السيرة النبوية والأبعاد الوظيفية / الدكتور الشيخ ولد الزين ولد الإمام

فيما يلي مداخلة تحت عنوان : السيرة النبوية والأبعاد الوظيفية ، للدكتور الشيخ ولد الزين ولد الإمام الأمين العام لمنتدى علماء موريتانيا وإفريقيا ، و ذلك على هامش المؤتمر الدولي حول السيرة النبوية والقيم الحضارية 

:

 بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على النبي الكريم 

ٱود فى المبتدإ ٱن ٱشيد بالرعاية الملكية السامية لهذه الندوة 

تلك المكارم لا قعبان من لبن 

 شيبا بماء فعاد بعد ٱبوالا 

وٱن ٱقدم تشكراتنا للمنظمة الاسلامية للتربية والثقافة والعلوم ولمديرها العام معالى الدكتور سالم بن محمد المالك 

والشكر لرابطة العالم الاسلامي  ولامينها العام معالى الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى  

كما نشكر الرابطة المحمدية لعلماء المغرب فى شخص رئيسها معالى الدكتور محمد العبادي .

والشكر لكم جميعا ولكل من ساهم فى تنظيم هذه الندوة المباركة .

ٱيها السادة والسيدات 

إن الحديث فى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم هو حديث فى الإعجاز الانساني 

وحديث فى المعجزة الكونية 

لقد ٱحسن ٱحمد شوقي عندما قال 

جاء النبيون بالآيات فانصرمت 

وجئتنا بحكيم غير منصرم 

آياته كلما طال المدى جدد 

يزينهن جلال العتق والقدم 

 

      لم يعرف  التاريخ فاتحاً ولا قائداً أعظم من رسول الله مُحمّد عليه الصلاة والسلام، فهوَ النبيّ الخاتم ، وهوَ الاسوة والقدوة  كما قال تعالى  (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].

 

 و لأنه كذلك وجبت دراسة سيرته  ووجبت قراءة سيرته قراءة وظيفية  تستخلص العبر  وتهدى طريق الامة وتبرز معالم طريق الحضارة ..

 

 ولقد أحسن الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله –  عنما قال “إن المسلمين الآن يعرفون عن السيرة قشوراً خفيفة، لا تحرك القلوب، ولا تستثير الهمم، وهم يعظمون النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته عن تقليد موروث ومعرفة قليلة، ويكتفون من هذا التعظيم بإجلال اللسان، أو بما قلت مؤنته من عمل. ومعرفة السيرة على هذا النحو التافه تساوي الجهل بها.

 

إنه من الظلم للحقيقة الكبيرة أن تتحول إلى أسطورة خارقة، ومن الظلم لفترة نابضة بالحياة والقوة أن تعرض في أكفان الموتى.

 

      إن حياة محمد صلى الله عليه وسلم ليست- بالنسبة للمسلم- مسلاة شخص فارغ، أو دراسة ناقد محايد، كلا كلا؛ إنها مصدر الأسوة الحسنة التي يقتفيها، ومنبع الشريعة العظيمة التي يدين بها، فأي حيف في عرض هذه السيرة، وأي خلط في سرد أحداثها إساءة بالغة إلى حقيقة الإيمان نفسه”. (فقه السيرة محمد الغزالي ).

 

       ليس الغرض من  دراسة السيرة النبوية   مجرد الوقوف على الوقائع التاريخية، ولا سرد ما طرف أو جمل من القصص والأحداث ، شأنها كشأن الاطلاع على سيرة خليفة من الخلفاء أو عهد من العهود التاريخية الغابرة .

 

وإنما الغرض منها؛ أن يتصور المسلم الحقيقة الإسلامية في مجموعها متجسدة في حياته صلى الله عليه وسلم، بعد أن فهمها مبادىء وقواعد وأحكاماً مجردة في الذهن.

 

    إن دراسة السيرة النبوية، ليست سوى عمل تطبيقي يراد منه تجسيد الحقيقة الإسلامية كاملة، في مثلها الأعلى محمد صلى الله عليه وسلم.

 

 إن السيرة النبوية تُشَكل الميدان الواسع الخصب لتطبيق تعاليم القرآن الكريم وقواعده وآدابه وأخلاقه، لهذا قالت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خُلق رسول االله صلى الله عليه وسلم: (كان خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم القرآن) رواه مسلم.

 

فقه السيرة  هو فقه النجاة

 

    يحكى أن فريقا من تلاميذ المدراس ركبوا سفينة للنزهة في البحر وكان المجدف رجل أمي فخاطبه تلميذ جريء وقال يا عم: ماذا درست من العلوم؟

 

    قال له: ولا شيء، قال: أما درست العلوم الطبيعية؟ قال: كلا ولا سمعت بها، وتحدث الثاني: أما درست الجبر والمقابلة؟ قال: أول مرة أسمع هذه الأسماء، ثم تحدث التلميذ الثالث ساخرا: ولكنني متأكد أنك درست الجغرافية والتاريخ؟ فقال: هل هما إسمان لبلدين، أو علمان لشخصين؟ وهنا علت أصوات الشباب بالضحك على الرجل قائلين: لقد أضعت نصف عمرك يا عمنا.

 

     وبعد قليل هاج البحر، وماجت الريح، واضطربت السفينة وأصبحوا في مواجهة الغرق، وكانت أول تجربة للشباب في ركوب البحر.

 

   وجاء دور الملاَّح وتحدث في هدوء ووقار: ما هي العلوم التي درستموها يا شباب؟

 

    وبدأ الشباب يتلون قائمة طويلة بالعلوم التي درسوها دون أن يفطنوا لمقصد المَلاَّح، ثم قال لهم: لقد درستم كل هذه العلوم يا أبنائي فهل درستم علم السباحة؟ وهل تعرفون إذا انقلبت السفينة لا قدر الله كيف تسبحون وتصلون إلى الشاطئ بسلام؟

 

    قالوا: لا قال: إذا كنتُ أضعتُ نصف عمري كما قلتم، فقد أضعتم عمركم كله، ولن تغني عنكم تلك العلوم أمام هذا الطوفان.

 

توظيف  السيرة النبوية في  نشر القيم  فى واقع  الناس

 

   إن حياته عليه الصلاة والسلام تقدم إلينا نماذج سامية  للانسان فى جميع مراحله وأطواره وأحواله .

 

 فتقدم  لنا النموذج الشبابي للمؤمن المستقيم سلوكا منذ نعومة أظفاره  يافعا  طموحا ، الأمين مع قومه وأصحابه.

 

     و تقدم لنا  النموذج الرائع للداعية  إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، الباذل منتهى الطاقة في سبيل إبلاغ رسالته،

 

  كما تقدم النموذج السامي لرئيس الدولة الذي يسوس الأمور بحذق وحكمة بالغة،

 

  و قبل ذلك  تقدم لنا  النموذج السامي للزوج المثالي في حسن معاملته،

 

 وللأب في حنو عاطفته،  وللصاحب مع صحابه ولداته  ومن هم فى جيرته وخلته ..

 

كما تقدم لنا السيرة النبوية أنموذج القائد الحربي الماهر والسياسي الصادق المحنك،

 

و للمسلم الجامع-في دقة وعدل- بين واجب التعبد والتبتل لربه، والمعاشرة الفكاهة اللطيفة مع أهله وأصحابه.

 

    فكيف نوظف السيرة فى بناء القيم  الحضارية للامة ؟

وإنه لمن تحصيل الحاصل القول إن عالمنا اليوم تشغله قضايا طالما اتخذت مشجبا للإساءة الى هذا الدين وطالما اتخذت تصرفات ٱفراد المسلمين ذريعة للاساءة ٱو اتخذت الفهومات الخاطئة سبيلا للنيل من هذا الدين الحنيف ..

ولٱن النبي صلى الله عليه وسلم قرآن يمشى على الٱرض كما قالت عائشة رضي الله عنها (كان خلقه القرآن )

لانه كذلك فهو الٱسوة والقدوة 

لهذا يجب الرجوع اليه وتتبع مواقفه فى مثل هذه القضايا التى تشغل الناس وتثير الاشكالات ..

1- قيمة التعايش والحوار 

ومن تلك القضايا التى تهم الناس قضية التعايش والحوار بين الملل والنحل .

ونريد ٱن ندعي وعندنا بينات على هذه الدعوى 

نريد ٱن ندعي ٱن قريشا وحلفاءها من الكفار هم الذين رفضوا التعايش ..

وهم الذين طردوا محمدا صلى الله عليه وسلم من محلته  وبيته  وقومه ..

ولقد عاش معهم وحاول معهم التعايش فلقد صلى فى البيت  العتيق سنين لم يكسر صنما ولم يؤذ بشرا  بل كان هو وصحبه لسنين هدفا للإيذاء والتنكيل !

فٱي الفريقين  رفض التعايش إذن ?

ولقد جاء فى الكتاب العزيز (قل ياٱيها الكافرون لا ٱعبد ما تعبدون ولا ٱنتم عابدون ما ٱعبد .

ولا ٱنا عابد ما عبدتم .ولا ٱنتم عابدون ما ٱعبد .لكم دينكم ولي دين ) 

ولا ترد هذه الدعوى بالقول إن هذا كان موقفا تكتيكيا تمليه ظروف الضعف وقلة الحيلة 

فلو كان الٱمر كذلك   وهو المتغلب  لما  كتب  صحيفة المدينة وهي  ٱول وثيقة للتعايش بين الٱديان والملل والنحل فى تاريخ البشرية ..

وشواهد التاريخ دالة على ٱن مبدٱ التعايش 

استرا تيجي  ضمن المنظومة العقدية الاسلامية ..

 

  وهذا الإصرار على التعايش مع المشركين جعل الرسول ﷺ يتعرض لمحن وابتلاءات كثيرة منها ما رواه  عبد الله بن عمرو بن العاص قال : ” بينا النبي ﷺ يصلي في حجر الكعبة ، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ قال:أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ” ” البخاري وغيره

 

و   بالرغم من شدة الأذى له ولصحبه فقد دعا الصحابة وحثهم على الصبر كقوله ﷺ “صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة”،

 

 ويؤكد هذا ما رواه خباب حيث قال : أتيت النبي ﷺ وهو متوسد بردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت : ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنين ،ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا الله)  البخاري وغيره

 

 ولعل  لقائل أو متقول أن هذه المواقف عندما كان فى حالة ضعف  والجواب أن هذا مبدأ استاتيجي ثابت فها هو ذا فى المدينة المنورة وهو المتغلب يكتب صحيفة المدينة التي تعتبر أول دستور للتعايش بين المواطنين في دولة واحدة بغض النظر عن معتقداتهم ..      

ذلك ٱنه   لما وصل الرسول ﷺ إلى المدينة كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود وأقرهم على دينهم وأموالهم، كما تضمن أهم المبادئ التي قامت عليها أول دولة في الإسلام، وسمي ب”صحيفة المدينة” أو وثيقة المدينة” جاء فيها:

 

“بسم الله الرحمن الرحيم: هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم، بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُم،إنّهُمْ أُمّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النّاس،الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ، وَبَنُو عَوْف عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، كُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو سَاعِدَةَ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ،… ) سيرة ابن هشام

 

2 -قيمة الرحمة بالخلق والتواضع 

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثال الرحمة التي استفاد منه الكل ، المؤمن والكافر والمنافق ، ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم: ” إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمةً

 

 ” ولهذا تمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتداء ألد أعداء الإسلام وبذل كل جهوده ومساعيه لتحقيق هذا ، ورحمته لم تقتصر على هذا وإنما وسعت كل شيئ ، على سبيل المثال نطلع إلى الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه نجد نموذج هذه الرحمة وهذه الشفقة التي لهجت به الألسن ، إذ يقول به رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إني لأدخل الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجد أمه به ).

 

 ” وعندما رأى الأقرع بن حابس التميمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما ويأخذهما في حضنه قال : إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : ” من لا يرحم لا يرحم ) .

 

     يقول المستشرق الإسباني ” جان ليك في كتابه ” العرب ” : ” لا يمكن أن توصف حياة محمد صلى الله عليه وسلم بأحسن مما وصفها الله بقوله (” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) كانت رحمة محمد صلى الله عليه وسلم رحمةً عامةً شاملةً للإنسانية كلها بجميع ألوانها وأطيافها وتنوعاتها بل للوجود بأسره .÷) ه

 

  ومن محبته للناس كان -عليه الصلاة والسلام- إذا أراد أن يكْرم أحداً بسط إليه رداءه يجلس عليه.

 

يقول عطاء بن يسار (جاءت حليمة بنت الحارث مرضعة النبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليها وبسط لها رداءه فجلست عليه).

 

   وذكر ابن إسحاق أن خيل رسول الله أغارت على هوازن فأخذوا الشيماء فيما أخذوا من السبي، فقالت لهم: (أنا أخت صاحبكم) فلما قدموا بها على رسول الله قالت (يا رسول الله، إني لأختك من الرضاعة) قال: (وما علامة ذلك؟)

 

 قالت عضة عضضتها من ظهري وأنا متوركتك)..

 

  فعرف رسول الله العلامة فبسط لها رداءه، وقال لها (ها هنا) فأجلسها عليه وبشَّ لها ورحب بها ثم خيَّرها بعد ذلك. فقال (إن أحببت فأقيمي عندي محبَّبة مكرَّمة..

 

 وإن أحببت أن أمتعك فارجعي إلى قومك)، فقالت (بل تمتعني وتردّني إلى قومي) فمتعها وردها إلى قومها.

 

   وقد وصف أبو مسعود -رضي الله عنه- تواضع النبي -صلى الله عليه وسلم- قال (أتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رجلٌ فكلّمه فجعل ترتعُد فرائصُهُ فقال له (هوِّن عليك نفسك فإني لستُ بِمَلِكٍ إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد).

 

3- – قيمة المرأة  ومكانتها

 

  ما زالت قضية المرأة ومكانتها مشغلا حقوقيا  وإنسانيا   و المواقف العملية  للرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المرأة، هي أصدق ما يعرفنا بمكانة المرأة، فى الاسلام  فالنصوص الشرعية يعرفها الكثيرون لأنهم يقرؤونها في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة .

 

  لكن المواقف العملية يجهلها البعض و قد تخفى على بعض الناس،

 ألم تكن أمنا خديجة أول إنسان يبلغه النبي صلى الله عليه أمر الرسالة

      ولا يتبادر إلى الذهن قلة الرجال أو انعدامهم في ذلك الوقت، بل أثبت التاريخ أن الرجال كانوا كثراً، وكانوا على درجة عالية من المعرفة والحكمة،  ولعل  صاحبه  أبا بكر رض الله عنه  كان أولى بالسبق بمثل  هذه البشارة ؟

 

لقد كان جديرا بذلك بلا شك لكن هناك إمرأة كذلك أكثر جدارة يهذه التكرمة   .. إنها أمنا خديجة بنت خويلد  وليعلم الرجال بعد ذلك أن فى النساء من هن خير من الرجال ..

 

جاء الرسول صلى الله عليه وسلم  خديجة  يرجف فؤاده من غار حراء ودخل عليها وهو يقول: “زملوني زملوني ” فزملته حتى هدأ روعه واطمأنت نفسه، ( البخاري وغيره )

 

    هناك  مواقف أخرى كثيرة  تظهر أنه صلى الله عليه وسلم كان  يراعي ظروف المرأة كأم ويُقَدِّر مشاعر الأمومة فيها ..

 

 من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (ِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي، مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ) متفق عليه

 

و من ذلك أنه   كان حريصا على الاستماع إلى شكوى المرأة وقضاء حوائجها روى أَنَسٌ -رضي الله عنه- قَالَ: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. فَقَالَ لَهَا: «يَا أُمَّ فُلَانٍ، انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ» فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا» (رواه مسلم.

 

 وعن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- واصفًا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «.. وَلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِيَ لَهُ حَاجَتَهُ» (رواه النسائي.

 

  وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: «إِنْ كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ» (رواه البخاري

 

و كان ينهى عن إيذاء المرأة  ومن  ذلك قوله  صلى الله عليه وسلم: «لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ»، وقال : «لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ» (رواه أبو داود وابن ماجه ومن لطفه واحترامه للمرأة  عيادته صلى الله عليه وسلم للمرأة في مرضها

 

وتروي لنا عن ذلك أم العلاء -رضي الله عنها- فتقول: «عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا مَرِيضَة ٌ»، فَقَالَ: «أَبْشِرِي يَا أُمَّ الْعَلَاءِ، فَإِنَّ مَرَضَ الْمُسْلِمِ يُذْهِبُ اللَّهُ بِهِ خَطَايَاهُ، كَمَا تُذْهِبُ النَّارُ خَبَثَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» (رواه أبو داوود).

 

4- قيمة المساواة  والإنسانية 

 

  من يتصفح كتب السيرة يشعر أنه أمام رحلة مضنية في سبيل تثبيت القيم الإيجابية؛ وتخليص النفوس من درن القيم الجاهلية الحاضنة للعنصرية والأنانية  .

 

  وهكذا فقد  توالت الآيات والأحاديث الشريفة التي تبطل التفرقة العنصرية والمحسوبية؛ وتُرسي قاعدة المساواة بين الناس وتؤسس لمعيار جديد في التفاضل هو معيار التقوى.

 

  وقد  حرص النبي صلى الله عليه وسلم في مواقف عدة على التطبيق الحازم لهذا المبدأ السامي. فالعدالة  من منظور هذا الدين مطلقة عامة شاملة لا تفرق بين البشر على أساس اللون أو الجنس أو المكانة الاجتماعية .

 

  سرقت امرأة شريفة فأهم الناس أمر إقامة الحد عليها وأرادوا أن يكلم رسول الله شأنها ..

 

    روى الإمام مسلم بسنده عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: “من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟” فقالوا: ومن يجتريء عليه إلا أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكلمه أسامة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟» ثُمَّ قَامَ فخْطَبَ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا».

 

         ولقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تأييد كل فكرة تصون أعراض البشر وترفع من شأن القيم الإنسانية ..

 

فها هو يشيد بحلف الفضول ؛ ويثنى عليه بقوله: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم؛ ولو أدعى به في الاسلام لأجبت»

 

ذلك لأن هذه الوثيقة “الجاهلية” تطرقت إلى الدفاع عن حق أساسي من الحقوق الإنسانية؛ وكان لها قصب السبق على “الماجنا كارتا” وإعلان المواطن الفرنسي” بمئات السنين..

 

5-  قيمة حرية التعبير والتفكير

 

    تعلمنا السيرة النبوية أن النبي صلى الله عليه لم يكن يضيق بآراء صحبه وأسئلتهم   .

 

      فقد كانت تجول بخاطر بعضهم اسئلة يتحرج من خروجها للعلن خوفا من اتهامهم فى دينهم لكن النبي صلى الله عليه وسلك كان يفتح لهم صدره ويطمئنهم ومن ذلك  ما روى  أَبِو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: “وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟” قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: “ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ”. رواه مسلم.

 

وفي حديث عَبْدِ اللّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه قَالَ: “تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ”. رواه مسلم.

 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: “لاَ يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هذَا، خَلَقَ الله الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللّهِ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذلِكَ شَيْئا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللّهِ”.

 

وفي رواية: ” آمَنْتُ بِاللّهِ وَرُسُلِه ” رواه مسلم.

 

• وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: “يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِالله وَلِيَنْتَهِ “.

 

6-  قيمة الوسطية والاعتدال

 

الاعتدال يرادف الوسطية التي ميز الله بها هذه الأمة ، قال تعالى( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) . ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنموذج الاعتدال  

 

والوسطية فى العبادة والسلوك ..

 

     عن أَنَسَ بن مَالِكٍ رضي الله عنه قال: جاء ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إلى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قَدْ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ، قال أَحَدُهُمْ: أَمَّا أنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وقال آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ ولا أُفْطِرُ. وقال آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقال: «أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا واللهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي  ) رواه البخاري وغيره

 

هذه اشارات وتلميحات الى ما كنا بصدده  والوقت لا يتسع للاطناب والتفصيل وفى هذا اشارة 

 

   والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته