“الصدى” تنشر نص كلمة الشيخ عبد الله بن بيه التأطيرية لمنتدى السلم السابع تحت عنوان : “قيم ما بعد كوفيد: التضامن وروح ركاب السفينة”

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الخاتم، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين:

 

الكلمة التأطيرية للمُلتقى السّابع

لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة

قيم ما بعد كوفيد: التضامن وروح ركاب السفينة

معالي الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه

 

أصحاب المعالي، أصحاب السعادة،

أصحاب السماحة، أصحاب الغبطة والنيافة،

أصحاب الفضيلة،

أيها الحضور الكريم، كلٌّ باسمه وجميل وسمه،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

يلتئم ملتقانا السابع اليوم في ظرفٍ استثنائي وفي شكل استثنائي، تجتمعُ أفكارنا وتتواصل قلوبنا، وتظلُّ الأجساد رهينةَ ما فرضه الظرف من التباعد.

لقد كان المنتدى في دوراته الماضية يجسّد نموذجا جديدا وفريدا للحوار وتلاقح الأفكار، ففضلا عن المحاضرات والمباحثات في الورشات، كان هنالك نوع آخر لا يقل أهميةً من التواصل، حين تحضر الذوات وتلتقي الحضارات في حيز زماني ومكاني ولو لمدة محدودة، الجميع يشتركون في العيش، في الحركة، يتكلمون ويبحثون ولكن الأهم أنهم يشاهدون ويشهدون ويكتشفون في النهاية أنهم مهما تنوعت ثقافاتهم وتباينت آفاقهم إخوةٌ يشتركون في أكثر مما يتصوّرون. 

يأتي ملتقانا هذه السنة في سياق التّحديات الوجودية التي تواجه الإنسانية جمعاء، جراء هذا الوباء الذي غيّر برامج وخطط البشرية، وأعاد ترتيب أولوياتها وسَائَلَ توجّهاتها القيمية.

ليست جائحة كورونا هي أول أزمة تجتاح العالم، فلقد عرفت الإنسانية في تاريخها الطويل، القريب والبعيد، عددا كبيرا من الأزمات المتنوعة الأشكال والأسباب، ولكن لهذه الأزمة فرادتها في العصر الحديث، لما امتازت به من شمول آثارها وتعدد تجلياتها في مجالات ومناحي الحياة المختلفة، إنها أزمة في ضمنها أزمات.

 فكلُّ ما كان يظهر باديَ الرأي مفصولا بان على حقيقته موصولا، فتواشجت الآثار الصحية بالاقتصادية والسياسية والنفسية والدينية والقيمية، مستويات عديدة يغذي بعضها بعضا ويرتبط بعضها ببعض في شبكة من العلائق في غاية التركيب والتعقيد.

إن مظاهر هذه الأزمة على تعدّدها يمكن أن ننظر إليها بوصفها مجموعة من التجاذبات وجدت البشرية نفسها مطالبةً بتدبيرها على نحو استعجالي، فمنها:

  • التجاذب بين مقتضيات حفظ النَّفْسِ البشرية ومتطلبات حفظ المال: إنها معضلة الفتح والإغلاق، والبحث عن التوازن الدقيق، فتحٌ تفرضه حاجة الناس إلى معايشهم وافتقار السُّوق إلى الحركة والرواج، وإلا أفلس الناسُ وكسدت مصانعهم ومتاجرهم، وإغلاقٌ هو السبيل الأوحد إلى الحد من فشو الوباء في انتظار اللقاح، وقد سارت الدول في ذلك طرائق قددا، كل بحسب سياقه ورؤيته.
  • التجاذب بين منطق البحث العلمي ومنطق السوق: وهو مظهر من مظاهر التجاذب السابق، حيث ساءلت الأزمة طبيعة البحث العلمي من خلال التجاذب المشهود بين منطق العلم القائم على التعاون والتلاقح المعرفي ومنطق السوق المعتمد على التنافس والاحتكار. وكذلك ظهر هذا التجاذب متجسدا في غلبة منطق الربح على بعض الشركات العالمية التي سعت إلى استغلال وضعية الناس في هذه الظروف الصعبة لتكسب أرباحا خيالية، وإدارة جزء من العالم ظهره لبقيته، وتعنّت جهات في التعامل بمنطق الأنانية مع ديون الدول الفقيرة التي ترزح تحت وطأتها وتعوق مسيرتها التنموية، خاصّةً في ظلّ هذا الظرف الاستثنائي.
  • التجاذب بين اليقين والشك والضعف والقوة: كما جعلتنا الأزمة نستشعر في أنفسنا أن ليس جنسٌ من البشرية مهما ارتقى ولا صنفٌ مهما تطوّر بمنأى عن الطوارق أو بمفازة من الطوارئ. وأنّ رحلة أهل الأرض ليست دائماً مأمونة ولا مضمونة. وكل ذلك أدى إلى شيوع حالة من القلق وعدم اليقين وفقدان الثقة، فبعد أن كان العلم والتكنولوجيا يشعران الإنسان المعاصر بنوعٍ من اليقين والوُثوق والطمأنينة تبدّى له عجزه عن التحكّم في مصيره بل ولا حتى محيطه.
  • التجاذب بين العولمة وبين الدولة الوطنية: أثبتت هذه الأزمة أن الدَّولة الوطنية هي الملاذ الطبيعي والضروريُّ لدى الأزمات، فهي وحدها القادرة على وضع الأطر المناسبة للتصدّي لهذه التحدّيات، ولذلك أرَز الناس إلى بلدانهم واحتموا بأوطانهم، واضطلعت الدول بمسؤلياتها في وضع التدابير العمومية لحماية شعوبها من الوباء ومكافحة ما نتج عنه من الآثار والأعباء.

وفي مقابل هذا التوجّه الذي ظهر، برزت كذلك ضرورة التعاون الدولي، وعجزُ المقاربات الفردية وقصورها، وظهرت الحاجة إلى تفعيل مؤسسات التعاون بين الدول في تبادل المعلومات، وتقاسم ثمرات البحوث ونتائج العقول، والتآسي في المعيشة، والتآزر في المصيبة.

  • التجاذب بين منطق الحريات ومنطق الواجب: من أوجه التجاذب التي وجدت الدُّوَل نفسها مضطرة إلى تدبيرها، التجاذب بين حرية المواطنين في الحركة والمبادرة والتعامل والتعليم وممارسة طقوسهم وشعائرهم الدينية وبين واجبِهم نحو أنفسهم ومجتمعاتهم، فعاد منطق الواجب إلى فرض نفسه في الخطاب العام، بعد أن كان التركيز على منطق الحريات – الحقوق.

-التجاذب بين كلّي النفس وكلي الدين: من آثار هذه الأزمة الأساسية ما أحدثته من الناحية الدينية وعلى العلاقات الروحية، حيث شَمِلَتْ العبادات الفرديّة والجماعية وطاولَت العقود والمعاملات بل تطاولت لتشمَل الأفكار والمعتقدات. ولقد كنا في مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي عالجنا جانبا مهما من جوانب هذا التجاذب الناشئ عن الوضع الجديد، في مؤتمر “فقه الطوارئ” الذي انعقد بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي، وقد كان مناسبة للفت انتباه العلماء إلى ضرورة استنفار أدوات الاجتهاد ومولدات الأحكام الشرعية وإثارة الكليات لتوضيح الموقف الشرعي في عدد من القضايا العملية والعقدية بالتيسير على المكلّفين وبث روح السكينة والطمأنينة في القلوب.

 

أيها السادة والسيدات، أيها الحضور الكريم،

لقد علمتنا هذه الأزمة دروسا وأشهدتنا حقائقَ منسية، فكشفت عن البصائر ما كان عليها من غشاوة البُلَهْنِية فبانت هشاشة الجنس البشريّ وضعفه الملازم لكينونته، المطبوع في فطرته، “وخلق الإنسان ضعيفاً”. كما أظهرت محدودية العلم الإنساني وقصوره المعرفي الباعث على التواضع، “وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً”.

  إن الأزمة وإن كانت في مبداها أزمةً صحيةً إلا أنها سرعان ما استحالت أزمةً في القيم، أزمة من النوع الذي يختبر أخلاقنا وقيمنا وإيماننا. إنها تختبر أخلاقنا في التعامل فيما بيننا، في بيوتنا ومع جيراننا، هل نصبر وننشر قيمة الصبر والتضامن بيننا أم نخضع لليأس والقنوط؟  تختبر قيمنا هل نُعلي قيمة الإحسان والمحبة والإيثار مع القريب والغريب، أم ننكفأ على ذواتنا ونتشبّث بمصالحنا الضيقة.

إن هذا الاختبار ليس على مستوى الأفراد فقط وإنما على مستوى الدول أيضاً التي عليها مسؤولية مساعدة تلك الأقل ثروة وقوة والتي لا تتوافر لديها وسائل مواجهة الجائحة المادية والصحية.

في الأزمات –وفي ظلّ الشكّ والحيرة والارتياب- تكثر دعاوى التكهّن، ويسطع نجم الخراصين الذين يصفون المستقبل رجما بالغيب، فيبشرون بغدٍ سيولد من تلقاء نفسه، وفي المقابل يكثر المتباكون الذين لا ينظرون إلى ما يجري إلا من خلال الأسى والحنين، وهم المتشبثون ببقاء ما كان على مكان والداعون إلى العودة إلى حالة أصلية متخيّلة.   

وبين هذا وذلك، نعتقد أنّ الأزمات هي فرص للمراجعات وأن هذه الجائحة التي أوقفت نبض الحياة السريع منحتنا الفرصة لنستأنف التّفكير ونعيد التقييم.

          فبقيمة التواضع تفتح الأذهان وتنشرح الأرواح للاكتشاف، ليس مجرّد اكتشاف الدواء وهو أمر ضروري وحيوي، بل نطمح إلى عملية استكشاف أوسع تتلمّس الإمكانات التي تفرزها الأزمة، وتولد من رحم المحنة، وهي فرصٌ كثيرة وعلى مستويات عديدة للإصلاح والتصالح.

فهي فرصة يجب اغتنامها لوقف تيار العنف المتدفّق، لوضع السلاح ولو بشكل مؤقت، فجدير بالبشرية وهي تمر بهذه الأزمة أن تستجيب لدعوة العقل والدين، ونداء العالم الذي أطلقته الأمم المتحدة وأولو بقيّة من العقلاء، ولتنشط إلى التعاون والتعاضد، ولو من المنطلق الظرفي: “إن المصائب يجمعنَ المصابينا”، إن تفعيل قيمة الرحمة والتعاطف، تجعلنا قادرين من خلال ما أصاب الجميع اليوم، أن نشعر ولو بدرجة دُنيا بما تقاسيه البشرية في كل أنحاء العالم من مآسي جرّاء الحروب المستمرة.

وهي فرصة لبلورة رؤية جديدة تضبط التوازن بين الكليات بشكل يضمن منظومة اقتصادية أكثر عدالة ورحمةً، منظومة تتخذ الإنسان غاية فتركّز على تنمية الحياة وتستثمر في تعزيز السلام، عوضا عن اقتصادات الحروب الهدّامة.

إنها وبشكل أهمّ مناسبة نادرة لاكتشاف أنفسنا، نحن أبناء البشر، لاكتشاف مكامن الخير المطمورة وقيمنا الضامرة، لاستعادة روح الإنسان المنطلق نحو المطلق، المتحرّر من قيود ذاته، وحدود أنانيته، وللتخلص من المنطق المعوج لصراع الخصوصيات.

إنّ ذلك ليس أمرا مستحيلا، أو حلما طوباويا، إذا نحن استطعنا أن نستخلص الدروس ونستلهم العبر، إن ميلاد إنسانٍ جديد لن يتجسّد بين عشية وضحاها بل لن يسير على وتيرة واحدة، ولكن هذا الميلاد لن يتحقق إلا بقدر ما تهيَّأُ أسبابه اليوم، وما المُستقبل إلا ثَمرة للحاضر. ففي صيرورة الواقع المستمرة، يتشكّل المستقبل من الحاضر، كما تَشَكّل الحاضر من الماضي، تَشَكُّلَ النّتيجة من مقدّمتها وتشكُّل الفرع من أَصله.  

الحاضر محلُّ صناعة المستقبل، ولكي يكون اهتمامنا بالمُستقبل صادقا ينبغي أن يتجلَّى قبلُ في الاهتمام بالحاضر، وإلا كانَ مجرّد تمنّ، فكلُّ رجاء لمستقبل أفضل إذا لم يُبن على العمل في الحاضر، لا يُعَدُّ رجاء وإنما هو غُرور؛ تلك حال من لم يزرع الأرض ولم يبذر البذور وهو ينتظر الحصاد.

وليست مَعرفة المستقبل واستشرافُه ضَرْبا من الرَّجم بالغَيب ولا نوعا من التَكَهُّن، وإنّما هي استنطاق لمعطيات الحاضر، وفق قانون السببيّة المُطَّرد في ظواهر الأَشياء، قانون الحياة الذي لا انفصام له: كما يكون حاضرُنا يكونُ مُستقبلُنا.

ومن هنا فإن ملتقانا لهذه السّنة يستشرف إمكانيات تطوير قيم كونية مشتركة أقرب إلى الإنصاف والتضامن والأخوة الإنسانية، بروح جديدة هي روح أصحاب السفينة، ولذلك اخترنا له شعار” قيم عالم ما بعد كورونا: التضامن وروح ركاب السفينة”.

 

روح ركاب السفينة:

لقد أكدت هذه الأزمة المصير المشترك بيننا، فلم نكن في يوم من الأيام أكثر ترابطاً ولا تواصلاً منا اليوم. لقد هدمت هذه الجائحة كل نظريات الفصل أو التمييز على أساس العرق أو اللغة أو التنمية. فهذه الجائحة لم تفرق بين الأغنياء والفقراء ولا الأقوياء والضعفاء. بل عاملت الجميع بعدل، لتكشف الحقيقة الخالدة وهي ضعف الإنسان واحتياجه لأخيه الإنسان.

 فتجلّى بوضوح ربما غير مسبوق، لدى الجميع، أننا نحن ساكنة هذا الكوكب بمثابة ركاب تلك السفينة التي ضرب بها النبي صلى الله عليه وسلم المثل في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في الجامع وأحمد والترمذي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه:

مَثَلُ القَائِمِ في حُدودِ اللَّه، والْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سفينةٍ، فصارَ بعضُهم أعلاهَا، وبعضُهم أسفلَها، وكانَ الذينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصيبِنا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعًا، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا

إن الأمثال النبوية من جنس ما اختصّ به النبي صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم، وهي الألفاظ الموجزة الحاملة للمعاني الغزيرة، الحائزة من الدّقة ومطابقة الحال الغاية، فلا يستوعب حمولتها الدلالية شرحٌ ولا بيان.

في هذا الحديث استعارة رمزية بليغة لحالة الإنسانية، في اتحاد مصائرها وتواشج مساراتها، وتشبيه لها بركَّاب السفينة الواحدة، والتي – وإن كانت ذات درجات متفاوتةٍ – إلا أنها في النهاية محكومة بمسار واحد ومحكوم عليها بمصير واحد.

وقد تجلّت لأهل العصر، عصر القرية الواحدة، هذه الحقيقة، حقيقة الترابط، بأبهى صُورها، فما يحدث في طَرَف من المعمورة تصيب آثاره من هو في طرفها الآخر، وما يقوم به بعضنا يتأثر به جميعنا، فنحن في نسق واحد مترابط، لا انفصال فيه ولا انفصام.

فعلى المستوى البيئي يعيش أبناء كل قارة آثار ما يفعله أبناءُ القارات الأخرى، فعلى سبيل المثال لم يقتصر أثرُ انفجار المحطّة النووية بتشرنوبيل على المنطقة التي وقع فيها، بل وجد الباحثون آثارَه ومخلّفاته على نطاق واسع ممتدٍّ في المكان ومستمرّ في الزمان. إنها بيئة واحدة، نشترك فيها جميعا، فليس لدولة طبقتها الخاصة من الأوزون تفعل بها ما تشاء، أو هواؤُها الذي تتفرّد به تلوّثه كما تُريد، بل إن الجميع سيدفعون الفاتورة البيئية بلا تمييز.

وهل من شيء أظهر في بيان هذا الترابط من كون مخلوقٍ صغير، وفيروس يدق عن النظر المجرد، يظهر في منطقة نائية من أقصى المعمورة، ثم لا تمضي بضعة أسابيع حتى يعمّ أرجاء المعمورة، فما ترك بلدا إلا وأصابه منه ما أصابه، ولا ترك ريفا ولا قرية ولا مدينة إلا ونالها من آثاره ما ناله، متنقّلا عبر السبل نفسها التي كانت البشرية قد مهَّدَتْها لتسلكها في أسفارها وتتبادل عبرها المنافع والبضائع.          

          وفي سياق إعادة اكتشاف هذا الترابط والوعي به، تنبّه الإنسان – المحجوب حينا من الدّهر بحُجُب الحضارة – إلى وجود أمم كثيرة من المخلوقات المتنوّعة، من حيوانات ونباتات، تشاركه هذه المعمورة ويرتبط وضعُه بوضعِها، في نظام كلّي متّزن، لا يختلُّ منه جزءٌ إلا سرى الخلل إلى سائره.

في عصر العولمة، يكفي أن ينظر الإنسان إلى طعامه ليرى العالم وقد زُوي بين يديه، تجبى إليه الثمرات من أقطار الدنيا المتنائية، فلا يقع اضطراب في جزء من العالم، إلا تبدّت آثاره في الحين لدى أمم أخرى.

وأما الثقافة فقد اتخذت الاقتصاد ردءا وردفا، فحيثما حلت البضائع حلّت معها الأفكار والقيم، وهكذا تجسدت العولمة في حضور الآخر حضورا يبدو في ظاهره اختياريا ولكنه في عمقه إجباري.

ذلك هو الترابط الذي تشير إليه صورة السفينة، اشتراك في الوضع والوضعية، وقد جاءت الجائحة الحالية لتفرض الوعي به لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. لكن هذا الوعي ينبغي أن يثمر روحاً تبعث على الفعل، روحا هي روح ركّاب السفينة الذين يؤمنون بالمسؤولية المشتركة وبالحرية المسؤولة المرشّدة وبواجب التّضامن والتعاون ويتخذونها منهجا.

لهذه الروح مادتها التي بها قوامها وصورتها التي فيها تتجسّد ولها غايتها التي إليها ترمي، فمادتها هي الإيمان بالمسؤولية المشتركة وأما صورتها فهي التضامن والتعاون، وغايتها هي الحفاظ على الكليات، المعبر عنها في الحديث بلازمها الشرعي وهو الحدود.

في هذه السفينة البشرية يجب أن تسود روح الفريق الواحد المتعاون، فكل يسهم في نجاح الرّحلة ويؤدّي دوره من موقعه وانطلاقا من دوائر تأثيره واهتمامه، ذلك هو التوزيع الوظيفي المشار إليه في الحديث بالاستهام، والذي يقتضي التكامل والانسجام.

 فلا بُدَّ للذين هم بأعلى السفينة، المتولين لتدبير الشأن العام، بمختلف مستوياته وتفاوت درجاته، أن يستشعروا مسؤوليتهم تجاه الذين في أسفلها، وأن يأخذوا على أيدي الذين يريدون خرق السفينة، فإن على القويّ مسؤوليةً تجاه الضّعيف، وكذلك على الغني نحو الفقير، والعالم تجاه الجاهل، وعلى أهل القيم تجاه الآخرين، وهي مسؤوليةٌ تنشأ من قيم الأخوة والكرامة الإنسانية والأمل في إمكانية العيش المُشْتَرك.  

في هذه السفينة، ينبغي أن يسود مبدأ الحرية المسؤولة، التي لا تتعدى على حدود الآخرين، ولا تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو التشغيب على النظام الكلي لركاب السفينة،  فحريّة كل واحد من الركاب تنتهي حيثُ تصير تصرفاته ذات آثار سلبية، حينها يتدخل الجميع ليأخذوا على يَدَيْهِ، وليقفوا في وجه هذه الممارسة؛ تلك هي الحرية المُرَشّدة، والمهذّبة، التي تراعي وجود الآخرين، وتحترم حقوقهم. ومن الأساسي أن نلاحظ أن الذين أرادوا أن يخرقوا السفينة كانت تحدوهم نيةٌ طيبة، وإرادةٌ إلى الخير، ولكنهم لم ينظروا في عواقب فعلهم، فلا بدّ من ربط الفعل بنتيجته. 

إن هذا الأخذ على الأيدي أمر عامٌ لم يحدُّ بوسيلة دون أخرى، فليس مقصورا على الردْع، بل البابُ مفتوحٌ أمام كل الصيغ التي تحقق هذا التعاون وتضمن الإصلاح، فمنها على سبيل المثال المعاهدات الدولية اليوم التي توقعها الأمم لحماية البيئة والحدّ من انتشار أسلحة الدمار الشامل.

إن ركاب هذه السفينة مختلفون ومتنوّعون ولكن يجمعهم ميثاق يقوم على القناعة بأنهم لا نجاة لهم إلا بتغليبهم روح التضامن والتعاون والتكامل، وتحكيمهم قيم التراحم والمحبة والتسامح والحرية المسؤولة والحكامة الرشيدة.

ولكم أن تتصوّروا المشهد كيف تكون حالُ ركاب السفينة إذا هم اشتغلوا بالمشاكسات والمماحكات بدل التعاون، وأطلقوا العنان لأنانيّاتهم، إن مصيرهم المحتوم بلا شكّ سيكون هو الغرق في أمواج البحر المتلاطمة من حولهم.

 

أيها الحضور الكريم،

إن روح ركاب السفينة تدعونا إلى أن نوقف تلويث البيئة ونكفّ عن الفساد في البرّ والبحر، تأمرنا أن نَتوقّف فورا عن الحروب،

تستوجب منا أن نمتلك روح السماحة والتراحم فنحبّ لغيرنا ما نحبُّ لأنفسنا، فنوزّع اللّقاحات للجميع بلا احتكار أو استغلال، وأن تنظر الدول الغنية الدول الفقيرة إلى حين ميسرة أو تضع عنها من ديونها التي تنوء بحملها.  

تُهيب بنا أن نبتكر نموذجا تنمويا يوفّر الرّفاه والازدهار والاستقرار للجميع، أن ننشد عالما تكون فيه ثمرات العقول مبذولة لفائدة الجميع فلا يستأثر بها القوي أو يحتكرها الغني، عالما تتنافس فيه الأمم في الخير، وتستبق فيه الدول في تقديم الضيافة الإبراهيمية للمهاجرين والنازحين،

          ترشدنا إلى بناء مجتمعات الطمأنينة، مجتمعات يسود فيها الأمن، فلا يخاف الضعيف من القوي، ولا يرهب بطشه أو يخشى اعتداءه، مجتمعات يأمن فيها الجارُ جارَه، وتستحيل فيها روح التعصُّب والتمذهب إلى روح التسامح والتحبُّب.

 إن روح ركاب السفينة تلهمنا السبيل إلى غدٍ تصان فيه الكرامة لكلِّ إنسان، كرامته الأصلية التي نالها البشرُ جميعا على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ومعتقداتهم بنفخ الباري عز وجل من روحه في أبيهم آدم عليه السلام،(ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)(سورة الإسراء الآية 70).

بروح ركاب السفينة نسترشد في البحث عن المواءمات والملائمات والحلول التوافقية والتسويات الوسطية والتنازلات المتبادلة التي هي من صميم منطق العيش المشترك، وبهذه نقوم بالوساطة اللازمة في عصرنا بين مبدأي الحريّة والمسؤولية، على نحو وساطة بول ريكور بين العدالة والحب أو مواءمة توما الأكويني بين العدالة والرحمة، 

بروح ركاب السفينة يقع تجديد القيم في النفوس وتأكيد الوعي بوحدة المصير الإنساني والدعوة إلى هبة ضمير عالمية تعيد لقيم التعاون والتضامن والتراحم فاعليتها، وتقدّم مفهوماً جديداً للإنسانية يتجاوز المبدأ المحايد لحقوق الإنسان المتمثل في المساواة وعدم الاكتراث بالاختلاف، ليرتقي إلى إيجابية قيم الفضيلة، التي تشعر الآخر بدفء المحبة والأخوة.

بهذه الرّوح المفعمة بالأمل نبشر بعالم يكون فيه السلام شاملا، ليس فقط بتوقيف الحروب، وإنما بحلول السلام الذي يتنزّل في القلوب.

 

 

 

أيها الحضور الكريم،

لقد كشفت الأزمة الحالية للجميع قصور المقاربات الأنانية التي لا تقيم وزنا للمشتركات، وعجزها عن مواجهة خطر لا يفرّق بين شعب وشعب، أو يتنكّب أرضا دون أخرى، بل يصيب الجميع، على تنوع أعراقهم وتعدّد نحلهم وأديانهم.

كما أذكت الأزمة جذوة التضامن فرأينا وسمعنا بالكثير من النّماذج الملهمة لأفراد استطاعوا أن ينظروا في هذه الظروف إلى ما وراء ذواتهم، أن يبثوا الخير ويبذلوا المحبة قيمة التضامن والأخوة الإنسانية، ورأينا دولا استطاعت أن تتسامى عن حسابات السياسة والعلاقات الدولية لترقى في استراتيجياتها إلى سقف التعاطف والترابط الإنساني.

إن التّضامن هو الالتزام بما فيه خير الآخرين، فهو مرتبة عليا تسمو على مجرّد الاعتراف إلى التعارف، وبه يتم تجاوز ضيق الذّوات إلى فُسحة المشترك، وينتقل من تشرذم الأقليات والهويات الحرجة إلى وحدة الأكثرية الجامعة، مجتمع الإنسانية الكبرى.

وذلك ما تجلى في هذه الأزمة حيث برزت الحاجة إلى الارتقاء بالتضامن عن الصيغ الجوفاء والممارسات الهامشية التي اختزلته فيها حضارة السوق، ليعيد الارتباط بمضامينه القيمية، قيم الرحمة والغوث ومعاني التعاون والإحسان، وهي قيم تسمو فوق الحقوق، بيد أنها ضروريّة لها، فهي التي تسندها وتضمن لها الفاعلية والنجاعة، وهي الأرضية المشتركة المتينة التي تقوم عليها.

 

ميثاق حلف الفضول والعقد الاجتماعي الجديد:

أيها الحضور الكريم،

إنّ ميثاق حلف الفضول الذي أصدرناه السنة الماضية وصادقتم عليه يمثل التجسيد المفهومي والإجرائي الأمثل لروح السفينة، وبذلك يمكن أن يشكّل مرجعية قوية لهذه الانطلاقة الجديدة.

          ليس ميثاقنا مجرّد مبادئ نظرية، مبتوتة الصلة بالواقع، وكلمات لا فاعلية لها، بل تمكن ترجمته وبلورته في منهج عملي وبرنامج تطبيقي، يتنزّل في المدارس تعليما للناس، وفي المعابد تعاليم للمؤمنين، وفي ساحات الصراع وميادين النزاع، طمأنينة تحلّ في النفوس وأَمَلا يَعْمُر القلوب.

إننا نؤمن أن القيم التي قام عليها ميثاقنا ما تزال قادرةً على أن ترشد العالم وتقترح الحلول، ولا سيما في هذه المرحلة العصيبة التي تمرُّ بها الإنسانية جرّاء أزمة كوفيد. فهو ميثاق يقوم على تشجيع مبادئ الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة، كما يدعو في الآن نفسه إلى مبادئ التّسامح والسلم والرحمة والتّضامن؛ وهو بذلك يؤسّس لنموذج متوازن من التسامح المهذّب والحرية المسؤولة والمواطنة الإيجابية والاقتصاد الإيجابي المتضامن، يمكن أن يكون هو نموذج العقد الاجتماعي الجديد الذي ترنو إليه البشرية وتتطلع إليه.

كما يجسّد الميثاق روح ركاب السفينة في الإيمان بالمشتركات، حيث يقوم على الأرضية الصلبة التي تشكلها المشتركات سواء المشترك الخاص بديانات العائلة الإبراهيمية أو المشترك الإنساني الأشمل.

كما يرتقي الميثاق من الحقّ إلى الفضيلة، إذ مفهوم الحق يقتضي اختصاص طرف، أو أرجحيته، بسبب من أسباب التخصيص أو الترجيح، فالتعامل انطلاقا من مبدإ الحقوق يقتضي الاقتصار على منح الآخر ما هو أصلا له، أو الكفِّ عن التعدي عليه، بينما التعامل انطلاقا من الفضائل يحتوي معنى المكارمة والإحسان فهو بذل في غير مقابل وتنازل للآخر عمّا ليس له بحقّ.

 

تلكم أيها الحضور الكريم إثاراتٌ وصُوى ومنارات على سبيل المذاكرة ودعوة لاستعادة الضمير الأخلاقي للإنسانية. لقد شكّلت الحرب العالمية الثانية صدمة لضمير الإنسانية، فخرجت الإنسانية المصدومة بهول الكارثة، بصحوة ضمير أنتجت نظاما عالميا جديدا يرتكز على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

فهل تكون هذه الأزمة مناسبة لانطلاقة جديدة، وفرصة لميلاد إنسان جديد، برؤية جديدة للعالم، على أساس قيم الفضيلة، يعيد بناء ذاته وعلاقاته بجنسه وبالأمم الأخرى من المخلوقات بجنبه.

إن كل تأخُّر عن المبادرة إلى الفعل في الوقت المناسب يرهن مستقبل الإنسانية ويجعل الأجيال الآتية أسيرة سيرورات لن يكون بوسعها السيطرة عليها.

إنَّ البشريّة الآن في سفينة واحدة على وشك الجُنوح، وأخشى ما نخشاه إن لم يتمُّ تغليب روح ركاب السفينة، أن تقع الكارثة، فلا ينقذ البشرية حينئذ إلا سفينة كسفينةِ نوح عليه السّلام، تحمل الثُّلَّة النَّاجية منها.