الفساد ودولة “المخزن” / أحمد ولد الدوه

أحمد-الدوه-/ كاتب في صحيفة الصدى الموريتانية المستقلة

يقول  أحدالمفكرين: “إن الفراعنة والأباطرة تألهوا ؛ لأنهم وجدوا جماهير تخدمهم بلا وعي”

يشهد العالم  اليوم ظاهرة الفساد المستشرية في المجتمعات وفي الدول النامية والمتقدمة، فلا تكاد تخلو دولة من دول العالم من عشعشة الفساد في ثناياها.

والفساد هو إساءة استعمال السلطة لتحقيق منافع شخصية للنفس أو للغير وهو الذي يشترك فيه الرأسماليون وأصحاب النفوذ في المجتمع ليحققوا أهدافهم الذاتية، والفساد ينتشر بين أفراد المجتمع في حركته ونشاطه الاقتصادي أو السياسي لتحقيق الربح اللامشروع والوصول إلى مبتغاه بالوساطة والسمسرة.

-ويظهر الفساد باشكاله «الرشوة، سرقة أموال الدولة-، تسيير أعمال مخالفة للقوانين والأنظمة، “السمسرة”، “صرف النفوذ”، بالدولة للمنافع المادية ،-الإثراء غير المشروع؛ التزوير ‘ بمختلف مواقعه ومراتبه والتزوير في بيانات الضرائب المقدّمة للدولة إلخ…….

-وانتشار الفساد اليوم في دول كثيرة من عالمنا يجعلنا نتساءل هل كان هذا موجوداً في ما سبق  في  عالمنا  العربي بهذه الصورة  الجامعة المانعة لكلّ مناحي الحياة؟

وفي قراءة لتاريخ دولنا ومراحل تطوّرها الحضاري، الأخلاقي والسياسي والاقتصادي ولو بدرجة أقلّ بكثير. في “خلفاء” وما بعد “الخلافة الراشدة”

-حيث يظهر أن أول من رشى في الإسلام هو المغيرة بن شعبة، الذي سعى واليا بالكوفة عام 42 هـ من قِبل الخليفة معاوية بن ابي سفيان، ثمّ عمل على بذل المال بهدف شراء المعارضين، فكان ذلك- أول ابتزاز وفساد للسلطة في العهد الأموي.-

وكذلك انتشرت الرشوة في عهد الملك هشام بن عبد الملك كما يذكر المؤرخون، كما أنّ يعقوب بن داوود الذي سعى لمنصب الوزارة وبذل مائة ألف دينار لحاجب المنصور.

وكانت هدية أحد نوّاب الشام” سيف الدين بيدمر “من أشهر الهدايا إلى السلطان في مصر.

وحين تقلّد إبراهيم الجرّاح قضاء مصر عام 205 هـ، أوعز لابنه أن يأخذ الرشوة من الناس علانية .

-وكان أوّل مظهر له هو التحيّز والتحزّب والتكتّل من فئة من الشعب إلى الحاكم لكي يغض الطرف عن فساد تلك الفئة أو الأفراد التي تستغلّ تأييدها له بالمنافع، ثمّ كانت الهدايا والعطايا وسيلة لتحقيق المنافع المتبادلة بين الحاكم والمحكوم، حيث كان الولاة يمارسونها في إقطاعاتهم كمنح وهبات لأتباعهم مقابل أن يدعموا ويؤيّدوا ويناصروا الحاكم، وليستولوا بعدها على أموال الدولة والناس بهذه الاقطاعيات، ويتحوّل هذا الوالي أو الحاكم إلى مستبد مترف متجبّر، فاسد، كما تصبح هذه الفئة اوالطائفة وسيلة للاستيلاء على أموال الشعب . وحينها تكون دولة بين أهل النفوذ من الأغنياء والمترفين كما وقع في عهد المماليك في مصر ، وتوفير الحماية  من المحاسبة من سلطة الحاكم  في “مملكة العقل الواحد”.

 

 

وللفساد آثاره العميقة على المجتمع، ونتائجه والخيمة جداً على الدولة، وحياة الشعوب من كلّ النواحي الاقتصاديةو الثقافية والسياسية والأخلاقية ..حيث يهدم الوضع الاقتصادي للدولة، وينقص من موجوداتها ووارداتها وخاصة الضرائب ويشوّه التربية والثقافة والاعلام ويحرفها عن أهدافها العملية والحضارية والاخلاقية ، وهو في الوقت ذاته انحدار للأخلاق للحضيض ويؤدّي إلى إختلال في الموازين والتوازن بين السلطات الثلاثة إذا تعمق فيها وسري فيها مسري الدم في جسم الانسان.

والفساد مخالف للأديان والشرائع السماوية والأعراف والقوانين الوضعية المحرمة لكل أشكاله الأنه يؤدي لتعطيل قدرة الإنسان وشلّ عقله وتفكيره في مستقبل أفضل وقتل الإبداع والتفكير السليم.

 ويؤدّي  إنحراف “وسائل الإعلام “في زماننا ب مختلف مصادرها  وتربي لأجيال علي واقع سيّئ  على أساس المنافع الفردية وسيطر ة الرأسمالية الضبقة أو سلطة الدولة”اوتعبير أكثر دلالة في منظومتنا المجتمعية المحلية “المخزن” فتروّج وتسوّغ أفعالها وقراراتها بأنها المطابقة للقانون ومصلحة الشعب والأمة .

والإعلام بهذه الحالة ليس إلّأ تشويهاً للسلطة لتي لا ظلم فيها ولاهضما

فالإعلام له دوره الإيجابي والأثر المباشر والفعلي في توعية المواطنين والنهوض بهم لتحقيق الأهداف السامية وتحريرالمواطن من كل قيد أو سيطرة،

 ولكن عندما يصبح الإعلام وسيلة” للفساد” يتولّد عنده  “مواطن” قابع ضمن دائرة الخوف والانقياد والاستسلام، والطمع وفقدان الارادة ، وغياب ثقافة تحمّل المسؤوليات الوطنية  في دولة الحق والعدل، هذا الإعلام الفاسد يصبح المروج والمؤيد للحكام  والسلطة الفاسدة، فيسوّغ فسادها على كلّ المستويات ويبرّرها تبريراً يخدم بقاء السلطة  فيتغذى الفساد من السلطة ويغذّيها، حيث يثبت قواعد الحكم ويشرع صحة أعمالها، دعاية ودعوة  لنظرية  الحاكم” والمخزن” خاصة إذا ما كان الإعلام محصوراً في جهة وحيدة تمتلك السلطة والمال والجاه.

 

المصدر : صحيفة الصدى الورقية الاسبوعية الصادرة بتاريخ 15 جمادى الأولى 1442هـ الموافق 30/12/2020م