#القُدْس.. صخب الحكومات ودور الشُّعوب / خالد عمر بن ققه

خالد بن ققة / اعلامي جزائري

قياساً على تجارب سابقة، لا تبدو ردود أفعال الحكومات العربية والمسلمة حول قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل سفارة بلاده إلى القدس مطمئنة، بل إنها أقل حدة، وجاءت محتشمة مقارنة بمواقف بعض دول العالم الأخرى، التي ليست لها صلة مباشرة بالقضية الفلسطينية بشكل عام، والقدس بشكل خاص، وأمام هذا الوضع نجد أنفسنا في حيرة من أمرنا لقلة حيلتنا وهواننا على الناس ـ

 

إلا القلَّة من المرابطين على أكناف بيت المقدس ـ  وهنا يطرح السؤال الآتي: ما السبيل إلى منع القرار الأمريكي من التنفيذ، وبالتالي الحيلولة دون أن يكون مدْخلاً لاجتهادات دولية، هدفها الاعتراف الدائم بسيادة إسرائيل على القدس، واعتبارها عاصمتها الأبديَّة، وهي بذلك تُحقِّق حلماً راودها منذ استيلائها على أرض فلسطين؟.

 

رغم أهمية السؤال السابق، إلا أن مواقف المسلمين المختلفة على مستوى الأنظمة والحكومات لا تَشِي بالبحث عن إجابة عمليَّة، لوجود تجاوب سابق وتفاعل مع عدم حيادية الإدارة الأمريكية، لدرجة جعلت الرئيس ترامب يدرك أن العرب والمسلمين ـ كما تجلّى في مؤتمر الرياض ـ هم مجر رد فعلي أني، تكتيكي، ولا يُعوَّل عليهم في اتِّخاذ موقف استراتيجي جماعي من قضاياهم المصيرية، وأنهم على استعداد للخضوع للأقوى، وإسرائيل في الوقت الحالي ـ كما هي في مرَّات سابقة ـ هي الأقوى، لذلك من الضروري دعمها، حتى تتحكم في مصير المنطقة جميعها، والحيلولة دون أن تعم الفوضى بعد شك الشعوب في حكامها والانتقام منهم بالقتل والطرد والنّفي.

 

لقد عَمَّرت حالة البكاء والصخب من الحكومات  طويلاً، أي منذ 1948 وإلى الآن، ومع هذا فهي غير مجديَّة اليوم، لأن الثورة من أجل القدس ـ رغم أهميتها وشرعيتها ـ تُمثِّل بحثاً عن انتصار جزئي، مقابل هزيمة كلية وشاملة، وتوظيف المقدس ـ خاصة المسجد الأقصى، وقبة الصخرة ــ هو في حقيقة، رغم تواصل الجهاد والتضحيات وحياة الشهداء في كل العقود الماضية، ينتهي بنا إلى اعتبار الأراضي الفلسطينية الأخرى مدنسّة، أو على الأقل في درجة أقل مقارنة بالقدس، مع أنه لا وجود لهذه الأخيرة من دون فلسطين كاملة، وكل هذا يعني عدم جدوى طرح عدد من الأولويات على مستوى تحرير الأرض، وإن كان مطلوبا ـ وبقوة وسرعة ـ النظر إلى العمل الجهادي من حيث هو اتحاد وليس فرقة، وسلام بين الفلسطينيين وليس حرباً، واتِّفاقاً وليس اختلافاً، أي أن الحديث عن القدس أو حتى العمل على تحريرها ليس أهم من اتحاد الفلسطينيين ودعم العرب والمسلمين لأجل تقوية الجبهة الداخلية.

 

ربما يودُّ أصحاب القلوب السَّليمة من الفلسطينيين والمسلمين وأحرار العالم، أن يشتركوا مع الدول الأخرى بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، ومع المنظمات الدولية بما فيه الأمم المتحدة، في طرح مسألة جوهرية تتعلق بالإرث الوجودي من حيث هو قيمة دينية وثقافية، تُحلِّق في فضاء التعايش لجهة التأكيد على حق  الفلسطينيين مكانياًّ في القدس، وزمانياًّ في الماضي والحاضر والمستقبل، وما يتبع ذلك من شرعنة لوجودهم، على مستوى الضمائر على الأقل، ولكن هذا يظل أماني مادامت غير مصحوبة بقوة التنفيذ، وتلك تخص فريق العمل السياسي الرسمي، أما الشعوب فلها قراءة أخرى مختلفة، إذْ بدأت بالرفض العملي منذ إعلان ترامب قراره، لدرجة جعلت الأرض تتكلم بلغة عهدناها في الانتفاضات السابقة، وهي بذلك تُعيد تكرار تجربة الجهاد من أجل القدس عبر قرون مُتَّصِلة ومُنْفَصِلة، حين كانت هذه المدينة تحتلُّ من قوى دوليَّة غاشمة ويُحررّها المستضعون.. أي أنها تتحرر دائما من الشعوب، دون نفي دور قادة عظام بنوا مجد أمتنا، وبفضل جهادهم وصبرهم ووعيهم تغيّر التاريخ لصالحنا.

 

لقد مثّلت مدينة القدس ـ الجريحة اليوم ـ على طول تاريخها فضاءً للكُتُب السماوية الثَّلاثة، مع انتصار وتواجد للمسلمين، وتعايش مع النصارى ـ قبل الحملات الصليبية وأثناءها وبعهدهاـ وعاش اليهود فيها، قبل قيام دولتهم المزعومة في 1948 ـ بسلام وأمان، ولكي تعود القدس ومعها كل فلسطين إلى سابق عهدها ليس هناك من بدٍّ إلا ترك الشعوب تتولَّى زمام المبارة في مقاومة ستكون في البداية عبارة عن انتفاضة، ولكنها ستتحول مع الأيام إلى ثورة عارمة ودائمة.. ومن أدْرِانا قد تكون هذه بداية النهاية للدولة العربية، لذا على الذين يسعون إلى سلام مع إسرائيل من العرب والمسلمين عبر بيع مقاومة الشعوب بثمن بخس شعاره:” سلام دائم مقابل اعتراف دائم”، أن يُعيدوا النظر في أطروحاتهم وأفعالهم، ويتذكَّروا أنَّهم سيعرضون يوما على الله سبحانه وتعالى، ويسألهم: ماذا فعلتم بالقدس، وبفلسطين، وبدياركم، وعرضكم، ودينكم؟، وأضعف الإيمان أن يتركوا الشعوب تتحرّك، وهذا أيضا لصالحهم لأنه سيُلْهي الشعوب ويجعل قادتنا ـ على فساد كثيرين منهم وتخاذلهم ــ يُعمَّرُون أكثر في السلطة.. أًلَيْس هذا مبتغاهم وهدفهم وأملهم في الدنيا، وقد يكون في الآخرة أيضاً.