العشرية الأخيرة من تاريخ الجمهورية ، بين الغالي والجافي / اسحاق الشيخ سيد محمد

اسحاق الشيخ سيد محمد / كاتب موريتاني

تحتفل بلادنا  بالذكرى السابعة والخمسون للاستقلال الوطني ، وهي مناسبة لتقييم مسار الدولة في شتى الأصعدة ، وملاحظة مواقع الخلل والتقصير ، في عمل الحكومات المتعاقبة عليها ، من قبل الباحثين والمهتمين بالشأن العام ، ومحاولة التغلب عليها بكل حزم وعزم من طرف المعنيين ،وأصحاب القرار.

وإيمانا مني بأن العلاجات الناجعة ،والحلول النافعة لابد أن يسبقان بشيء من التوصيف والتكييف، فإنني سأشارك في تقييم مسار جمهوريتنا الطويل ،

 بإبداء ملاحظات سريعة حول عشريتها الأخيرة، تتعلق بجوانبها المضيئة ، وأهم ما حصل فيها من إنجازات ، وما أرى أنها نواقص،أو إخفاقات، ملتزما في ذلك بالمنهج العلميّ البحت، بعيدا عن الانجرارنحو العاطفة، أ و سلوك أسلوب التحامل .

١- في بداية هذه العشرية كان بلدنا ينعم بقيادة أول رئيس مدني منتخب ، من الجيل المؤسس ، وكان هو النموذج الديمقراطي الراقي ،والمثل الذي يغبط عليه مواطنيه كل ٌّ الشعوب العربية المشرإبة أعناقها إذ ذاك إلى الحكم المدني ، والتحرر والانعتاق من قيادة ذوي الأرجل الخشنة .

غير أن هذا المسار لم يعمر طويلا ، ووئدت تلك الأحلام في مهدها ، لأسباب ليس هذا محل بسطها ولا نقاش وجاهتها من عدمه ، فكان انقلاب السادس من أغسطس 2008م كفيلا بتحطيم تلك التجربة ، وعودة موريتانيا إلى المربع القديم” حكم العسكر” .

٢_ بعد هذ الانقلاب خرج الرئيس الحالي على الشعب الموريتاني بغير المبررات التقليدية للانقلابات ، مواعدا الجميع بتقسيم العدالة عليهم ورافعا شعارين اثنين هما: محاربة الفساد والمفسدين ، وخدمة الفقراء والمستضعفين ، وقد قام تجسيدا لهذه الشعارات بحملة اعتقالات لمجموعة من التجار ورجال الأعمال ممن يرى أنهم قد قاموا بالفساد مباشرة، أو عن طريق التمالؤا وقد طمأنت هذه الشعارات المواطن ، وبعثت فيه الأمل من جديد، وجعلته يشعر بنوع من الارتياح ، ويتطلع إلى تحسين ظروفه من ظل النظام الجديد .

ويحجب الشمس بغربال من أنكر أن عجلة التنمية بدأت تتحرك في هذه الفترة بشكل ملحوظ .

-فأنشئت جامعات، ومعاهد، كانت سببا في انتشال عدد كبير من الدكاترة والباحثين ، من أبناء البلد من شبح البطالة المخيف ، وجسدت الا مركزية في التعليم .

-كما تم تشييد مطار دولي، بمعايير عالمية

بتمويل ذاتي من خزينة الدولة .

– كما خططت الأحياء العشوائية ، وزودت بعض المناطق المؤهلة بشبكات المياه والكهرباء ، والطرق.

– واكتتبت أعداد لابأس بها من أبناء البلد في المدرسة الوطنية للإدارة والقضاء والصحافة من مختلف التخصصات ، لضخ دماء جديدة في كل من وزارت العدل و الخارجية والداخلية ، والمالية ، والإ علام .

– واعتمدت رواتب ثابتة لمجموعة من الأئمة

وطبع المصحف الشريف لأول مرة باسم فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية، الموريتانية ، وأطلقت فضائية المحظرة وتم قطع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني .

– وأطلقت عملية أمل لتوفير المواد الغذائية لمحدودي الدخل بأسعار مناسبة .

–  وتم إنشاء الوكالة الوطنية للوثائق المؤمنة التي كانت – رغم النواقص – حدثا مهما في تاريخ الدولة الحديث، وقد وضعت حدا للتلاعب بالأوراق الوطنية .

– وتم تحرير المجال السمعي البصري ، فرخصت مجموعة من القنوات الحرة أسهمت في إنارة الرأي العام ، وأتاحت الفرصة أمام من كانوا يعتبرون أو يعتبرون أنفسهم من المحرومين من الإعلام للعمومي، للتعبير عن أفكارهم ورؤاهم أمام أكبر عدد من المشاهدين …..

إلى غير ذلك من الإنجازات المهمَّة التي حصلت في هذه العشرية ، والتي تحسب في معظمها للنظام الحالي ، إلا أنه تمكن ملاحظة أن غالب هذه الانجازات تمت أو حصل الشروع فيها في مأمورية الرئيس الأولى .

٣- في مقابل هذه الإنجازات فإن النظام الحالي لم ينج من مجموعة من الهنات، ولم تخل سنيه نحو العشر ، من شيء من الفساد الذي أعلن عليه الحرب في أكثر من مرة ، مما جعل رأسه- حسب بعض المحللين – يتنازل عن شعار محاربة الفساد في عدد خطاباته في الآونة الأخيرة.

فقد قاد البلاد إلى أزمة سياسية خانقة ، جعلت بعض المعارضة السياسة يفضل التفرج على الانتخابات على خوضها ، مما أنتج برلمانا يفتقد ممثلين عن المعارضة التقليدية في البلد ، وهكذا استمر النظام في التصامم عن شروط المعارضة للدخول في حوار شامل يخرج البلاد من الأزمة السياسة الخانقة ، وقرر الاكتفاء في الحوارالشامل الأخير، المنظم في السنة الفارطة بعدد من الأحزاب المعارضة الصغيرة وبعض المغاضبين ، وهو الحوار الذي تمخض عن قرارات كبيرة ومصيرية ، في مسار الدولة الموريتانية ، ما كان ينبغي -حسب بعض المتابعين – أن تمر في ظل هذه الظروف السياسية ، غير أن الممسكين بزمام الأمور لم يصيخوا لهذا الرأي بل تجاهلوه تماما ، و لسان حالهم يردد المثل العربي السائد : ” القافلة تسير والكلاب تنبح” طبعا دون قصد المعنى القدحي للمثل إن صح التعببر. هذا عن الجانب السياسي .

أما في الجانب الاقتصادي فإنَّ البلد في السنوات الأخيرة شهد ارتفاعا ملحوظا في أسعار المواد الغذائية ، ولم يستفد من الانخفاض الذي حصل للمحروقات على المستوى العالمي ، وقد أعلنت شركات وطنية كبيرة إفلاسها بالفعل، وأخرى على هاوية الإفلاس، كالشركة الوطنية للإيراد والتصدير . ” سونمكس” حسب بعض التقارير الموثقة .

و على مستوى التعليم والصحة ، فإن الأمور لم تكن هي الأخرى كما يروج لها النظام ، حيث إن التعليم الأساسي في السنوات الأخيرة ، يعتمد في نسبة كبيرة منه، على المتعاقدين ، ولا يبدأ الحديث عن عقودهم إلا بعد نهاية الفصل الأول من السنة الدراسية ، مما يعني أن فصلا من التسيب تعيشه نسبة كبيرة من أبناء البلد الذين مازالوا في بداية مشوارهم التعليمي ، مما يبعث فيهم روح الكسل ، ويشعرهم بعدم أهمية التعليم ، بل يعرضهم في بعض الأحيان إلى التسيب والتسرب المدرسي ، أما التعليم الجامعي فإنه أصبح وللأسف صهريجا يقذف كل سنة إلى الشارع بأعداد كبيرة من الخريجين الذين لا يتناسب تكوينهم مع متطلبات السوق ، وتحملهم شهاداتهم إلى التكبر والأنفة عن العمل في المهن والمشاريع الصغيرة ، فتضيع زهرة شبابهم ، و مرحلة عطا ئهم وهم تائهون وفي أمرهم حائرون .

أما الصحة فإن المتحدث عن تطورها في البلد ، ستنبؤه قوائم المسافرين للعلاج عند النقاط الحدودية للبلد، ومطاره الدولي ، والطوابير المتكدسة عند أبواب الحالات المستعجلة ، وفي أزقة المستشفيات والمستوصفات الوطنية، والتقارير الواردة عن انتشار الأدوية المزورة في البلد ، عن خبر اليقين .

وآخر ما كان عليه المعول في هذا النظام، هو مجال الحريات العامة واحترام المقدسات الإسلامية ، وقد تعرض هذان الأمران في الآونة الأخيرة إلى هزتين عظيمتين ، تمثلتا بالترتيب في إغلاق الفضائيات الحرة ، والحكم على المسيء ، وما تلاه من قمع للمظاهرات ، المنددة بالحكم ، فهل يا ترى نحن أمام نظام يريد أن يهدم ما بنى قبل انتهاء مأموريته الحالية ، ليترك البلد كما وجده؟ أم أن هذا التقييم ليس سليما ، والأمور كلها بخير والدولة تسير نحو النموّ بخطوات ثابتة؟ ذلك ما نترك الإجابة عليه للقراء والمتابعين ولهم نقول :

عيد سعيد وكل عام وأنتم بخير .