المرابطون يكتبون التاريخ من جديد محققين حلم الشعب الموريتاني / المختار اسباعي

كتب التاريخ ، و عانق الحالمون أحلامهم ، واقعا تجرعه الشعب الموريتاني بنكهة أمنية طال انتظارها ، إنه عهد الفرحة الممتدة من النجاح إلى النجاح ، بل عهدالمرابطون وهم يسطرون المجد كرة ، بلغوا بها عنان المنشود ، ليرفرف العلم الشنقيطي الأخاذ في سماء الشموخ ، مضاهيا كبار القارة السمراء ، في موعدمرتقب في العام القادم و بين شهري يناير و فبراير ، حيث ستعزف ألحان العرس الافريقي في نسخة استثنائية بالعاصمة الكاميرونية ياوندي .

رحلة كتابة مجد جديد ، بدأت من العاصمة انواكشوط بالفوز على افريقيا الوسطى ، و كللت في نهايتها بتجاوز نفس المنتخب في عاصمة بلاده بانغي ، بهدفأبوبكر كمرا الذي انضاف إلى اثنين سجلا ذهابا لكنه سيبقى الأغلى و بحجم الشموخ ، ليجسد اللاعب الذي يخوض فقط مباراته الثانية مع منتخب بلاده ، أنانتدابه كان نجاحا للجهازين الإداري و الفني ، وهو الذي له من الخبرة سنوات متلونة في الدوري الانكليزي مع فولهام قبل أن يعار لديجون الفرنسي ..

تواجد عربي غير مسبوق_من حيث المنتخبات المتأهلة !

هدفه الأول و الأغلى حلق بأبناء المرابطون عاليا ، ليرافقوا أسود الاطلس عن المجموعة الخامسة ، في صورة تعانق فيها الأشقاء على وتر فاقوا ، و وردد لسانحال البطولة إن العرب استفاقوا ، وهم قادمون بعدد لم تألفه المسابقة من ذي قبل ، و إني أظنهم سيحافظون على لقبهم الذي كان جزائريا في النسخةالأخيرة..

و لم يكن ليقبل رجال موريتانيا وقد آمنوا بطموحات وطنهم ، أن يتخلفوا عن سداسية عربية تاريخية ، ليكملوا الرقم السابع ، حتى يتسنى لكأس أمم إفريقيا أنتحتفي بهذا العدد من المنتخبات العربية الغير مسبوق في سجل الكان خلال نسخة واحدة..

سبعة أعلام عربية ، تتقدمها مصر الأبية الأكثر تتويجا إفريقيا ، ثم الجزائر التي عقد أبنائها العزم أن تحيى على الألق ، حاملة لقب البطولة ، ثم تونس التيعلمتنا أن نموت من أجل حياة الوطن ، و أسود المغرب التي تتلألأ نجمة أنجبت عديد النجوم الخفاقة ، ثم السودان الصقور المحلقة في سماء الفن ، و جزر القمرالجزيرة العربية الصغيرة التي أعادت اكتشاف نفسها ، و أعلنت ميلادها الأول في تاريخ الكان ، انتهاء بموريتانيا التي حباها الله برجال أكفاء ، كلما نادتهمغنوا بمآذن منارة شنقيط : سنحمي حماك و نحن فداك و عند نداك نلبي أجل..

التاريخ لا يكتب نفسه .. إنما يكتب

قيل عن التاريخ بأنه يعيد نفسه ، ولكن يبدو أن المرابطون هم من أعادوه هذه المرة و باستحقاق ، مختوم بتأهل ثان تاريخيًا و على التوالي ..

ليرتب المرابطون أوراقهم ، بعد نجاح مهمة التصفيات ، التي انهوها على الوجه المطلوب ، بفوزين و ثلاث تعادلات و خسارة ، ما قيمته تسع نقاط في عدادالترتيب خلف المتصدر المغرب ب16 نقطة ، فيما انتهت رحلة بوروندي عند الخمس نقاط في المرتبة الثالثة و بقيت إفريقيا الوسطى بأربع نقاط في المركز الأخير.

نجاح حقق التأهل الثاني بعد تصفيات 2018 التي كانت بداية الشرارة و تأكيد الصحوة ، عندما تأهل المنتخب الوطني على حساب بوركينا فاسو و بتسوانامرافقا انغولا لنسخة مصر 2019 ” الأولى في تاريخه، ليأتي إنجاز بانغي مجسدا أحقية الكرة الموريتانية في الوصول للعرس الافريقي ، و العمل الكبيرالذي قام به اتحاد الكرة ، حيث أزاح عهد الخيبات و الفشل في عشر سنوات فقط بين 2011 و 2021 ، جاعلا من الأحلام التي ظلت مستعصية و بعيدة المنال ،حقيقة قريبة من قلوب شعب عاشق لكرة القدم .

ليلة استقبال الأبطال .. بعد معانقة المنشود

كانت ليلة عظيمة ، احتشد فيها الوطن بقلوب عشاقه ، على صورة فرحة تلألأُ ملامحها ضياء بوجه كل من جاء يغنيطلع التاريخ علينا من ثنيات الظفر،وعلى ملامح العاصمة التي ارتسمت هامات المجد فوق رفوف أحيائها  ، وشوارعها النابضة بالحب و الحياة ، فتتابعت فلول و أسراب السيارات ، تحمل حناجرعاشقة ، ترتل على مسامع اللحظة ، موريتاني لنا و لا لغيرنا ..!

هكذا يصنع الانتماء بقلوب استوطنها ، تلك القلوب التي تفرح تلقائيا للوطن ، و تبكي تلقائيا للوطن ، و تصرخ هيستيريا و ترقص ، في مثل لحظات التجليهذه  حيث يصعب التعبير و تقصر المعاني ، و يبقى الصمت في حرمها ، كلام بليغ لم يقل و هيهات ..!

ولك أن تتخيل أن ثورة المشاعر هذه ، التي طالت أعلى هرم في الدولة و حتى آخر كوخ في حي عشوائي ، بدأت من مستطيل أخضر ، تقابل فيه أحد عشر رجلامن كل فريق ، و بين الفريقين اقترب المرابطون ، فأعطت كرتهم لشباك أبناء بانغي قبلة سامة ، قتلت آخر آمالهم ، و أحيت و أججت في آن واحد ، حلم المرابطونو ميلادهم الجديد في كنف تاريخ مكرر و بنكهة التوالي ، وهو أمر أكد على أحقية موريتانيا دخولها عالم الأمم الكروية في القارة السمراء ..

فما أجمل كرة القدم ، وهي تصنع الفرح و التاريخ و تحقق الأحلام و تزيد من اللحمة الوطنية بين أطياف شعب يتعانق تحت ظلالها مهما اختلفت اللحظات..