المؤتمر الافتراضي الدولي لمركز ابروكسيل للبحوث يضع التدخلات التركية في ليبيا تحت المجهر … وغضب أوروبي عارم

الصدى – ابروكسيل /

تحث عنوان “آخر التطورات في الصراع الليبي: إيجاد طرق التقدم إلى الأمام”، نظّم مركز بروكسل الدولي للبحوث الذي يرأسه سعادة السفير مارك أوتي، رئيس المركز ونائب رئيس المعهد الأوروبي للسلام، مؤتمرا رقميا يوم الخميس 28 مايو 2020، و هو جزء من سلسلة مشروع المركز الذي يحمل اسم  “إعادة التفكير  في الأمن من منظور أوروبي-  2020”.

 

ناقش المؤتمر أحدث التطورات التي تشهدها الساحة الليبية من المنظور السياسي والاقتصادي والإنساني والعسكري والاستراتيجي، كما هدف الحدث للتعريف بجهود المجتمع الدولي في إيجاد حلول مستدامة للأزمة المتفاقمة على كافة الأصعدة في ليبيا، علاوة على السعي لتفعيل الدور الأوروبي في الحيلولة دون تدهور الأوضاع، والعمل على إعادة الأمن والاستقرار.

 

افتتح المؤتمر بن لوينغز، المحلل الأول لشؤون شمال إفريقيا والأمم المتحدة لدى مركز بروكسل الدولي للبحوث، والذي أشار إلى التباين الكبير  بين الخطاب السياسي والواقع في ليبيا، وأضاف بأن الصراع المحتدم منذ قرابة العشر سنوات يشير جليا إلى أن جهود المجتمع الدولي في حل النزاع كانت بلا جدوى تقريبا، و تحتاج الى إعادة النظر جديا بكل ما هو قائم .

 

بدأ كاسبر إنغبورغ، القائم بأعمال رئيس مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في ليبيا بالقول إن الوضع الصحي والإنساني في ليبيا بالغ التعقيد، وخاصة بالنظر إلى حالات الإصابة بفيروس كورونا، والتي وصلت إلى 99 حالة مؤكدة صباح يوم المؤتمر تشمل 4 وفيات، وأضاف بأن الوباء قد وصل إلى الأصقاع النائية في جنوب البلاد أيضا. ووصف السيد إنغبورغ الوضع بأنه سيء للغاية بسبب ضعف الإمكانيات والجهود، إضافة إلى أن حدود البلاد مفتوحة بشكل كبير، ومما يُفاقم الوضع وجود قرابة 650 ألف لاجئ في البلاد، علاوة على حالات النزوح الداخلي، ومن ضمنها اضطرار 200 ألف شخص إلى مغادرة منازلهم في طرابلس بسبب تدهور الأوضاع الصحية والأمنية.

 

أما  تيم إيتن، الباحث الأول في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية (تشاثام هاوس)؛ فتطرق إلى المسائل السياسية، قائلا إن ضعف الأداء الحكومي والمنظومة التشريعية لدى حكومة الوفاق الوطني في طرابلس قد أدى إلى تراجع كبير على مختلف المستويات، وأضاف بأن السياسة المالية العبثية بتوزيع الشيكات قد أضعفت من الاحتياطات المالية، مما يهدد بكارثة مالية محدقة في حال الاستمرار في هذه السياسة (فساد مالي كبير ).

 

 

على الصعيد العسكري، قال تيم بأن القوات التابعة لحكومة الوفاق ذات قوام غير متجانس، وأن الجامع بينها هو العداء الأعمى لحكومة مجلس النواب في طبرق فحسب، مما يُشكك بخصوص إمكانية نجاحها في توجيه ضربة عسكرية قاضية لقوات الجيش العربي الليبي التابعة للمشير خليفة حفتر.

 

قال خافيير نارت، عضو البرلمان الأوروبي وعضو لجنة الشؤون الخارجية الأوروبية واللجنة الفرعية للأمن الأوروبي “إننا صنعنا وحشا في طرابلس ولم نتمكن من السيطرة عليه”، وأضاف بأن سكان المناطق الشرقية ينظرون إلى المشير حفتر بأنه قادر على صنع السلام والاستقرار، وأوضح أن الحديث عن شرعية حكومة الوفاق هو ضرب من العبث من المنظورين السياسي والقانوني، خاصة وأن أي حكومة في طرابلس لم ولن تحظى بالشرعية إن لم يوافق عليها مجلس النواب المنعقد في طبرق، وأضاف أن فايز السراج لا يمثل واقعا قانونيا مقبولا لأنه يتحكم في حفنة من الميليشيات المنفلتة، والتي كانت حتى زمن قريب تتقاتل فيما بينها دون أن تعير اهتمامها للدُمية المسماة السرّاج على حد تعبيره.

 

أضاف نارت بأن عدم لجوء الدول الغربية إلى التفاهم مع حكومة مجلس النواب يُعد ضربا من الغباء، لأنه يُغفل النظر إلى الحقائق على الأرض، وأوضح بأن سيطرة تلك الحكومة على مناطق الإنتاج النفطي، الذي يُعد المورد المالي للرئيس يعزز هذه الفكرة، وقال إن على الغرب التواصل البناء مع هذا الشريك الرئيس وإلا ستكون العواقب وخيمة على الجميع، وذكر أنه أوضح للبرلمان الأوروبي ذلك المفهوم، وشرح لهم أن القوة الحقيقية للجيش والأجهزة الأمنية تتركز بيد حكومة مجلس النواب، وهذا ما تفتقده حكومة الوفاق تماما، وأن هذا المنظور العسكري والأمني أحد أهم الأسباب التي ينبغي أن تدفع الأوروبيين للتعاون المثمر مع حكومة مجلس النواب في طبرق، والتي يجب أن يعترف بها الأوروبيون باعتبارها الحكومة الشرعية والمسيطرة على مقاليد الأمور في الواقع.

 

صرح  لورنزو مارينوني، المحلل الأول في مكتب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى المركز الإيطالي للدراسات الدولية بأن العوامل الخارجية كان لها دور فاعل في تعطيل عملية الاستقرار المنشودة في البلاد، وأن عملية إيريني لدعم حظر الأسلحة المفروض على ليبيا في البحر الأبيض المتوسط  والتي أطلقها الاتحاد الأوروبي لم تكن متوازنة، بل ركزت على البحر فحسب، وأضاف بأن هذا القصور قد أدى لتفاقم الأوضاع مؤخرا، حيث التفّت تركيا حول عملية إيريني وزوّدت حكومة الوفاق بالأسلحة عبر جسر جوي، وعلّق قائلا إن هذا الوضع كارثي على الاتحاد الأوروبي، خاصة في ظل ما يتوقعه من وجود عسكري تركي في المناطق الغربية من البلاد خلال الفترة القادمة، وأحد نتائجه المرتقبة إحكام تركيا لسيطرتها على طرق وصول اللاجئين إلى أوروبا عبر اليونان وليبيا أيضا، مما قد يؤدي لتطورات خطيرة.

 

عن الموقف الإيطالي، قال مارينوني إن حكومة بلاده تتعامل مع طرفي النزاع في ليبيا، ولكنها تركز جهودها على حكومة الوفاق بسبب الإنتاج النفطي ووجود الشركات الإيطالية العاملة في المنطقة الغربية، وأعرب عن عدم رضاه بالدور المحدود الذي تضطلع به الحكومة الإيطالية في إصلاح الأوضاع في ليبيا، وذكر أن السبب الرئيس هو وجود عدة مراكز لصنع القرار فيما يتعلق بليبيا منذ سنة 2014، مثالا وزارتا الداخلية والخارجية.

 

أما جيسن پك، مؤسس المجموعة الاستشارية لتحليل ليبيا في الولايات المتحدة الأمريكية فقال إن القاهرة وأبو ظبي وموسكو لها سيطرة واضحة على مُجريات الأمور في ليبيا، ووصف المقاربات التقليدية التي حدثت حتى الآن لحل الأزمة الليبية بالفشل الذريع وعدم الإحاطة بالتطورات السياسية والاقتصادية وموازين القوى في ليبيا، وأوضح بأن النظرية القائلة بأنه لا يمكن إجراء الوساطة في ظل استمرار العمليات العسكرية خاطئة للغاية، وأن الانطلاق من منظور تحسين وتطوير الوضع الاقتصادي والاجتماعي، ومعالجة الأسباب الجوهرية للأزمة يُعد تمهيدا منطقيا للتأسيس لحلول عقلانية وتتسم في ذات الوقت بالاستدامة، وقال إن على الجميع التعلم من الدروس القاسية في العراق.

 

 

أعقبت المؤتمر نقاشات تناولت بعض أهم الأفكار والأبعاد التي تطرق إليها المتحدثون في المؤتمر، والذي شارك فيه العديد من المنظمات الدولية والإقليمية، تشمل ممثلين عن الاتحاد والبرلمان والمفوضية الأوروبية، والأمم المتحدة وحلف الناتو والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، ومجموعة كبيرة من وزارات الدفاع والخارجية والبعثات الدبلوماسية في الدول العربية والأوروبية، والعشرات من مراكز البحوث والمتخصصين في الشؤون السياسية والأمنية والاستراتيجية، علاوة على حضور مكثف للعديد من وسائل الإعلام العربية والدولية.

 

المصدر : شؤون الاعلام بمركز بروكسيل الدولي للبحوث