاستثمارات بدلا من التسيير ، يجسد نية مسبقة لدى الرجل لتسريب المبالغ المخصصة الاستثمار الى جيوب الفساد ؟ خاصة أن الرجل حاليا ملاحق في قضايا فساد كبيرة وخطيرة ؟

 

  • هذا كلام يقوله البعض وقد يكون صحيحا نسبيا لكنني أنا لم أهتم بهذا الجانب خلال إعدادي للوثيقة لأنه يتضمن اتهامات لا أملك الدلائل عليها ، وإنما ركزت في إعدادي للوثيقة على بيانات رسمية صادرة عن البنك المركزي ، و الخزينة ، و مؤسسات التمويل الدولية ، و شركاء التنمية ،الخ … وبالتالي هذه الوثيقة لا توجد فيها أي معلومة غير موثقة رسميا وفق معطيات النظام نفسه ، وهناك مجالات لها علاقة بالاقتصاد كان بإمكاني التطرق لها، كالرشوة واختلاس المال العام ، ولكي لا يكون هناك طعن في الوثيقة تحدثت عن الخسائر الفادحة التي حصلت في الاقتصاد بسبب هذه السياسات العبثية ، ودعمت كل ما قلته بأرقام رسمية معروفة صادرة عن النظام نفسه كما أسلفت

 

  • وما ذا عن قساوة العنوان (العشرية الضائعة) ؟

 

  • بالنسبة للعنوان هناك الكثير من الناس يعتبر أن عبارة العشرية الضائعة عبارة ضعيفة جدا (يضحك) بالنسبة لما تم فساد خطير ،فما تم هو خسارة كبرى للبلاد على مدى عشر سنوات ، وبالتالي عبارة “ضائعة” عبارة ضعيفة بالنسبة لهم ولا تعكس الوضع

 

  • ولكن هناك من أطلق عليها العشرية الذهبية ؟

 

  • لا لا… الذهبية لا تستقيم ، البعض يقترح أن نسميها العشرية الجهنمية ولو كنت بصدد تغيير العنوان لأخترت هذا الاسم لأن عبارة الجهنمية هي التي تعكس ما حصل من خسارة للبلد

ولد عبد العزيز شكل لجنة للرد على الوثيقة لكنهم اكتشفوا  أنها مجرد تحليل دقيق للأرقام الرسمية

  • حرصتم على نشر الوثيقة في ظل النظام السابق ، هل تلقيتم ردود فعل رسمية أو غير رسمية عليها آنذاك ؟

 

  • بلغني من مصدر ثقة أن النظام حينها شكل لجنة من الخبراء كلفت بالرد على الوثيقة ، واجتمعت في الرئاسة ، وبعد تدارس الوثيقة بدقة ، قالوا ان الوثيقة لم يجدوا فيها غير المعلومات الرسمية من بيانات وأرقام صادرة عن النظام ومؤسساته المعنية ، وبالتالي لم يجدوا أي افتراء أو تحامل على النظام يمكنهم الرد عليه ، وانتهت مهمة اللجنة بدون رد ، كما أخبرني صديق لي لديه علاقة مع ولد عبد العزيز أنه بعد صدور الوثيقة قاطعه ولد عبد العزيز لأكثر من شهرين لا يكلمه ولا  يسلم عليه منزعجا من علاقاته معي أنا (يضحك)

 

  • ولكن كان بامكان البنك المركزي الرد عليها لانه معني بها بالدرجة الاولى أليس كذلك ؟

 

  • الرد على وثيقة من هذا النوع عادة يكون بإحدى طريقتين ، إما أن بنفي الأرقام وتوضيح أنها غير صحيحة ، وهذا متاح لهم لكنهم لم يستطيعوا الاقدام عليه لأن الارقام التي في الوثيقة أرقامهم الصادرة عنهم ،ولا تزال منشورة ومتاحة للجميع ، أما طريقة الرد الثانية فهي التشكيك في التحليل ، وهذه أصعب بكثير لأن التحليل تم اعداده إنطلاقا من الأرقام الرسمية ، و أنا لم أتوقع ردهم لأنني لدي معهم تجربة سابقة فقد كتبت قبل سنوات مقالا حول الاقتصاد، ورد عليه أحدهم باسم مستعار، وقمت أنا أيضا بالرد عليه ، فالتزموا الصمت بعد أن أدركوا أن الموضوع ليس في صالحهم

 

  • الملاحظ أن هذه الوثيقة شاملة للمشهد الاقتصادي والتنموي الوطني ولا شك أنها اخذت منكم جهدا كبيرا ، ماهي المنهجية التي اعتمدتم في إعدادها ؟

 

  • الحقيقة هي لا تكلف جهدا كبيرا مبالغا فيه ، فهي تقوم أساسا على الارقام الدقيقة، وهذه متوفرة لدى المانحين، ولدى المؤسسات الحكومية كالبنك المركزي وغيره ، وبالتالي هي لا تتطلب سوى جمع البيانات والارقام الرسمية، وتحليلها وفق معطيات التحليل الاقتصادي المتعارف عليها دوليا ، وهذا في الحقيقة ليس صعبا ، لكن المشكلة أن الكثير من الخبراء يمنعهم الكسل من القيام بعمل كهذا ، وهناك مشكلة أخرى ان نسبة القراء في تراجع ونسبة الكسلاء في تصاعد

 

  • يلاحظ في الوثيقة أن موريتانيا مع نهاية العشرية المنصرمة كانت تتذيل قائمة المؤشرات الانمائية والاقتصادية الاقليمية والدولية ، كيف رصدتم هذه المعلومة الخطيرة؟

 

  • هي في الحقيقة هي عشرية كارثية بكل المقاييس ، فالمؤشرات التي تحدثت عنها كلها موثقة و صادرة عن جهات رسمية دولية، ولديها موقع رسمي تنشر عليه ترتيب الدول في ذلك المؤشر، وبالتالي يمكن لأي شخص الاطلاع عليه ،

 

  • هناك مفارقة مريبة وهي أن المؤسسات المانحة وشركاء التنمية يتفرجون على سياسات اقتصادية فاسدة في البلاد و لا يعترضوا عليها في الوقت الذي يفرضون شروطهم في مجالات أخرى ؟

 

  • هذا السؤال هام و وارد جدا ، وأنا شخصيا ناقشته مع الكثير من الناس المعنيين ، لأنه فعلا شيئ غير طبيعي ، خاصة أن البنك الدولي حسب معرفتي الشخصية كان يفرض على موريتانيا أن تقدم له مشاريعها ولا بد أن يعطيها الاذن في تنفيذ كل مشروع، بعد تقديم الحكومة دراسة بجدوائيته ، وفي بعض الاحيان يرفض البنك الدولي بعض المشاريع المقترحة من طرف موريتانيا ، وفي هذه الحالة لا تستطيع الحكومة تنفيذها، لأن التمادي في قرارها سينعكس سلبا على التمويلات المقدمة من طرف البنك الدولي ، وما لاحظته في السنوات الأخيرة هو أن البنك الدولي لم يعد يهتم أو يشترط وموريتانيا أطلق لها الزمام (مطلوص إخزامتها)  في تنفيذ المشاريع بطريقة عبثية لا تخضع للمعايير والشروط المتعارف عليها ، والأغرب من كل ذلك أن علاقات موريتانيا والبنك الدولي، ومع كل الممولين لم تتأثر جراء هذه السياسات الاقتصادية الفاسدة ، وأنا شخصيا طرحت نفس التساؤل على بعض الخبراء وقالوا لي أنهم يلاحظونه ولكن ليس عندهم جواب للسؤال .. وطبعا هذا هو الحال بالنسبة لكل المانحين كالاتحاد الاوربي والبنك الاسلامي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وغيرهم …

 

  • بالنسبة للصناديق العربية لا اعتقد أنها تفرض شروطها كما هو الحال بالنسبة للصناديق الغربية ؟

 

  • صحيح الصناديق العربية أصلا لا تفرض شروطا قوية ، ولكن من الطبيعي أن أي ممول مهما كان يجب أن يتأكد أن تمويله ستكون له جدوائية أولا على البلد ، ويمكن أن يحصل منه ما يقضى منه بعد حلول فترة السداد

الأجيال القادمة مكبلة بالديون فموريتانيا تسدد 350مليون دولارسنويا

  • هل تعتقد – من باب نظرية المؤامرة التي نؤمن بها نحن العرب كثيرا- أن المانحين تركوا الحبل على الغارب للنظام الماضي كي تغرق البلاد في الديون وتعجز عن السداد ، وبالتالي تفرض عليها شروط سياسية من نوع آخر مستقبلا ؟

 

  • الحقيقة لا أعرف .. لا شك انها قضية غريبة ، ولكن أيضا الديون أصبح سدادها ملزما لم تعد كما كانت ، أي دولة لم تسدد ديونها ستتوقف عنها التمويلات مباشرة ، فموريتانيا مثلا تسدد كل سنة مبلغ 350مليون دولار للمانحين ، وهذا في الحقيقة غير طبيعي ، وخطير على تنمية بلد كبلدنا ، فنحن الآن ننتظر تصدير حصتنا من الغاز ، ولكن عائدات الغاز قد تذهب كلها في سداد الديون السنوية ، وبالتالي قد لا نستفيد من هذه العائدات في المدى القريب ، ومن هنا يتضح لك خطورة هذا النوع من السياسات الاقتصادية العبثية ، لأنها خطيرة في وقتها وخطيرة في المستقبل ، لأن الأجيال القادمة مكبلة بالديون الآن وستنفق كل مواردها في سداد الديون

 

  • هذا الكلام يجرنا لسؤال قانوني أكثر مما هو اقتصادي ، وهو آلا يعتبر سوء التسيير والحكامة جريمة في حق الدولة والمجتمع و الأجيال القادمة ؟

 

  • هناك من يرى ذلك ويعتبر أن سوء التسيير جريمة تستحق الملاحقة ، ولكن أهل القانون أدرى بذلك ، وما أستطيع تأكيده أن ما حصل من فساد في هذه العشرية خطير وشنيع ويضر الحاضر والمستقبل

موريتانيا تدفع ضريبة المسار الديمقراطي ومآلات تحالف النظام والقوى التقليدية

  • ما هي بالنسبة لكم مبررات التخلف الاقتصادي والتخبط التنموي الذي تعيشه البلاد منذ عقود ؟

 

  • اعتقد ان التجربة الديمقراطية في موريتانيا كانت ضريبتها باهظة بالنسبة للبلاد وانعكست سلبا على الجانب التنموي والاجتماعي ، فلحظة إنطلاق المسلسل الديمقراطي في بداية تسعينيات القرن الماضي كانت المعارضة آنذاك قوية وكان مرشحها أحمد ولد داداه مقنعا للرأي العام الوطني ، وهذا مع أفزع نظام ولد الطايع العسكري آنذاك ، فوجد نفسه في حالة من الارتباك والعجز تمنعه من مواجهة المعارضة ، فلجأ للقبائل والزعامات التقليدية ، وعين يومها العقيد والوزير السابق الشيخ سيد احمد ولد باب منسقا لما سيعرف لا حقا بالحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي (P R D S) وكانت مهمة هذا المنسق أساسا هي استقبال القبائل وتأطيرهم واستقبال طلباتهم، ومن هذه القبائل تشكل الحزب الحاكم (P R D S) على نظام قبلي بحت ، والنظام القبلي لا يفهم سوى المصالح الشخصية الآنية ، كالتوظيف بدون معيار للكفاءة و منح الرخص العقارية ورخص الصيد والسيارات وغير ذلك من الامتيازات النفعية الشخصية ، وبالتالي لا توجد أي نظرة وطنية عامة لدى هذا الحزب والقائمين عليه والمستفيدين منه ، وأصبح هناك حلف بين النظام الحاكم آنذاك والقوى التقليدية المسيطرة على صناديق الاقتراع في الداخل وهذا الحلف أفسد  البلاد ، لان معادلته تقوم على أن القوى والزعامات التقليدية تنفذ للنظام رغباته الانتخابية والسياسية ، وفي المقابل النظام يلبي لتلك الزعامات رغباتها ذات الطابع النفعي ، وسياسة  المنافع هذه تحولت مع الوقت الى ثقافة عامة في البلد افسدت الادارة ، وأصبحت معايير التعيين في الوظائف السامية خاضعة لهذه السياسة

وهذا في الحقيقة خطير على واقع ومستقبل البلاد لأن حكامة جيدة لن تمنح المناصب السامية والفنية إلا لأصحاب الخبرة والمصداقية ، وطبعا لا يتناقض هذا مع بعض التعيينات السياسية للنظام الحق في منحها لمن يريد ، ولكن الادارة والشركات الوطنية يجب أن يكون التعيين فيها على أساس الكفاءة والخبرة والمصداقية فقط لا غير،

  • أين هي البلاد اليوم من هذه الوضعية التي تحدثتم عنها ؟

 

  • للأسف الشديد ما زلنا نعيش نفس الظروف والعقليات وبالتالي لم نصل للاصلاح المنشود ، رغم ان التغيير  ما زال متاحا في أي وقت تتوفر فيه الارادة الصادقة والقوية ، خاصة أن موريتانيا تسمح لها ظروفها الايجابية المستقبلية بالتغيير للاحسن ، لانها لديها الكثير من الموارد والإمكانيات ، والشعب الموريتاني شعب حيوي وطموح ، ولديها الكثير من الكفاءات والتجار الموريتانيين أقوياء ومهنيين

 

  • على ذكر التجار هناك دور كبير لرجال الأعمال في الدول النامية أحيانا يكون اقوى من دور الدولة ، لكن في موريتانيا هناك من يقول أن البلاد بلا رجال أعمال هناك فقط تجار بالمفهوم التقليدي للكلمة ، ما رأيك ؟

 

  • الحقيقة طبقة رجال الأعمال يخلقها التنافس الايجابي ، وهذا ليس موجود في البلد ، لأن الدولة تتحكم في كل شيء وهناك احتكار سائد ، والحقيقة هناك علاقات غير سليمة بين السلطة والقبائل ورجال الأعمال ، وفي إطار هذه العلاقات يتم التنافس بين رجال الاعمال للتقرب من النظام والسلطة أي أن التنافس هنا ليس في الحقل الاقتصادي وإنما في الحقل السياسي للحصول على امتيازات تجارية واقتصادية قد لا تكون شرعية ، وهنا أصبحت عندنا ظاهرة تجدد طبقة رجال الاعمال مع كل نظام جديد في البلد.

 

  • هناك ظاهرة شهدتها البلاد خلال العشرية الماضية وهي ظهور عدد كبير من البنوك في فترات متقاربة وقد شكك بعض الاقتصادية في مدى جدوائية ومعايير الترخيص لهذه البنوك ، وهذا خطير على الوضع الاقتصادي في البلاد ، لكننا لم نلاحظ أي إشارة لهذه الظاهرة في وثيقتكم “العشرية الضائعة” ، لماذا ؟
  • الحقيقة ظهور البنوك يعود للتنافس الطبيعي ، ففي الولايات المتحدة الامريكية مثلا هناك الكثير من البنوك ، ولكننا في كل يوم نسمع عن إفلاس عدد من البنوك بسبب التنافس الطبيعي ، لأن كثرة البنوك تقوي المنافسة، والمنافسة الشفافة تعطي حق البقاء للبنوك الأكثر مصداقية و جدوائية اقتصادية ، بالنسبة للبنوك التي ظهرت في البلاد خلال العشرية المنصرمة فلا أعتقد أنها احترمت المعايير والإجراءات الطبيعية المتعارف عليها لدى البنك المركزي ، ولا شك أنها منحت للمقربين اجتماعيا واقتصاديا من الرئيس السابق بطرق غير شفافة ، وأنا لم أكتب حول هذه الظاهرة ولكن حسب ما بلغني أن هذه البنوك الجديدة ليس من بينها من استوفى الشروط القانونية ، ومعلوم للجميع أن افتتاح أي بنك يتطلب تلبية الشروط القانونية المعروفة لدى البنك المركزي ، و من ضمن هذه الشروط المهنية ومبلغ محدد لرأس المال لا بد من توفيره ، ولا يخفى عليكم أن المهنية غائبة لدى هذه البنوك، لأنها منحت لأشخاص لا يوجد عندهم أبسط مستوى في المهنية ، وبالنسبة الشرط المتعلق برأس المال لا اعتقد أنهم احترموه وقد أخبرني البعض أنهم لم يوفروا رأس المال المطلوب

 

  • هذا يؤكد أن دور رجال الاعمال الطبيعي في تنمية البلاد لا يزال غائبا ؟

 

  • كما قلت لك الدولة هي التي تمنع رجال الاعمال من الاضطلاع بدورهم التنموي والاقتصادي الطبيعي ، و تفرض عليهم التعاطي معها في إطار الحلف الذي تحدثنا عنه آنفا (حلف النظام ورؤساء القبائل ورجال الاعمال) ، وهناك ملمح إيجابي اليوم وهو أننا لم نشاهد حتى الآن أقارب الرئيس الحالي ولد الغزواني يتصدرون المشهد الاقتصادي رغم أنهم في الأصل تجار  ولديهم إمكانيات اقتصادية ، وهذا بالنسبة لي إيجابي إلى أقصى درجة ، لأن الرئيس إذا لم يكن تحت سيطرة وسطه الاجتماعي يكون ذلك مفيدا جدا له وللبلد ، لانه سيتمكن من اتخاذ قرارات عادلة ومنصفة للجميع.

 

  • دعنا نتحدث عن الوضعية الاقتصادية التي سلم فيها الرئيس السابق ولد عبد العزيز البلاد لخلفه الرئيس الحالي ولد الغزواني ، فقد كثر الجدل حولها البعض يرى أن الرئيس السابق سلم الدولة خاوية على عروشها ورصيد العملة الصعبة لدى البنك المركزي منهار ، ومما أربك المشهد أكثر تناقض التصريحات الرسمية للنظام الجديد ، حيث نفى وزير المالية هذه المعلومات ليؤكدها لاحقا الوزير الاول السابق ولد الشيخ سيديا ، ماهو تقييمكم أنتم كاقتصادي مراقب ؟

 

  • الوضعية التي ترك بها ولد عبد العزيز البلاد يمكن الحديث عنها على مستويين إثنين هما وضعية المشهد الإقتصادي ، و وضعية الأرقام التي ترك بالبنك المركزي ، في بالنسبة للوضع الاقتصادي ترك ولد عبد العزيز البلاد غارقة في مديونية خارجية كبيرة وخطيرة على موريتانيا قضائها ، وترك الكثير من المشاريع الفاسدة التي لا بد من معالجتها ومعالجتها تتطلب الكثير من الوقت والمال ، وترك شركات الدولة الكبرى تعاني من سوء التسيير كشركة “اسنيم” مثلا التي تم التلاعب بها والعبث بمواردها ، وتم اكتتاب ألف عامل داخلها بدون معايير واضحة وشفافة ، وهذا هو حال جميع شرائك الدولة ، وهذه الوضعية أدت لإفلاس بعضها كشركة “سونمكس”و”آنير” ، وباختصار الوضعية الاقتصادية للبلاد تضررت كثيرا من السياسات العشوائية التي كان ولد عبد العزيز يعتمدها في تسييره للبلاد، أما بالنسبة للأرقام فلاشك أنه ترك أرقاما مقبولة ففد ترك حوالي مليار دولار أو أقل بقليل في البنك المركزي ، ووضعية الميزانية أيضا مقبولة الى حد ما ، واعتقد كما قلت آنفا أن كل هذه الوضعية الصعبة قابلة للمعالجة لكن وفق حكامة جديدة جادة وجيدة وفعالة ، خاصة أن هناك مؤشرات إيجابية حول تحسن أسعار الحديد في العالم وهناك توقع بتضاعف سعر الذهب في العالم أما السمك فسعره ثابت ولم يتضرر كثيرا ، وبخصوص الغاز هناك توقع بتصديره خلال السنتين القادمتين ، وبالنسبة للاقتصاد الريفي أتوقع أن ينتعش هذا العام بسبب كمية الامطار غير المسبوقة ،  وبالتالي اتوقع ان تتحسن الاوضاع في البلاد ، رغم الاختلالات الكبيرة والخسائر الهائلة ، ولكن كما أسلفت الظروف العامة مواتية لتحسين الأوضاع ومعالجة تلك الاختلالات والنهوض بالتنمية الاقتصادية الوطنية ، والشرط الوحيد هو أن تكون هناك إرادة جادة وحكامة جيدة تنتهج سياسات تنموية في صالح البلاد ، خاصة في مجالي التعليم والصحة ، ولا تؤتي تلك السياسات أكلها ما لم  تتحسن الظروف المعيشية الصعبة للمعلمين والأطباء  ،

 

  • السيد الرئيس ما هو رأيكم حول اللجنة البرلمانية التي شكلت لتقصي حقائق  عشرية نظام ولد عبد العزيز ،  والتي يقال أن  وثيقتكم كانت  من بين الوثائق المرجعية التي اعتمدت عليها في عملها ، ما هو تقييمكم للجنة ولتقريرها  الذي ترتبت عليه ملاحقة رجال النظام السابق  وعلى رأسهم الرئيس محمد ولد عبد العزيز ؟

 

  • أولا أنا لست متأكدا أن اللجنة البرلمانية استأنست بالوثيقة ، لكن اعتقد أن فيها بعض الافكار يمكن أن تكون عالقة بأذهان الناس ، وبخصوص تشكيل اللجنة أنا اعتقد أن مجرد تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في قضايا الفساد ، يعتبر أمرا مهما جدا في الحاضر والمستقبل ، وستشكل منعطفا تاريخيا مهما للبلد ، والأهم في هذه اللجنة أن الدولة قبلت تشكيل هذه اللجنة إن لم تكن ساعدت في تشكيلها وهذه ظاهرة جديدة في البلاد يجب التنويه بها وتسجيلها بارتياح ، وهناك مؤشر إيجابي هام أيضا هو أن هذه اللجنة تشكلت في إطار  تقارب وتفاهم بين المعارضة والموالاة  ، ومارست هذه اللجنة عملها  في ظروف جيدة بدون أي تدخل من السلطة التنفيذية ، و وفرت لها الدولة الامكانيات الضرورية لأداء مهمتها ، خاصة الامكانيات التي  تسمح لها بالتعاقد مع خبراء دوليين مهنيين ، على الرغم  أن اللجنة نفسها  تضم كفاءات عالية في مجالات عملها ، وهذا ما جعل هذه اللجنة تصدر تقريرا واضحا ومتكاملا يشمل توصيات مهمة جدا ، وبعد قيام اللجنة بدورها على أحسن حال، قامت الدولة أيضا بدورها حيث رفعت التقرير للعدالة لتبدأ هي الأخرى  عملها بكل استقلالية ومهنية ، ولا يزال التحقيق القضائي جاريا على مستوى شرطة الجرائم الاقتصادية بكثير من الجدية والصرامة والهدوء والحكمة ، وهذا في الحقيقة إيجابي جدا ،مهم أولا بالنسبة لمكافحة الفساد ، وثانيا بالنسبة للمؤسسات الرسمية التشريعية والتنفيذية والقضائية حيث اصبحت لها قيمة ووجود ، وبإمكان كل منها العمل بمهنية واستقلالية وفق القانون بدون تدخل من جهة أخرى ، وهذا تطور هام جدا كنا بحاجة له ، فالكل يعلم أنه في عهد الرئيس السابق لا وجود لمؤسسات الدولة ، هناك فقط ولد عبد العزيز يأمر وينهي والدولة بكل سلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية عبارة عنه هو شخصيا ، وبالتالي تم تغييب الدولة ومؤسساتها وانتشرت مظاهر وظواهر الفساد على شتى المستويات