العقل والعقلانية / لمعالي الشيخ عبدالله بن بيه

الشيخ عبدالله بن بيه رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي

ـ الإسلام يجعل العقل مصدراً من مصادر المعرفة الأساسية. بل المصدر الأول المنتج في العقائد والإيمان وأحد المصادر الأربعة المؤسسة في التشريع الإسلامي، كما يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في مستصفاه.

 

ـ والعقل أحد الضرورات الخمس التي يقوم التشريع الإسلامي عليها، إلى جانب الدين والنفس والنسل والمال؛ هذه هي الكليات التي تحكم منظومة التشريع في الإسلام.

 

والعقل مناط التكليف والأمانة التي حملها الباري جل وعلا للإنسان بعد أن عجزت السموات والأرض والجبال عن حملها. وحرم الدين الإسلامي المسكرات وكلما يؤدي إلى تغييب العقل.

 

ولا يمكن تعارض نقل صحيح مع عقل صريح، وإلا قدم العقل الصريح الصحيح وحمل النقل على التأويل أو عدم الثبوت.

 

ودعا القرآن إلى إعمال العقل والفكر. عندما دعا إلى التدبر والتفكر في آيات الكون وآيات الوحي، وهي دعوة إلى اكتناه أسرار الخلق وحكم الأمر «أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ»

 

لافتاً الى انتباه الإنسان إلى البرهان القائم في نفسه على نفسه من نفسه «وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون».

 

وفي الكون من حوله «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا» «مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ»،

 

وأمر بالتفكر في خلقه والتدبر في وحيه وأمره قال «أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ» وقال تعالى «وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» وقال سبحانه وتعالى «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ» وقال جل وعلا «أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ» وقال تعالى «لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ». فالأمر بالتفكر والتدبر قد ورد بصيغة الخبر والاستفهام ليكون أبلغ في التقرير وأدعى إلى التفكير.

 

وإنما كان التفكير والتدبر وسيلة لاستكناه حكمة الخلق والمصلحة التي تتضمنها أحكام الحق.

 

إن هذه المميزات لا توجد في أي دين بهذا الوضوح والتماسك.

 

وانطلاقاً من هذا جاءت مقاصد الشريعة تمثل منظومة كاملة ترد الشريعة إلى أصول معقولة تصون مصالح الناس وتدرأ عنهم المفاسد، وذلك بعد أن استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غير الرازي. حسب عبارة الشاطبي.

 

وأما الاختلاف في التحسين والتقبيح العقليين والصلاح والأصلح بين الفرق الإسلامية، إلا دليل على مكانة العقل. وهو موضوع سنتحدث عنه لاحقاً.

 

(محاضرة بعنوان العقل والعقلانية لمعالي الشيخ عبدالله بن بيه)