المعضلة الليبية وإمكانية الاستفادة من التجربة الرواندية… “الجزء الأول” / د. عبدالله ونيس الترهوني

تناولت في مقالين سابقين كيف يمكن للاقتصاد الوطني الليبي من أن يحقق نمو حقيقي، وكيف يمكن لخبراء الاقتصاد الليبيين من تطوير الاقتصاد الليبي عبر ثلاث مراحل من خلال الاستعانة بتجارب دولية ناجحة، وكل هذه هي خطوات لاحقة للخطوة الأساسية والمهمة وهي الإتفاق على إدارة الدولة ومواردها أو كما يسميها البعض (الاتفاق السياسي)، وفي مقابل ذلك فإنني سأتناول وفي مقال من جزئين تجربة قريبة للتجربة الليبية وذلك للاستفادة منها قدر الإمكان.

 

جميعنا يعلم أن قارة أفريقيا هي إحدى قارات العالم الستة وفي نفس الوقت هي إحدى قارات العالم القديم الثلاثة، وقد عُرف عنها بأنها أكثر القارات تأخراً عن ركب الحضارة الإنسانية على الرغم من أنها الأغنى بالموارد الطبيعية، ناهيك عن موقعها المميز ومناخها المتنوع، وكان وسيبقى الإنسان هو المحور الرئيسي وكلمة السر في هذا الوضع البائس الذي تعيشه هذه القارة، وإجمالاً يمكننا القول بأن القاسم المشترك لشعوب قارة أفريقيا وشعوب الشرق الأوسط هو أنها جميعاً تنظر إلى مافي باطن الأرض من خامات كمصدر عيش وقوت وحيد لابديل لها عنه، على الرغم من أن هذه الموارد رخيصة الثمن كونها لازالت في صورة مواد خام أولية وغير جاهزة للاستهلاك، وأن كبار المستهلكين لهذه الخامات وليس منتجيها هم من يحددون سعرها، وفي المقابل لو أخذنا منتجات أو مشتقات النفط بعد أن يتم تكريره كمثال نجد أنها أغلى بكثير من سعر الخام نفسه، فالخام يباع بالبرميل والمنتجات تُباع باللتر، والخام يحتاج للتكرير والمنتجات جاهزة للاستهلاك، وتجدر الإشارة إلى أن المستعمرين قد عمدوا وعبر قرون طويلة على الحفاظ على معدلات متدنية من التعليم والصحة في القارة الأفريقية وبالأخص في المنطقة الواقعة بين المدارين (أفريقيا جنوب الصحراء) والتي تتميز بغزارة الموارد الطبيعية الهائلة المدفونة تحت سطحها، وبالتالي فإنه وبمجرد وصول أبناء هذه الدول لمقاعد الدراسة وإنفتاحهم على باقي دول العالم فإن ذلك سيرفع لديهم الحس الوطني ويُنمي شعورهم بالمسؤولية، فيعملوا جادين على النهوض ببلدانهم كي يجعلوا مافي باطن الأرض مصدر عيش وسعادة لمن يعيشون فوق سطح الأرض من أبناء جلدتهم، ولعل التنمية التي شهدتها بعض دول القارة الافريقية (رغم قلتها) هي خير مثال على ذلك.

 

إن الحروب في القارة الأفريقية سببها في المجمل إما (قبلي / ديني / صراع نفوذ… إلخ) أو هو صراع على الموارد الطبيعية، والأخير بالذات هو الذي يقود إلى الصراع القبلي أو حتى للتطهير العرقي، والجدير بالذكر أن نهضة الصين (البعيدة جغرافياً عن أفريقيا) هي خير مثال يحتذى، وبشئ من التفصيل فالصين التي كانت دولة متخلفة قبل أزيد من أربعين عاماً بقليل هي اليوم الدولة الأكثر تصنيعاً وتصديراً في العالم وهي ثاني أكبر اقتصاد في العالم متفوقة على جارتها اليابان بسبب الزاد البشري الذي تمتلكه، ومساحة أرضها، ورخص الأيدي العاملة بها بسبب وفرتها، وبنظرة فاحص لسبب هذه الطفرة نجد أن التعليم كان هو كلمة السر فيها، فالمسؤلون الصينيون أدركوا نهاية سبعينات القرن الماضي أن الإنغلاق خلف الجدار الشيوعي سيخلق مزيد من المشاكل لبلد هو أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، ويشكل عدد سكانه حوالي خُمس سكان الكوكب، فعملت الصين على رسم سياسات متنوعة مبنية على أساس علمي صحيح تكون فيها مصلحة الصين فوق الجميع، فنوعت اقتصادها من خلال إطلاق عدد من المشاريع الصغرى ومشاريع الأُسر (العائلات) الخاصة، ولكن دون أن تتخلى عن القطاع العام، وأهتمت بالحِرف والمهن، وأعطت الأولوية للتعليم التقني والفني على حساب باقي برامج التعليم، ثم سنت قوانين صارمة كان أولها إعدام أي مسؤول مهما كان منصبه أو مركزه ثبت بالدليل القاطع أنه مسؤولاً أو مشاركاً في فساد أو إهدار لموارد البلد.

 

وبالعودة للقارة السمراء التي كانت ولازالت تمزقها المجاعات والحروب الأهلية في مشهد عبثي ومتكرر، والذي هو نتيجة مباشرة للجهل والتخلف الذي تعيشه القارة، فإن هناك تجربة لدولة أفريقية تستحق الذكر والإشادة لأن ماحققته يُعد طفرة بكل المقاييس ألا وهي رواندا، فهذه الدولة الصغيرة المساحة وقليلة السكان والتي لاتطل على بحار أو محيطات (مغلقة) هي نموذج يُحتذى وقريب جداً للحالة الليبية في بعض جوانبها، ولكن مايُميز التجربة الرواندية عن المأساة الليبية (رغم مرارتهما) هو أن المسؤولين الروانديين تفوقوا على نظرائهم الليبيين، فكفائتهم وحسهم الوطني المرتفع منذ توليهم زمام الأمور عقب إنتهاء الحرب الأهلية كان هو المعيار، وإذا ما كانت العبرة بالنتائج فإن ما تشهده رواندا اليوم هو نهضة وطنية شاملة وبكل المعايير، يقابلها وعلى النقيض وبفارق 180 درجة الحالة الليبية بكل شخوصها وتجلياتها وتناقضاتها، والسؤال المهم الذي يطرح نفسه هو كيف تمكنت رواندا من تخطي آثار الحرب الأهلية، وإرساء حالة من التقدم الاقتصادي، وتعزيز التنمية المستدامة بعد أن كانت إحدى دول القارة الأفريقية التي كان ينظر إليها العالم كبلد لا يعرف عنها إلا الأوبئة والحروب الأهلية الدموية؟ وقد أتى جزء من الإجابة على هذا السؤال الهام على لسان أعلى هرم السلطة فيها وهو الرئيس بول كاجامي وأمام القمة العالمية للحكومات التي إنعقدت في دبي منتصف شهر فبراير 2019 وبمشاركة أكثر من 4 آلاف شخصية من 140 دولة، والتي أوضح فيها بأن نهضة بلاده قد قامت بالإنسان ولأجل الأنسان، وأن كلمة السر فيها هي التعليم، وبشئ من التفصيل فقد اعتمدت رواندا بعد إنتهاء الحرب الأهلية وجمع السلاح عدداً من السياسات والآليات للنهوض بالتعليم بالبلاد، وقد صًنفت هذه السياسات والآليات طبقاً لتراتبيات واضحة ومتناغمة، ووفقاً لخارطة زمنية محددة، وقد بدأتها رواندا

بتأهيل المعلمين أنفسهم، تلاها فرض مجانية التعليم في جميع أرجاء البلاد ولجميع مراحل التعليم، ثم تغيير المناهج الدراسية القديمة وذلك من أجل محاربة العنصرية أولاً، وإنهاء التبعية للمستعمر ثانياً، وقد شمل هذا أيضاً إلغاء مادة التاريخ من المناهج الدراسية، وبالتزامن مع كل هذا قاومت الحكومة الرواندية تسرب أبنائها من مراحل التعليم المختلفة فعملت على استقطابهم إلى مقاعد الدراسة، وهي مهمة ليست باليسيرة، وقد أكدت منظمة اليونسكو أن رواندا أصبحت من أعلى الدول الأفريقية انتظاماً في مرحلة التعليم الأساسي: ففي المرحلة الإبتدائية على سبيل الذكر بلغت نسبة الأطفال المنتظمين بالمدارس نسبة 97%، وفي التعليم المتوسط بلغت النسبة 73%، وفي مرحلة لاحقة أدخلت رواندا التكنولوجيا إلى المدارس، بل وأطلقت قمراً صناعياً لبث الإنترنت مجاناً في جميع أنحاء رواندا لأجل أن يصل التعليم إلى المناطق التي ليس بها مدارس أو فصول، قبل أن تختتم رواندا هذه الحزمة من الآليات والسياسات الفاعلة بتغيير لغة المناهج الدراسية من الفرنسية إلى الإنجليزية، وهذه الخطوة بالذات ستُحول رواندا إلى بلد جاذب (مستقطب) للطلاب الأجانب، دون أن نغفل عن أن تقرير جودة التعليم للعالم 2017 والصادر عن منظمة اليونسكو قد وضع رواندا من بين أفضل 3 دول في تجربة النهوض بالتعليم.

 

يتبع…..

 

المصدر