القدس العربي : افريقيا: مزيد من الانقلابات؟

يعتبر الانقلاب العسكري الذي جرى في كوناكري، عاصمة غينيا، أمس الأحد، النسخة الأحدث من مسلسل قديم من عمليات استيلاء قوات مسلحة، بشكل مباشر، على السلطة السياسية في بلادها.

النسخة الأقرب جرت في مالي، الجارة الكبيرة الشرقية لغينيا، التي نفذ فيها الجيش انقلابا ناجحا في 24 أيار/مايو الماضي، وقبلها جرت محاولة انقلابية في آذار/مارس في النيجر المجاورة لمالي قبل أيام من تنصيب الرئيس، وفيما نجحت الحركتان العسكريتان في مالي وغينيا، وتم أسر رئيسيهما، فإن محاولة الانقلابيين في النيجر منيت بالفشل.

يكرر ما حدث في الدول الأفريقية الثلاث هذا العام أنماطا نموذجية بدأت بالظهور بعد الاستقلالات الوطنية عن الاستعمار، فقد أحصى باحثون أكثر من 200 محاولة انقلابية في القارة منذ خمسينيات القرن الماضي، وقد فشلت قرابة نصف هذه المحاولات.

رغم الادعاءات الكبيرة التي يطلقها الانقلابيون، والترحيب الشعبي الذي تستقبل به بعض هذه الحركات أحيانا، وخصوصا حين تحصل بعد استعصاء أزمات اقتصادية وسياسية مريرة، أو بعد حكم عسكري آخر طال حكمه، فسرعان ما يعود الناس لتذكر أشباح الدكتاتورية القاسية، وما يتلازم معها من نشر الأحكام العرفية وارتفاع معدلات الانتهاكات والقمع والفساد.

لا تغيب هذه السمعة السيئة عن الانقلابيين، فيقوم أغلبهم بإنكار استيلاء الجيش على السلطة، أو بأن ما قاموا به انقلاب، فهم يدركون الحاجة إلى ربط أنفسهم بشرعيّة غير التغلّب بالقوة والسلاح، ويسارع بعضهم إلى الحديث عن إجراء «انتخابات ديمقراطية» بعد حين من الزمن.

جدير بالملاحظة أن البلد الأفريقي الذي جرت فيه محاولات انقلابية أكثر من غيره، هو السودان، الذي وصل عدد محاولات الانقلاب منذ الاستقلال إلى 15 محاولة، نجحت منها 5 محاولات، وإذا كان هذا أمرا يشير إلى ميل العسكريين السودانيين للاستيلاء على السلطة السياسية، فإنه يشير أيضا إلى وجود اضطرابات شديدة في هذا البلد العربيّ الكبير، والتي كان من نتائجها الشهيرة انفصال جنوب السودان، وهو أمر لم يحصل في بلد عربي أو أفريقي آخر.

يمكن، بالتأكيد، إحالة جزء من هذه الإشكالات الكبيرة التي تعاني منها أفريقيا إلى التدخّلات الغربية منذ نشوء ظاهرة الاستعمار الحديث، وما أنتجته من تقسيمات جغرافية ـ سياسية مبنية، حصرا، على مصالح تلك الدول، وطرق تقاسمها لأقاليم القارة، من دون أي اعتبار للجغرافيا الطبيعية، وكذلك على وحشيتها الفائقة والإرث العنصريّ الذي أورثته لبعض تلك البلدان، كما في بوروندي، وجنوب أفريقيا.

مهم أيضا أخذ عامل تأثير الجوار في المعادلة، فمالي هي دولة تقع في الوسط بين غينيا والنيجر، ومجمل محاولات الانقلابات تحصل، بشكل رئيسي، على ما يشبه خطا مستقيما ضمن أفريقيا الوسطى، مع استثناء بوروندي وجزر القمر البعيدتين عن هذا الخط.

يمكن أيضا أن نأخذ في الاعتبار الدور «التأسيسي» الذي قام به الانقلابيون العرب، بدءا من بكر صدقي، العراقي، وحسني الزعيم، السوري، مرورا بجمال عبد الناصر، المصري، الذي أصبح علما على الانقلابات العسكرية التي تحولت إلى ثورات اجتماعية ذات أثر عالمي، وصولا إلى معمر القذافي، الليبي، وعلي عبد الله صالح، اليمني، وغيرهم كثيرون.

تتوازى هذه الانقلابات العسكرية المحضة، للأسف، مع نزوع متزايد، ضمن زعماء منتخبين، لتركيز السلطات في أيديهم، والاستعانة بالجيش والأمن لتغيير النظام السياسي وتحويله إلى نمط سلطوي، لا يختلف كثيرا، في نتائجه، عن الانقلابات العسكرية.

 القدس العربي