“الصدى” تنشر حصريا أسرار وخفايا التعديل العسكري الأخير..!!!(تقرير إخباري)

الصدى – تقرير إخباري /

يبدو أن يوم الثامن من يونيو سيبقى عالقا في الذاكرة العسكرية في البلاد ، فقد شهد هذا اليوم تلك المحاولة الانقلابية التي قادها بعض الضباط الشباب ، ضد نظام الرئيس السابق ولد الطايع سنة 2003 ،والتي أحدثت هزة قوية في المشهدين العسكري والسياسي رغم فشلها ،  ويأتي الثامن من يونيو الجاري ليحمل تغييرات عميقة ومؤثرة في المؤسسة العسكرية ، لكنه لا يلمس عمقها وأبعادها وتداعياتها سوى العسكريين ، أو من تسربت له بعض أحاديثهم المشفرة .

وبكل تأكيد لم يكن الثامن من يونيو الجاري يوما عاديا في الثكنات العسكرية والأمنية الوطنية خاصة في القيادات العسكرية بالعاصمة نواكشوط، فقد شهدت ترقبا كبيرا في ذلك اليوم الطويل  بعد صدور مراسيم رئاسية تقضي بتغيير هرم هذه المؤسسات بطريقة لم تخطر على بال بوقعها وإيقاعها .

وبعد أكثر من أسبوع من الحدث حاولت “الصدى” تتبع خطوات عملية التغيير الأكبر من نوعها داخل الهرم العسكري والأمني، فكيف تم ذلك..؟

تشير معطيات حصرية حصلت عليها “الصدى” أن رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة محمد ولد الشيخ الغزواني استدعى زوال 08 يونيو 2020 وزير الدفاع حننه ولد سيدي وأبلغه بقراره القاضي بإجراء تغييرات في القيادات العسكرية، وقبل خروج الوزير من الرئاسة وصل الفريق محمد ولد مكت، ودخل في اجتماع مع الرئيس ، لم يدم طويلا..، ليتم بعد ذلك  استدعاء القيادات العسكرية لعقد اجتماع في  الرئاسة ، أعدت أجندته بعناية احترافية حيث خصص لنقاش بعض المواضيع الأمنية والعسكرية ، دون الكشف عن أي تفاصيل تتعلق بما يجري تحضيره من تغييرات عميقة في المؤسسة العسكرية ، وهي التغييرات التي باتت جاهزة، وتشير المعطيات أن الإجتماع استمر إلى غاية صدور المراسيم الرئاسية، ليتم بعد ذلك تبادل المهام مباشرة بين القادة.

القوة الضاربة  ودور قائدها الجديد الجنرال و لد بيده ..

في مساء نفس اليوم كشف مرسوم رئاسي عن تسمية جديدة لم يألفها الموريتانيون من قبل، وإن وجدت في هيكلة المؤسسة العسكرية منذ عدة سنوات، إنها هيئة القوات الخاصة التي تضم قوات التدخل السريع لمكافحة الارهاب وحماية الحدود المعروفة اختصارا GSIو كتيبة الأمن الرئاسي BASEP والتي كلف بها الشاب الصاعد والقوي في المؤسسة العسكرية الجنرال محمد ولد بيده المعروف بحماده، خريج الكلية الحربية للجيش الأمريكي في پنسلڤانيا United States Army War College (USAWC

 والحاصل على شهادات وتدريبات في العديد من كليات الحرب الدولية وممثل موريتانيا في حلف الناتو فضلا عن دوره المشهود في الحرب على الارهاب

 

 تقول المعطيات التي حصلت عليها “الصدى” إن الجنرال ولد بيده الموجود خارج البلاد تم الإتصال به في ساعات الصباح الأولى ليشعر رسميا بمهمته الجديدة و يكلف برسم خطة الترتيبات اللازمة لتبادل المهام بين القيادات العسكرية والأمنية في “أحسن الظروف …”.

 

لم يكن خبر تكليف ولد بيده بقيادة القوات الخاصة أمرا مفاجئا لزملائه في المؤسسة العسكرية، فالرجل القادم من الخارج بعد سنوات من الإبعاد القسري، يعد من خيرة الضباط الميدانيين في الجيش الموريتاني، وقاد عدة معارك كانت حاسمة ضد الجماعات الارهابية في المنطقة ، مكنت الجيش الموريتاني من فرض سيطرته على الحدود، وخلقت قدرا من توازن الرعب، وهو ما أعقبه استقرار تام على الحدود الموريتانية..  ذلك الإستقرار الذي استغلته السلطات الحاكمة آن ذاك في نواكشوط لإبعاد الرجل عن قيادة الأركان ، التي كان يتمتع فيها بمكانة خاصة برهن عليها – موقفه صباح الإنقلاب الذي قاده الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ضد الرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله ، ذلك الإبعاد الذي كاد أن يدفع الرجل إلى الإستقالة من الجيش لولا تدخل مباشر من رئيس الجمهورية الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني، القائد العام للجيوش في تلك الفترة، وفق مصادر مقربة من الرجل، وتشير نفس المصادر إلى قوة العلاقة التي تربط الرجلين.

رسالة غير  ودية في بريد الرئيس السابق ..!!

وما يجمع عليه العارفون للشأن العسكري هو أن قرار تعيين الجنرال ولد بيده في منصب عسكري سام وحساس وحاسم كهذا  لا يخلو من رسائل سياسية غير ودية في بريد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ، حيث ظل العسكري الشاب ولد بيده مصدر إزعاج دائم له منذ حادثة قيادة أركان الجيش صبيحة يوم الانقلاب على الرئيس السابق سيدي ولد الشيخ عبد الله الى أن غادر ولد عبد العزيز السلطة ، ولأن ولد بيده رقم صعب في المؤسسة العسكرية ليس سهلا التخلص منه فقد أمطره الرجل بالدورات التكوينية والمهام الخارجية بسخاء كي لا يستقر في البلاد و يستلم أي مهام عسكرية رفيعة قد تعكر صفو القصر الرمادي في هزيع الليل او ساعات الصباح الاولى ، وظل ولد بيده خارج البلاد في دورات تكوينية و مهام عمل كملحق عسكري في عدة بلدان عربية و أوربية

ويعتبر تعينه اليوم في هذا المنصب العسكري السامي بداية جديدة لمشوار الرجل العسكري على درب القيادة العامة لأركان الجيوش.

 

قائد أركان الجيوش … عاشق العسكر الذي أختطفته السياسة …!!

محمد بمب مكت عرف الرجل خلال سنوات حكم جيل الجنرالات باعتباره أبرز ضباط الجيش المندفعين في العمل السياسي، وتقول مصادر سياسية وأخرى عسكرية إن المهمة التي كلف بها الرجل خلال المرحلة الماضية فرضت عليه إرتباطا قويا بالسياسيين وبالعمل السياسي ، لكن تاريخ الرجل العسكري، يجعل منصبه الجديد مستحقا بجدارة، وفق بعض المراقبين، فقد تدرج الرجل في المؤسسة العسكرية، وقاد عدة وحدات ومناطق عسكرية ، وكان عضوا في عدة مجالس عسكرية حكمت البلد، كما أدار إدارة الأمن والمخابرات الخارجية بكثير من الإحترافية، وفق بعض المتتبعين، في ظرفية خاصة جدا، بالإضافة إلى كونه أقدم عسكري في صفوف المؤسسة العسكرية، وتقول مصادر “الصدى” إن تكليفه جاء تلبية لرغبة خاصة لدى رئيس الجمهورية تقضي باحترام التراتبية العسكرية، تماشيا مع الأعراف المعمول بها، والتي تم الخروج عليها في الفترة الماضية، لكن السؤال المطروح هو هل سينتصر الجانب المهني للرجل على جانبه السياسي..؟ أم أن سنوات الأمن والمخابرات والسياسة ستسيطر على ما بقي من مسيرة رجل عشق العسكر والتحق به، فاختطفه السياسة..، قبل أن ينتصر له رفيق السلاح ويمنحه أهم منصب يحلم به ضابط عسكري، وذلك على بعد أمتار من نهاية المسيرة المهنية العسكرية.

ابرور من قيادة الجيوش  إلى الحرس الوطني…

لم يكن أكثر المحللين المهتمين بالتفاصيل داخل المؤسسة العسكرية الممسكة بزمام الأمور في موريتانيا، ينتظر تكليف الرجل بقيادة أركان الجيوش، وذلك نتيجة للتراتبية داخل الجيش وطابع الأقدمية (نشرت “الصدى” في العدد الماضي ورقة مفصلة عن اشكالية التراتبية والتعارض بين الرتبة والوظيفة داخل الجيش) لكن الترقيات المتتالية للرجل، وتكليفه بعد ذلك بمنصب القائد المساعد للجيوش، جعل الكثير من المراقبين يعيد حساباته، خاصة إن وضع في الإعتبار بعض القضايا المعمول بها  في موريتانيا والتي تأخذ في الحسبان أمورا لها طابعها الخاص،

بعد خروج قائد أركان الجيوش السابق الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني من قيادة الأركان، وجد ابرور الباب واسعا أمامه، ليتربع على عرش القوات المسلحة، وإن في وقت سابق لأوانه ،و أدار الرجل المؤسسة في فترة إنتقالية خاصة، كان في بدايتها عسكريا يأتمر بأوامر قادته، قبل أن تستهويه السياسة، ويدخل على خطها المتذبذب ، كما شكل تعامله مع بعض القيادات العسكرية، عامل إزعاج آخر، خاصة أن غالبية هؤلاء ساهموا وبإشراف مباشر من القائد السابق لأركان الجيوش، الرئيس الحالي، في تطوير الجيش الموريتاني.

وتقول مصادر “الصدى” إن الرئيس احتفظ للرجل بمكانته رغم بعض المآخذ عليه، ليحيله إلى قيادة الحرس.

مسغارو إلى إدارة الأمن … الشرطة تستبشر…!!

حملت مراسيم الرئاسة هذه المرة ضابطا من الحرس إلى هرم إدارة الأمن، وهو ما يحمل في طياته يقول أحد القادة الأمنيين بشارة ربما لقرب تكليف القطاع بقيادة نفسه، فالقطاع الذي تعاقب على عرشه منذ فترة طويلة قادة ينحدرون من الجيش، يستبشر ضباطه اليوم بقائد من الحرس،لاعتبار أن جهة الوصاية على قطاعي الشرطة والحرس هي وزارة الداخلية وليست وزارة الدفاع ، و تقول بعض المصادر المقربة من الجنرال مسغارو أنه كان يرغب في إدارة الأمن لما لها من مزايا سياسية..، فهل حققت المراسيم حلم الرجل، أم أبعدته عن حلم الطفولة، وعشقه الأول، إلى دهاليز الأمن والسياسة، ومطباتهما، وكيف سيتعامل الرجل، مع من يعرض عليه ملفه الأمني تزلفا وتوددا..؟

الدرك إلى حين …!!!

يلاحظ المراقبون أن مراسيم تغييرات الجيش استثنت قطاع الدرك الوطني ، لكن مصادر “الصدى” تؤكد أن ذلك قد يعود لوجود قائد الدرك الجنرال سلطان رهن الحجز الصحي بعد إصابته بفيروس كورونا ، وقد يعود لأسباب أخرى تقتضيها اللحظة … لكن الشيء المؤكد حسب مصادر “الصدى” هو أن  مرسوما يحمل إسم قائد جديد للقطاع تم توقيعه ليؤرخ بتاريخ قادم قد لا يكون بعيدا.

وتؤكد  مصادر “الصدى” إن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وهو بصدد هذه التغييرات الجوهرية في صميم المؤسسة العسكرية ، وضع بعض المعايير كانت هي الفيصل في التغييرات الجديدة، لكنه كلف رجال ثقته ببعض المهام الثانوية، في انتظار تقاعد بعض من تم تكريمهم قبل الرحيل.

ولا شك أن ترتيب المشهد العسكري في البلاد يفرض ضمنيا إعادة ترتيب المشهد السياسي على المستويين الحكومي والحزبي وحتى الانتخابي ، خاصة أن هذه التغييرات تأتي والرئيس غزواني قاب قوسين أو أدنى من إطفاء شمعته الرئاسية الأولى ..

 

المصدر : صحيفة الصدى الورقية الاسبوعية الصادرة بتاريخ 26 شوال 1441هـ الموافق 17 يونيو 2020