العرب بين عقد وأطماع “الرجل المريض” / بلقم : محمد عبد الرحمن المجتبى

محمد عبد الرحمن المجتبى /رئيس التحرير

جاء الهجوم الأردوغاني المسعور على العرب ، ليكشف للرأي العام بعض مكبوتات “الرجل المريض”المسكون بهوس النرجسية والسيطرة على كل ما هو عربي ، ومن أبرز تلك المكبوتات التأثر العميق والصادم من تأثيرات المحاولة الانقلابية التي رغم فشلها تحولت الى كابوس مريع للرجل وكأنه لا يصدق فشلها خاصة عندما اكتشف حجم وخطورة الانتشار الذاتي للغريم السياسي عبد الله غولن ، اما المكشوف الثاني فهو طموح”الرجل المريض”لاستعادة السيطرة على البلاد العربية وارجاعها للحظيرة التركية من جديد ونفض الغبار عن الايام الغابرة والدموية للدولة العثمانية والتي ذاق العرب مرارتها ولم تسلم منها أي بقعة عربية تحت السيطرة العثمانية على مدى أربعة قرون بما في ذلك المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام

ولا تزال شواهد التاريخ والجغرافيا ، تحكي القصص المريعة لمعاناة العرب تحت القبضة العثمانية، خاصة سكان المدينة المنورة ، على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم

وبديهي أن من نكل وشرد وأهان سكان مدينة الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام ، ستكون جرائمه افظع وأخطر في باقي بقاع العالم الاسلامي.

لكن السؤال المطروح اليوم هو لماذا يختار ارودغان هذا التوقيت بالذات لمهاجمة العرب ، هل هو شعور كاذب بالنصر بعد امتطاء صهوة القدس والتظاهر بالذود عن حياضها ، وهو المطبع الأكبر والأشهر مع الكيان الصهيوني منذ ما يزيد على ستة عقود ، حيث تعتبر العلاقات التركية الإسرائيلية ذات طابع استراتيجي ، منذ إقامتها في أربعينيات القرن الماضي ، وكانت تركيا أول دولة مسلمة تطبع مع الكيان الصهيوني المحتل  ، وتطورت العلاقات جدا خاصة على مستوى التعاون العسكري ، ومن الصعب أن نفهم التباهي بالذود عن القضية الفلسطينية وعن القدس ممن يتعاون عسكريا مع قتلة الاطفال والنساء ، مدنسي اولى القلتين والثالث الحرمين الشريفين ، وحسب تقارير صحفية متداولة يعتبر التعاون العسكري أحد أهم وأبرز مفاتيح العلاقات التركية الاسرائيلية ،خاصة أنه المجال الوحيد الذي لم يتأثر بفترات شد والجذب في علاقات الود والصداقة ، والتي هي بالأساس توترات مصطنعة او تكتيكية لا تؤثر على علاقات عميقة وتاريخية

وللأسف الشديد يبدو أن بعض البلدان ، والنخب ، والتيارات السياسية العربية، تجهل أو تتجاهل التاريخ حين ترتمي في الحضن التركي متناسية ماضيه مع الشعوب العربية أيام الدولة العثمانية ومتجاهلة حاضر علاقاته المشؤومة مع الكيان الصهيوني المحتل ، والمضحك المبكي أن تلك الدول والنخب والتيارات تتغنى بشعارات القضية الفلسطينية بل تحتكر لنفسها مسؤولية الدفاع والذود عن فلسطين وعن القدس

فتركيا التي تنظم القمم عن دفاعا عن القدس الشريف هي نفسها التي  يبلغ حجم التبادل التجاري بينها مع الكيان الصهيوني المغتصب  للقدس أكثر من 3 مليارات دولار سنويا، كما يشمل التعاون بين الصديقتين تركيا واسرائيل اتفاقات سرية استراتيجية منذ خمسينيات القرن الماضي وهي اتفاقيات موجهة للتنسيق ضد البلدان العربية ، بل تشير بعض التقارير الدولية الى أن اسرائيل تشجع تركيا لزعامة العالم الاسلامي والعربي ، لكي تسحب أوراق القضية الفلسطينية من أيادي العرب ، وتهميش الدول العربية فيما يتعلق بالقضايا الكبرى التي تهم المنطقة وتحدد مستقبلها المنظور ، وتسعى بعض الدوائر الغربية الصديقة لإسرائيل ، لتغييب العرب عن قضاياهم المحورية ، وإسنادها لتركيا وإيران ، تمهيدا لهيمنة الحضارة العثمانية والفارسية على الحضارة العربية الاسلامية.

ولعل القمة الروسية الايرانية التركية مؤخرا حول سوريا ، أكبر مثال على هذا التوجه ، حيث رسمت تركيا وإيران مع “القيصر” الروسي مستقبل سوريا في غياب تام وتجاهل خطير للعرب ، ولم يسجل أي إعتراض عربي أو حتى امتعاض على هذا الخطوة الخطيرة على مستقبل الأمة ، باستثناء التصريح الصريح و الشجاع ، المتناغم مع توجهات الأمة الذي سطره عبر حسابه على “تويتر”  وزير الدولة الاماراتي ، الدكتور أنور قرقاش حيث كتب ما نصه ” المؤسف في التطورات الدولية للأزمة السورية تهميش الدور العربي ، فبإستثناء جهود الرياض في توحيد صفوف المعارضة ، نرى أن التوافق الروسي الإيراني التركي غالب والدور العربي ثانوي”.

وشدد الوزير “قرقاش” من منطلق الرؤية الاماراتية الملتزمة بالقضايا العربية ، وبمحورية العرب في قضاياهم ، على أن “الحلّ السياسي في سوريا هو الطريق الوحيد ، لأزمة دموية مشتدة، ولكنه، وبكل واقعية، لا يمكن أن يكون حلاّ إيرانيا أو تركيا وأن يغيب عنه الدور والبعد العربي”.

وبعد أيام قليلة من قمة تسوية الوضع السوري وفق الاجندة “العثمانية والفارسية والقيصرية” ، تأتي قمة القدس في اسطنبول بدعوة “حامي حمى ديار الاسلام والمسلمين السلطان أوردغان ، صديق اسرائيل الاستراتيجي ، وهي قمة تمت الدعوة لها بسرعة وكأنها ستصدر قرارات نسف الكيان الصهيوني من الوجود ، والواقع أن اسطنبول سارعت بالدعوة لها ، استباقا لانعقادها في الرياض أو أبوظبي أو الرباط أو أي عاصمة عربية

ولعل وضوح الرؤية الاماراتية خاصة في الملفات الدولية ، والحضور الدبلوماسي الاماراتي الدولي ، فضلا عن البصمات الانسانية ، والتنموية ، التي ترسمها الامارات في شتى بقاع العالم ، كلها أمور مع أخرى تزعج ” البلاط العثماني”الموهوم ، وبالتالي تكفي اعادة تغريد تغريدة تجسد حقيقة تاريخية لا غبار عليها ، لتفجير براكين الغضب “السلطاني” التركي ، فجاء الهجوم الأوردغاني ، كاشفا لخبايا وأوراق كثيرة تجسد قوة تأثير الدبلوماسية الناعمة لدولة الامارات ، وتكشف مدى الهوس السلطوي للزعيم التركي ، ما يعني أن الحنق على الامارات وعلى العرب كاد يشعل قلب الرجل ، الذي يريد للإمارات أن تتمسح بالأعتاب التركية ، وتستورد قرارها من اسنطبول ، لا من أبوظبي كما هو الحال بالنسبة لبلدان كثيرة ، من بينها دولة قطر التي بلغ بها الأمر أن بسطت القوة العسكرية التركية قبضتها على عاصمتها الدوحة في مشهد ظاهره التعاون الأمني وباطنه الاستقواء والارتماء في الاحضان التركية ذات الأجندات المشبوهة.