المفكر البارز أحمد بابانا العلوي يكتب “للصدى” : قوة الأفكار والأشياء .. في تبلور وصياغة التجربة الإنسانية في التاريخ..

احمد_بابانا_العلوي / مفكر وأكاديمي مغربي

توطئة

إن الغاية من دراسة أحوال الاجتماع ومجالاته البحث عن أسباب ضعفه، والتطلع إلى بواعث إصلاحه وتقدمه..

 وما نرومه من عرض مناط الثقافة، الوقوف عندما تحدثه في معارف الناس وأخلاقهم، وما ينتحلونه من مذاهب.. فكل شيء يهون إذا هانت أو اختلت موازين الإنسانية من الفكر والخلوالعقيدة والذوق.. فينعكس ذلك كله  على الأحكام، فتنقلب من النقيض إلى النقيض، فيوضع الكذب موضع الصدق والخداع والمكر والدهاء موضع النزاهة والاستقامة والأخلاص للمبدأ…

 وأفدح مصاب تصاب به المجتمعات من جراء تفشي ثقافة الاستبداد، أن تصاب في صميم موازينها.

ومن نتائج اختلال الموازين بلاء الزيغ الذي يزيف الحقائق ويغلب المنفعة على الفضيلة ويجعل من العصبية مصدر كل خديعة من نوازع النفوس والأهواء المريضة وكل شعور يعترف بأن الرذيلة نقيض الفضيلة التي يمتاز بها ذوو الفضائل البينة…

ولعل السبب الذي تنتهي إليه جميع الأسباب في تفسير وتعليل اختلال الموازين واضطراب أحوال الاجتماع يرجع إلى طبائع الاستبداد التي يشاهد أثرها في أحوال الأمم والأفراد..

 وقد بحث ” الكواكبي” في كتابه ” طبائع ” الاستبداد” جملة العوارض الاجتماعية التي تصاحب الاستبداد في أحوال الدين والعلم، والمجد والثروة والأخلاق والتربية والتقدم… ومهد لذلك بتعريف الاستبداد…

 وذكر بأن من معاني الإستبداد وظواهره، غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النصيحة.. وتحكم النفس على العقول.. فالاستبداد إذن اعتساف وتسلط وتحكم وغياب المساواة والحس المشترك …

 والتسلط أو التحكم صفة الحكومة المستبدة التي تتصرف بدون رقيب وبلا خشية حساب ولا عقاب .. والمستبد عدو الحق والحرية…

 ومن أقبح أنواع الاستبداد، استبداد الجهل على العلم، واستبداد الهوى على العقل ..

 والاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني فقد استبدلت سلطة الكهانة الدينية بسلطة زمنية دنيوية مطلقة..

وعن تشكل بناء الاستبداد الديني  والسياسي، تمخضت كل النظم المستبدة عبر التاريخ البشري ، فظواهر وطبائع الاستبداد تندرج ضمن تحقق معقولية التاريخ على صعيد المعرفة والعمل..

  • أهمية دراسة الظواهر الاجتماعية الكشف عن قوانين الاجتماع

إن الذي يهم من دراسة ظواهرالمجتمعات الكشف عن قوانين الاجتماع، والنظر إلى المعوقات المادية والذهنية التي تعوق دون حدوث تغيير عميق في البنيات والنظم وسائر أحوال الاجتماع البشري وطبائعهوتحليل مبادئ ظهورها  وأسباب حدوثها، فأحوال الأمم ونحلها، لاتدوم على وتيرة واحدة، ولا تستقر على منهاج واحد…  بل تخضع لقانون الدوارت والأفكار المتصارعة حول أنظمة الحكم وأساليبه… لأن العمل السياسي والمعرفة يرتبطان بالثقافة.. بمعنى أن كل معرفة تدخل في مفهوم التجربة، فإذا ما نظمت طبقا لقواعد منهجية  أخذت صفة العلم الذي يدرس الوقائع الاجتماعية..

يصبح مفهوم الثقافة أكثر تحديدا باعتبار الأفكار تعكس حقيقة مشكلات الاجتماع… ومن الطبيعي أن تخضع للتشريح والتحليل لمعرفة بنائها وعناصر تركيبها، ويمكن أن نفرق في الثقافة بين ما هو ” مادي” الأشياء والأدوات ..) وما هو إجتماعي (العقائد والتقاليد والأفكار..) .

 وقد يبدأ التغيير في المجال المادي ثم يمتد تأثيره إلى المجال الاجتماعي.. مما يعني وجود علاقة جدلية بين عالم الأشياء وعالم الأفكار.. فالثقافة إذن مرآة لحياة المجتمع وترجمة للنشاط الاجتماعي المرتبط في الواقع ببعض الشروط النفسية والاجتماعية التي بدونها تفقد الفكرة تأثيرها وقيمتها  الثقافية.. وقدرتها على الإبداع..

 يرى ” مالك بن نبي” بأن هناك علاقة عضوية تربط ” عالم الأفكار بعالم الأشياء” بدونها  لن تكون لدى الفرد القدرة على استنطاق  الأفكار .. فيمر عليها دون أن يتعمقها…

  • القيمة الثقافية للأفكار والأشياء…

 إن القيمة الثقافية للأفكار والأشياء تقوم على طبيعة العلاقة بالفرد، فالصلة تجسد العلاقة المتبادلة التي تحدد السلوك الاجتماعي لدى الفرد بأسلوب الحياة في المجتمع..

 ويذهب مالك بن نبي إلى أن كل مجتمع مهما كان مستواه من التطور، له عالمه الثقافي المعقد.. وفي نشاطه المتناغم تشابك بين ثلاثة عوالم ( الأشياء والأشخاص والأفكار…) ويظل هنالك دائما  رجحان لأحد هذه العوالم الثلاثة ، وبهذا الرجحان الذي يظهر في سلوك المجتمع وفكره، يتميز كل مجتمع عن سواه من المجتمعات…

فالإفتقار إلى الأفكار يجعل المجتمع فاقدا للفاعلية وعاجزا عن مواجهة قضاياه، وطرح مشاكله التي تظهر في المجال السياسي أو الاقتصادي..

أما إذا سيطرت الأشياء المادية على  العقل والوعي أصبح الإنسان مجرد  شيء في عالم الأشياء الخامدة يمكن اختزاله في البعد المادي او الأداتي الآلي الأصم وموطن الخطورة في هذه الحالة يتجلى في تعطيل  الطاقة الحيوية داخل المجتمع…

  • قوة الأفكار الدافعة

 ولكي تعود للأفكار والأشياء القدرة على التغيير فلابد من وجود قوة دافعة تكيف الطاقة الحيوية التي تقدم الحوافز لمساندة المجتمعات البشرية إلى التحول من البداوة إلى عالم الثقافة والحضارة ..

والجدير بالملاحظة، أن التحولات الكبرى في التاريخ الإنساني مرتبطة بالأفكار الدافعة،.. التي تتناول كل شأن من شؤون الأمم، وتصحيح مقاييس كل شكل من أشكال التنظيم للحياة..

للأفكار دور وظيفي في بناء الحضارة وهي العوامل المعنوية والمادية لتطور المجتمع، والقدرة على القيام بوظيفة أو مهمة معينة،.. وذلك نتيجة لإسقاط الأفكار على الصعيد الاجتماعي والأخلاقي…

 إن الأفكار الدافعة هي التي تتيح للمجتمع الإندماج في عالم الحضارة..

 وكل حضارة تنطوي على عناصر تاريخية واجتماعية، ولها رموزها الخاصة وفلسفتها.. التي تعبر عن نوازعها وطاقاتها .. وهناك ارتباط وثيق بين الحضارة والثقافية الذي تتكون فيه جميع خصائص المجتمع وتتشكل فيه كل جزئياته وغاياته التي رسمها في التاريخ..

نستشف من هذا أن الحضارة ببعدها الثقافي الجامع للقيم الروحية والعقدية الإيمانية.. نتج عنها تبلور الشروط الأخلاقية والمادية الثقافية والفكرية .. ذلك أن الفكر لا ينفصل  عن بيئته الحضارية والتاريخية… بحيث يمكن رصد تقلباته وتطور حركته  ومحاولة البحث عن قانون يحكم هذا التطور  ويصف هذه الحركة..

 ويرى الفيلسوف ” أو جيست كونت” ( 1798-1857) بأن  اعتلال الفكر  مؤشر ودليل  على ما يصيب الأمم والحضارات من فساد واضطراب وتمزق واندحار.. وسبب اضطراب المجتمعات الإنسانية يرجع إلى فساد الأخلاق، وأن فساد الأخلاق يعود إلى فساد التفكير واضطراب طرق الفهم نتيجة التناقض في فهمالأشياء، وذلك باعتماد منهجين في فهم الظواهر الطبيعية :

  • المنهج الوضعي أو الطريقة الوضعية التي تبحث عن القوانين التي تخضع لها الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية…
  • الطريقة الدينية الميتافيزيقية .. التي تصرف النظر عن الأسباب والقوانين التي تخضع لها الظواهر..
  • ونتيجة للازدواجية في المقاربة والفهم جنبا إلى جنب في أذهان الناس ، فقد أدى في نظر ” كونت” إلى حدوث اضطراب  كبير في التفكير الإنساني وأطلق على هذه الحالة ” الفوضى العقلية” التي أدت إلى فساد في الاخلاق والسلوك لأن ما يعتور الفكر من اضطراب، ينعكس على الأخلاق  والسلوك في مختلف فروع الحياة الاجتماعية، لأن الحياة قائمة على دعائم من الاخلاق والمثل فبفسادها وإنهيارها تفسد جميع فروع هذه الحياة ، وتتقوض أركانها..، فلا سبيل إذن إلى إصلاح اجتماعي  إلا بإصلاح الفكر الإنساني.. لأن الفكر هو أساس الجهاز الاجتماعي (le mecanisme social repose sur la pensée)  ولما كانت أسباب فساده ترجع إلى اضطراب في فهم الأشياء نتيجة لوجود طريقتين متناقضتين، فلا سبيل للخروج  من هذه الوضعية إلا بالقضاء على الاضطراب الفكري..
  • إما بالتوفيق بين الطريقتين للتفكير في الفهم، بحيث لا يحدث أي اضطراب في أذهان الناس وتفكيرهم..
  • وإما بإقصاء طريقة من الطريقتين ” الوضعية أوالدينية الميتافيزيقية ).

وقد اختار إمام المدرسة الوضعية الطريقة الوضعية باعتبارها الحل الذي يؤدي إلى الانسجام في التفكير الإنساني لأن فهم الأشياء على الطريقة الوضعية هو عبارة عن فهم القوانين التي تخضع لها.. وذلك طبقا لمنهج عقلي يقوم على فرض الفروض ويبين مدى صحتها بأدلة تتمشى مع منطق الواقع والاستدلال بأحداث التاريخ على ميول الإنسان وأفكاره.. 

 لقد ربط أوجست كونت بين نظريته الوضعية وبين فكره التطور من خلال قانون الأطوار الثلاثة.. بغرض الكشف عن القوانين التي تحكم مسيرة التاريخ البشري.. إلا أن ابن خلدون له نظرة مختلفة ذكرها في المقدمة، حيث يرى أن للنفس قوة مدركة ، وأن قوى الإدراك مترتبة ومرتقية إلى  القوة العليا منها وهي المفكرة..

 القوى الحسية الظاهرة ترتقي إلى الباطن وأوله الحس المشترك وهو قوة تدرك المحسوسات مبصرة ومسموعة.. وملموسة، وغيرها في حالة واحدة.

 يؤدي الحس المشترك  إلى الخيال وهو قوة تمثل الشيء المحسوس في النفس كما هو مجرد عن المواد الخارجية.. إما بتوهم المعاني أو بإبداع المدركات كلها متخيلة وغير متخيلة  ثم ترتقي إلى قوة الفكر وهي قوة الرؤية  والتوجه نحو التعقل..

  عن طريق المدارك الحسية والخيالية وتركيب المعاني..، يدرك الإنسان العالم الاجتماعي المحيط به وجميع المعطيات الاجتماعية التي يستطيع التوصل إليها.. عن طريق   عملية التفكير..

 ويقرر ابن خلدون أن إدراك النفس على نوعين: إدراك بالظاهر وهو بالحواس وإدراك بالباطن وهو بالفكر الذي وراء الحس وذلك بقوى جعلت في بطون الدماغ تنتزع بها صور المحسوسات .. والجولان بالذهن فيها..

وغاية الفكر عند ابن خلدون تصور الوجود والتعرف على أسبابه وعلله الظاهرة والباطنة..

فحركة العقل بين المعلوم والمجهول في الفكر والنظر.. وتنشأ العلوم والصنائع بالغوص في أعماق الذهن بحثا عن كنه الأشياء على  ما يكون  خبيئا  من حقائق العلم.. ومتصلا بصلة الوجود والحياة.

  • العامل الثقافي بوصفه بعدا وعنصرا تغييريا..

الثقافة هي المجال الذي تنبع منه الخصائص التطوريةللمجتمعات الإنسانيةـ ويحدد الأولويات في الفكر   والسياسة والدين.. وإن إدراك أهمية العامل الثقافي في مجمل عملية التنمية والتطور الحضاري سوف يمنح المتغير الثقافي دوره في تطوير تاريخ المجتمعات البشرية…

 فالثقافة الخلاقة وحدها تقدم معاني الإبداع في كل مجالات الفكر والعمل، والعامل الثقافي بوصفه عاملا تكوينيا لعملية التغيير الاجتماعي في إطاره تتحقق عملية التطور. وقد أكدت الدراسات   المقارنة لعملية تطور المجتمعات في مختلف إطاراتها الحضارية والثقافية عبر التاريخ.. التفاعل الجدلي بين الخصوصية الثقافية ونموذج المعرفة الذي يحقق التقدم.. ومعنى  هذا أن النموذج الذي تم اختياره هو نتيجة لعلاقات سياسية وثقافية متبادلة عبر التاريخ.. فنقل المعرفة جزء من العملية التكوينية للشخصية الثقافية في سعيها للتحرر والانبعاث.. في مرحلة تغير العالم وإرهاصات تشكل عالم جديد..

إن التنمية الحضارية والثقافية للمجتمع تتحقق نتيجة التراكم الفعال لطاقات المجتمع في مجالات  الفكر والعمل.. فمفتاح إدراك الفعالية الثقافية يتمثل في الأخذ بالنمط المثالي (idéal type) أي الروح المثالية الذي يمكن انطلاقا منه  تكوين وعي ثقافي وتاريخي…

إن الشمولية في المعرفة يقودنا إلى الحرية في تمثل المعرفة وفي التفكير بها، واستغلالها كوسيلة لقيادة الفكر إلى عالم أفضل.. فالوعي الثقافي يحرر المجتمع من الجمود والخضوع لنوع   قاصر من الأفكار في مجال الثقافة والحياة..

 وأهمية التحرر أوالوعي الثقافي أنه يجعل المثقف يسمو فوق الأحداث والوقائع ليصنع واقعا جديدا..

 فرسالة الثقافة توعية المجتمع وتحيري العقول من كل العوامل التي تكبلها..

 والفرق بين الثقافة الإيجابية، والثقافة السلبية هو الإدراك الواعي لقيمة الشخصية الإنسانية.. فتاريخ الفكر هو تاريخ العقل الإنساني وما اعترضه من ضروب التطور وألوان الرقي حتى انتهى إلى ما انتهى إليه على يد طائفة من قادة الفكر لهم أثر في تكوين الحياة الفكرية عامة.. وفي تصوير النظم الاجتماعية والدينية والسياسية..

و قد جعلوا من الحياة الفكرية والعقلية مصدرا للرقي والتطورـ، انتجوا أفكارا مهدت للثورات التي ستخرج العالم من العصور المظلمة إلى عصور النور، فأعادوا الاعتبار إلى الفرد والمجتمع .. ونشروا الحريات العامة التي أسهمت في ظهور شخصية إنسانية قوامها   كرامة الإنسان وحرية العقل كما أنهم أخرجوا الثقافة من التجريد إلى عالم الإيجابية باعتبارها سلطة معرفية لها فعالية قادرة على تحويل الأفكار إلى حقيقة واقعية..

الثقافة انعكاس للحياة الاجتماعية والمثقف يستمد عناصر ثقافته من المجتمع الذي يعيش فيه.. وفعالية الأفكار رهن بشروط نفسية واجتماعية مكونة لثقافة واعية وإيجابية.. والثقافة الواعية تدفع إلى إحداث تغيير عميق في الأسلوب وطريقة التفكير. وبالتالي أحدث تغييرا في جميع العلاقات السائدة في المحيط الاجتماعي.

  • شبكة العلاقات وفاعلية الأفكار في النهوض الحضاري

 إن التغييرات في الحياة الاجتماعية حسب “مالك بن نبي” لا تعزى ابتداء إلى العامل المادي أو الاقتصادي، وإنما تعزى إلى “العلاقات” التي تحول الشروط السابقة للظاهرة الاقتصادية حين توحد عناصرها في خلق حياة إنسانية منظمة من أجل الاضطلاع بالوظائف الاجتماعية في نطاق العمل الذي يصنع التاريخ..

 إلا أن الأفكار وحدها لن تكون فاعلة ما لم تخضع لشبكة علاقات تنظم المجتمع وتحدد أهدافه وغاياته، وكلما كانت شبكة العلاقات أوثق كان العمل فعالا ومؤثرا.

 نستنتج من ذلك أن الحد المثالي للتطور الاجتماعي يخضع للتجانس والترابط الضروري بين الأفكار وشبكة العلاقات الاجتماعية بغرض تحقيق الإنسجام والتوافق وبتحقيق التقدم في أعظم أشكاله..

وكل مرحلة من مراحل التطور تتميز بغلبة عامل محدد يؤثر في تكون الثقافة.. ولا مشاحة أن الأخلاق مصلحة اجتماعية ودليل على قوة العلاقات الاجتماعية، فإذا أصيبت بأسباب التحلل أو اختلت وتمزق نسجها، وامتد التحلل إلى الأفكار والأشياء فسوف تتعطل القدرة الإبداعية على إيجاد الحلول للمشكلات الواقعية، بل سينصب الاهتمام على المشكلات الخيالية أو الوهمية.. مما يعتبر علامة على أن حالة المجتمع آلت إلى الأفول وأصبح عاجزا عن القيام بوظيفته بصورة فعالة، فكل ثقافة إنما هي وسيلة فعالة لتعليم الإنسان كيف يعيش، وكيف يكون شبكة علاقات تتيح للمجتمع أن يؤدي نشاطه المشترك في التاريخ..

 وأن يكون الإنسان سيد نفسه، يتصرف بما يليق بالكرامة الإنسانية، فيعمل ما يريد، وليس قصاراه أن  يساق  إلى ما يراد.. ويهتدي بحاسة الجمال لأنها دليل على صحة التكوين وخلو النفس من الخلل والتشويه.. فينقاد لما يجول في الذهن من أن المعرفة الإنسانية علاقة بين الأفكار والأشياء.

إن الغاية من الثقافة أن نصل إلى عالم الغد عاملين مؤثرين لا تابعين متأثرين. وعلينا أن نسبقه بالتفكير والتدبير..

 فقيمة المفكر تكمن في قدرته على استيعاب علوم عصره وفي قوة بصيرته في معرفة حقائقه.. ووسيلته امتلاك مناهج للتفكير ورؤية نقدية تحليلية، يستطيع من خلالها أن يفهم الواقع الاجتماعي..

 أما الغاية من البناء الحضاري، فهو معرفة القوانين التي تحكم الاضطراد الحضاري  وتحقق شروط الإقلاع والنهوض.. ولا يمكن أن يتم ذلك في غياب المقومات العقدية والفكرية التي صاغت وبلورت التجربة الإنسانية.

ومن نافل القول أن حقيقة الفكرة متجذرة في عمق الشخصية الإنسانية..  منها نشأت الثقافة وولدت الحضارة وتبلورت الفاعلية الاجتماعية في التاريخ.