المقاومة والتحرير : احمدو ولد حرمه ولد ببانا نموذجا / الأستاذ محمد الحافظ ولد محم

الاستاذ محمد الحافظ ولد محم إعلامي موريتاني

لم تعرف موريتانيا منذ نهاية فترة المقاومة المسلحة للمستعمر الفرنسي سنة 1934 زعيما وطنيا يدعو إلى التحرير والمقاومة قبل الزعيم احمدو ولد حرمه ولد ببانا .

ففى سنة 1946 وحينما فاز على الفرنسي (ايفون رازاك) فوزا خارقا بادر الزعيم احمدو للانتصار لشعبه بتخليصه من الإجراءات القاسية  التي كان المستعمر يفرضها على السكان : الضرائب المجحفة والعمل القسري وغيرها ..

وحول احمدو ولد حرمه الساحة الوطنية إلى ساحة للنضال ، وتحت قبة البرلمان الفرنسي كانت مواقفه التحررية مشهودة ؛ فقد عارض تقسيم فلسطين وهدد فرنسا إذا لم تتراجع عن دعمها للكيان الصهيوني فسيعود إلى موريتانيا ويعلن منها الجهاد في سبيل الله .

ومنذ نجاح الزعيم احمد وفى البرلمان الفرنسي بصفته أول نائب موريتاني لم يترك الساحة تهدأ تحت أقدام المستعمرين ؛ فقد أسس أول حزب سياسي معارض للسلطات الاستعمارية هو “حزب التفاهم ” في سنة 1950 ، وخاض الانتخابات البرلمانية كمعارض لمرشح السلطة في سنوات 1946 و1951 و1956 .

وحينما هاجر أسس رفاقه، وتحت إمرته، حزب النهضة الوطنية.

وأسس الزعيم احمدو جيش التحرير الوطني الذي قام بعدة عمليات عسكرية فقد فيه المستعمر عددا من ضباطه وجنوده .

ويمكن القول إن الزعيم احمدو ولد حرمه كان المحرك الأساسي  للساحة السياسية الموريتانية، في حضوره وغيابه ، من سنة 1946 والى سنة 1965 .. أي حوالي عشرين سنة وليس عشر سنوات كما هو وارد في تقارير المستعمر .

ويمكننا من خلال استعراض سيرة هذا الزعيم الوطني أن نتعرف على سجله النضالي المشرف ، فمن هو الزعيم الوطني احمدو ولد حرمه ؟

 

الاسم والمولد والنشأة:

هو أحمدو ابن حرمه ابن المختار ابن محمذن ابن ببانه ابن الأمين ابن أمي ابن اشفاغه عبيد ابن القاضي عبد الله .

ولد سنة 1907م (1325هـ) بمنطقة العقل الواقعة فى الجنوب الموريتانى ( وتحديدا فى بلدة لميلحة الواقعة قرب قرية النباغية حاليا ) .

وقد ولد في نفس السنة التي توفي الشيخ أحمدو ولد الشيخ محمد الحافظ (1325هـ) وتم فيها بناء مدينة المذرذرة .

أما أمه فتسمى (مريم) بنت محمد الأمين الملقب (الننيه) ابن أحمد بيبه ابن عثمان ابن سيدي محمد ابن عبد الرحمن الأخ الأصغر للقاضي عبد الله .

وبذلك يكون السيد أحمدو ولد حرمه قد ترعرع في أسرة كريمة المحتد عريقة في محيطها.

وفي هذا المحيط ووسط محا ظر عدد من جهابذة العلماء نشأ أحمدو بن حرم ليجد نفسه صاحب رسالة قوامها المحافظة على الأصالة والحرص علي نشر الدين الإسلامي ومثله السامية .

دراسته:

بدأ أحمدو حياته الدراسية بالقرء ا ن الكريم وبعد حفظه درس كتب النحو والفقه واللغة .

بيد أن الشيء المثير الذي قام به هذا الشاب هو دخول مدرسة المستعمر بمبادرة ذاتية منه وفي وقت كان سكان البلاد – خاصة في محيطه – ينفرون من المدرسة نفورا شديدا ويخفون أبناءهم خشية أن يأخذهم (النصارى) عنوة إلي مدارسهم.

لقد أدرك على الرغم من صغر سنه أن التعليم العصري له مستقبل وانه لا يتناقض مع المحافظة على الأصالة .

دخل مدرسة المستعمر حوالي (سنة 1925).. وتابع دراسته بمدرسة الأعيان في بتلميت إلي أن حصل على شهادة الدروس الابتدائية في حدود سنة 1933 حيث دخل حقل العمل على الفور.

فترة عمله:

بدأ السيد أحمدو العمل وهو ابن 27 سنة أي في حدود سنة 1934م كمعلم للغة الفرنسية بنفس المدرسة التي تابع فيها دراسته (مدرسة بتلميت) .

لم تطل ممارسته للتدريس على الرغم من أنه تابع عدة دورات للتكوين في هذا المجال، و تحول إلى مهنة أخري كانت سلطات الاستعمار بحاجة ماسة إلى أصحابها وهي مهنة مترجم الذي كان يشكل الوسيط الأساسي بين الإدارة الفرنسية والسكان وهو ما جعل منها مهنة خطيرة وحساسة في تلك الحقبة .

مارس العمل كمترجم في العديد من مناطق البلاد خاصة في امبود ونواكشوط وأطار وبير أم اكرين واكجوجت ونواذيبو وخلف في كل هذه المناطق سمعة طيبة بفضل ما أوتي من وطنية وشجاعة.

وخلال السنوات العشر التي قضاها مترجما انحصرت خلافاته مع رجال المستعمر في التصرفات التي كان يقوم بها غيرة للدين دون أن تأخذه في ذلك لومة لائم. و الأمثلة  في هذا الموضوع تفوق الحصر .

ممارسته للعمل السياسي:

بدأ السيد احمدو فور اطلاعه على مقتضيات دستور الجمهورية الرابعة (اكتوبر 1946) حملته الانتخابية، بعد أن رشح نفسه كاشتراكي في نطاق الفرع الفرنسي للدولية العمالية (S.F.I.O) وقد حصل على دعم الاشتراكيين السنغاليين (سينغور ولمين كي) وكل الساخطين على المستعمر وسياساته الذين وجدوا فيه المنقذ الذي سيخلصهم من نير الاستعمار، وكان لوزن قبيلته ذات الإشعاع الروحي والثقافي دورا كبيرا في نجاحه، كما أن السمعة الطيبة التي اكتسبها في مختلف المناطق التي عمل بها رجحت الكفة لصالحه، يضاف إلى ذلك أن الوعي الإسلامي لدى السكان جعل من اختياره أمرا إلزاميا لأنه لا يمكن تفضيل كافر على مسلم.

هذه العوامل مجتمعة أدت إلى فوز أحمدو ولد حرم في الانتخابات التشريعية التي جرت في العاشر من نوفمبر 1946 على منافسه الرئيسي (ايفون رازاك) وذلك بأغلبية 63% من الأصوات المعبر عنها، وبعد فوزه بدأ تنفيذ وعوده الانتخابية  التي تضمنها تعهده لناخبيه بالمحافظة على الأصالة والسعي إلى التطوير والرقي والتجاوب مع طموحات الشعب وقد لخص برنامجه أثناء حملته الانتخابية في ثلاث نقاط هي:

1 ) – وضع سياسة للماء كما هو الحال بالنسبة للمغرب (سدود وآبار وخزانات للماء)

2 ) –  تشييد طرق سالكة  في مختلف المواسم وخاصة منها التي تربطنا بالمغرب والسنغال لأن ذلك ضروري لاقتصادنا.

3 ) –  تعميم التربية العربية و الفرنسية لأنه يتعين علينا كمسلمين أن نعلم أطفالنا العربية..

ومكن كفاحه أثناء فترته الانتخابية من إلغاء بعض الإجراءات الاستعمارية المجحفة بالسكان مثل العمل القسري كما أنه ألغى ضريبة الشخص التي كان يتعين على كل شخص بذاته دفعها وكذلك الضيافة الإجبارية للجنود والتسخير بكل أشكاله.

وقد نوه الموريتانيون بهذه الانجازات وخلدها شعراؤهم في قصائدهم الفصيحة والشعبية واعتبروها من اعظم مناقبه .

وكانت له مواقف مشهودة في البرلمان الفرنسي إذ عارض تقسيم فلسطين وطالب فرنسا بوقف مساعداتها للكيان الصهيوني بل وهددها بأنها إذا لم تتخل عن مساعدة الصهاينة بأنه سيعود إلى موريتانيا ويعلن منها الجهاد في سبيل الله، وكان لهذا التدخل وقع كبير في البرلمان الفرنسي حيث منحته صحيفة “لموند” الباريسية في عددها الموالي اهتماما كبيرا. وقد استقال من الفرع الفرنسي للدولية العمالية احتجاجا على الاعتراف بإسرائيل.

ووقف في البرلمان الفرنسي ضد نفي الملك المغربي محمد الخامس إلى مدغشقر .

وتميزت سنوات نيابته بنشاط مكثف في موريتانيا كان أحمدو محركه الأساسي من خلال المهرجانات والاجتماعات التي كان يعقدها هنا وهناك ويتابعها إداريو المستعمر عن كثب، حيث يركز على ضرورة الوعي في سبيل الخروج من ربقة الاستعمار، وخلق بخطاباته الحماسية وتصرفاته المدروسة  وعيا بضرورة مواجهة المستعمر ، وأجج  روح الثورة في صفوف السكان، مما جعل الفرنسيين يتأكدون أنه ليس رجلهم المناسب وأنه يلزم السعي إلى التخلص منه، وضربوه في العمق حينما اغتالوا رفيق دربه (ادّ بن الزين ) وذلك فى 5 مارس 1949 ، وكثفوا نشاطهم من أجل الوقوف أمام عودته إلى النيابة.

بعد فوز أحمدو بفترة قصيرة أي في فبراير 1948 تأسس حزب الإتحاد التقدمي الموريتاني الذي ضم الزعماء التقليديين والشباب المتخرجين حديثا من المدارس الفرنسية، وقد استطاع هذا الحزب بسرعة استقطاب غالبية الشيوخ الدينيين والقبليين باعتباره تحالفا بين الوجهاء ضد أحمدو ولد حرم الذي وجدوا أنه يهدد مصالحهم في إطار تعاملهم مع الإدارة الاستعمارية، خاصة أن هذا الحزب اعتبر منذ نشأته امتدادا لحزب تجمع الشعب الذي أسسه الجنرال ديغول.

وحينما أحس أحمدو أن مناوئيه أصبحوا يتوفرون على حزب منظم يهدد أغلبيته الانتخابية قام في يونيو سنة 1950 بتأسيس حزب “الوفاق الموريتاني” الذي تولى فيه منصب المدير السياسي، وأصدر هذا الحزب صحيفة تولى أحمدو إدارتها.

وجعل هذا الحزب من أهدافه النهوض بالبلاد من خلال إقامة هياكل ديمقراطية وعصرية والسعي إلى الوحدة والأخوة في المجتمع.

وعندما حان وقت الانتخابات التشريعية التي جرت في الـ 17 يونيو 1951 رشح حزب الوفاق السيد أحمدو بن حرم الذي خسر هذه الانتخابات بفارق طفيف بينه مع منافسه الرئيسي السيد: سيدي المختار انجاي الذي حصل على 24.753 صوتا، بينما حصل السيد أحمدو على 23.628 صوتا أي بفارق (1125) صوتا.

وطعن أحمدو وحزبه في صحة نتيجة هذه الانتخابات التي اعتبروها مزورة بناءا على أوامر الإدارة الفرنسية التي لم تكن حيادية ، واتهم السيد/ بوياغي ولد عابدين الإدارة الفرنسية بأنها انحازت أثناء الاقتراع لمرشح الاتحاد التقدمي الموريتاني ومارست العنف ضد أعضاء الوفاق لتقضي على حرية التصويت.

وفي الفترة ما بين يونيو 1951 ويناير 1956 كان أحمدو يعبئ مناضلي حزبه في سبيل كسب المزيد من المقاعد في الهيئات المنتخبة ولكن الإدارة الاستعمارية كانت مصرة على الوقوف في وجهه حتى لا يشجع روح الثورة والتمرد بل إن مؤيديه من الفرنسيين (ميتران وبلفن وغيرهم) تخلوا عنه.

وبدأت الإدارة الاستعمارية مضايقته الشخصية:  بتعليق راتبه لأسباب غامضة، وتحويله إلى دكار، ومنعه من زيارة بلده الخاص .. أي أنه محاصر|.

ومع ذلك خاض الانتخابات التي جرت بتاريخ 2 يناير 1956 ليفوز عليه سيدي المختار انجاي مرة أخرى بنسبة 58,6%.

وبعد هذه الانتخابات التي طبعها تزوير فاحش و مفضوح و تدخل سافر للإدارة الاستعمارية من أجل إسقاط و إقصاء أحمدو ولد حرمة ولد بابانا بوصفه عدوا للدولة الفرنسية، بعد أن عبأت الإدارة الزعامات التقليدية و جميع أعوانها لهذا الغرض، جاءت النتائج وفق ما كان متوقعا لصالح الطرف الآخر و كانت أدلة التزوير واضحة و كان من أبرزها أن النتائج أعلنت قبل الانتهاء من فرز صناديق الاقتراع لبعض المكاتب النائية من شرق البلاد.

على هذا الأساس سافر احمدو ولد حرمة إلى فرنسا للطعن في صحة هذه الانتخابات عن طريق الحزب الذي كان ينتمي إليه و طلب من المجلس الدستوري إلغاء نتائجها و إعادتها على أسس سليمة و نزيهة. استجاب المجلس الدستوري لهذا الطعن و أعطى موافقته لإعادة الانتخابات لكن سرعان ما تراجع بفعل ضغوط الإدارة الاستعمارية التي قالت إن مصلحة الدولة الفرنسية تأتي قبل مصلحة الأحزاب و الأشخاص و أن هذه المصلحة اقتضت إبعاد أحمدو ولد حرمة ولد بابانا عن مركز القرار بموريتانيا.

وبعد هذا التراجع من المجلس الدستوري الفرنسي عاد احمدو من جديد إلى باريس ليدافع عن حقه و بينما هو في ذلك أخبرته جهة استخباراتية عربية أن هناك مخططا لتصفيته جسديا و أن عليه أن يغادر الأراضي الفرنسية في أسرع وقت ممكن ووفرت له هذه الجهة الحماية الضرورية إلى أن غادر باريس خفية إلى جنيف  عبر القطار.  فوجد في استقباله عنصرين من الاستعلامات المصرية، احدهما اسمه فتح الديب ولا يزال على قيد الحياة  ويتولى رئاسة المنظمة المصرية  لحقوق الإنسان و الثاني اسمه محمد فايق ، توفي قبل سنوات  ببريطانيا ذهبا به إلى السفارة المصرية حيث استقبله الأستاذ عصمت عبد المجيد( الأمين العام السابق للجامعة العربية )  و كان وقتها سفير مصر في سويسرا .

وهكذا أدرك أن التغيير الذي كان يحاول إحداثه من الداخل لم يعد ممكناً وقرر الهجرة إلى حيث يجد من يدعمه في تطبيق ما يسعى إليه من تخليص موريتانيا من ربقة الاستعمار لتتوفر لها ظروف البناء والتطور.

وحسب ما يروى غابرييل فرال في كتابه ” طبل الرمال ” فان السيد احمدو كان قد ابلغه قبل أن يغادر دكار إلى باريس أن المطالب المغربية إن وجدت لها دعما في الداخل من قبل شخصية سياسية لها وزنها فإن ذلك سيكون خطيراً على فرنسا وكأنه بذلك يريد من السلطات الفرنسية تنازلات سياسية مقابل عدم الالتحاق بالمغرب وفتح جبهة جديدة على فرنسا ولكن السلطات لم تستوعب الرسالة لبساطة التفكير الغربي على حد تعبيرغابريل  أفرال.

لدى مقامه بسويسرا التقى السيد/ احمدو رحمه الله بالزعيم الجزائري فرحات عباس و أطلعه على مشروعه للنضال المسلح و وقع معه معاهدة نضال مشترك.

وبعد أيام أقامها في سويسرا ارتحل إلى القاهرة حيث استقبله و رحب به الزعيم جمال عبد الناصر و منحه حق اللجوء السياسي. و من القاهرة وجه خطابه الشهير إلى الشعب الموريتاني على أمواج إذاعة صوت العرب أعلن فيه الجهاد المسلح ضد المستعمر الفرنسي و إنشاء مكتب لتحرير موريتانيا.

وقد أعلنت صحيفة لوموند في عددها الصادر يوم 27 يونيو 1956 نبأ وصول السيد أحمد إلى القاهرة ليشكل ذلك تحولا سياسيا بارزاً في حياته السياسية.

إثر الإعلان عن فتح مكتب لتحرير موريتانيا اتصل به زعماء دول المغرب العربي المتواجدون آنذاك بالقاهرة و طلبوا منه ضم مكتبه إلى مكتب المغرب العربي بوصف موريتانيا دولة مغاربية فاستجاب لهذا الطلب و نشط داخل هذا المكتب الذي كان عبارة عن منسقية لزعماء دول المغرب العربي المناضلين من أجل استقلال بلادهم وتعرف من خلال نشاطه داخله على العديد من الزعماء: الحبيب بورقيبة، علال الفاسي، عبد الكريم الخطابي…

في الثامن عشر من نوفمبر سنة 1956 حصل المغرب على الاستقلال و عاد الملك محمد الخامس من منفاه. بعد أشهر قليلة قام ولي عهده مولاي الحسن بزيارة لمصر ممثلا للملك محمد الخامس رحم الله الجميع في الاحتفال بعيد الجلاء. التقى احمدو ولد حرمة بولي العهد و جرت بينهما محادثات و من جملة ما قاله احمدو لولي العهد المغربى ان موريتانيا لن تتحرر بالبلاغات  و أنه في حاجة إلى دعم مادي و لوجستي لنضاله التحرري و ذلك من بلد له تماس بموريتانيا.

عاد ولي العهد إلى المغرب و أطلع الملك المغربى  على ما دار بينه من محادثات مع أحمدو ولد حرمة ولد بابانا فأعطى محمد الخامس  التعليمات بتوفير جميع التسهيلات و الإمكانات  لاستقدام احمدو إلى المغرب و المقام به في الظروف التي تمكنه من مواصلة كفاحه النضالي من أجل تحرير بلاده من الاحتلال الفرنسي. و في هذا الصدد أوفد الملك محمد الخامس مبعوثا إلى الرئيس جمال عبد الناصر يستأذنه في السماح لأحمدو بمغادرة مصر إلى المغرب حيث يستطيع مزاولة نشاطه النضالي. رفض الرئيس جمال عبد الناصر بحجة أن المغرب حديث عهد بالاستقلال و لا يزال تحت السيطرة الفرنسية مما لا يطمئن على أمن أحمدو لكنه في الأخير استجاب بضغط من الزعيم فرحات عباس فتم رحيل احمدو رحمه الله إلى المملكة المغربية.

استقبله الملك المغربي فور وصوله و رحب به و قال له إن الدولة مستعدة لتضع رهن  إشارته  كل  الوسائل  المادية  و البشرية  و اللوجستية  من  أجل  مواصلة  كفاحه و مقاومته للاحتلال الفرنسي بموريتانيا.

بمجرد وصول احمدو  إلى المغرب التحقت به من موريتانيا شخصيات وطنية بالغة الأهمية نذكر من بينها الأمير محمد فال ولد عمير أمير اترارزة و ابن أخيه الأمير الشيخ أحمد ولد سيدي و الأمير أحمد عيدة أمير آدرار رحمهم الله جميعا و الدكتور محمد المختار ولد اباه أطال الله بقاءه  و كان وزيرا في أول حكومة للحكم الذاتي برئاسة المرحوم الأستاذ المختار ولد داداه و الدي ولد سيدي بابا رحمه الله و كان كذلك وزيرا في نفس الحكومة و محمد أحمد ولد التقي رحمه الله  و اسماعيل ولد اعبيدنا و ماء العينين ولد النور و محمد الحنشي ولد محمد صالح  و سيدي ولد الداهي  و لا يزالون على قيد الحياة أطال الله بقاءهم و شغالي ولد مـﮔـي و محمد سالم ولد بوبوط  من شيوخ قبيلة أولاد غيلان  كما التحقت به الآلاف من أبناء موريتانيا و الصحراء من شتى القبائل و خاصة منها ذات الشوكة في المنطقة.

انقسم العمل النضالي إلى شقين: شق سياسي تتوسطه الشخصيات السياسية السالفة الذكر و شق عسكري مسلح يباشره تنظيم عسكري هو جيش التحرير، كان قوامه 1200 عنصر جنودا و ضباطا.

وقام بحملة تعبئة واسعة النطاق عبر إذاعة موجهة لموريتانيا وصحف ومنشورات كانت توزع داخل البلاد رغم أنف المستعمر، في حين أقام مراكز للتدريب في عمق موريتانيا وكذلك في الدول المجاورة، وفي فترة وجيزة أصبح جيش التحرير تحت قيادته قوة يحسب لها ألف حساب حيث قام بجملة من العمليات هزت السلطات الفرنسية وأزعجتهم وزعزعت أمنهم .

وكان المنتمون لهذا الجيش يؤدون اليمين على المصحف على أساس أن هدفهم هو المستعمر ولا يتعرضون للمسلمين بقتل ولا نهب ومن خالف يعقد له مجلس تأديب خاص ينظر في عقوبته .

وقد قررت السلطات الفرنسية محاكمة الزعيم احمدو  غيابيا وأصدرت محكمة فرنسية في دكار ( أغشت 1958 ) الحكم بالإعدام على احمدو ولد حرمه مع مصادرة ممتلكاته وأصدرت أحكاما أخرى متفاوتة القساوة على عدد من المناضلين السياسيين . وكانت قد قررت حل حزبه السياسي ” حزب التفاهم “.

بقي السيد أحمدو منهمكا في تنظيم المقاومة على الصعيدين العسكري والسياسي رافضا أي منصب في الحكومة المغربية لا يمت بصلة مباشرة للمهمة التي جاء من أجلها إلى المغرب ولم يثنه الإعلان عن استقلال البلاد في الـ 28 نوفمبر 1960 إذ اعتبر ذلك خدعة من المستعمر الفرنسي، وتعزز لديه عندما اطلع على الاتفاقيات التي وقعت في يونيو 1961 بين فرنسا والحكومة الموريتانية وقد اعتبر أن هذه الاتفاقيات تفرغ الاستقلال من محتواه.

وقد جاء الإعلان عن هذا الاستقلال  في وقت كان فيه أحمدو قد قبل تحت ضغط من العاهل المغربي محمد الخامس تعيينه سفيرا للمغرب لدى المملكة الليبية ذلك أن تعيين حكومة مغربية في أواسط مايو 1959 برئاسة السيد عبد الله ابراهيم ترغب في تحسين العلاقات مع فرنسا فرض خروج السيد أحمدو من المغرب الذي عاد إليه عند سقوط هذه الحكومة أواخر سنة 1960.

وكان ذلك المنصب الوحيد الذي قبله أحمدو أثناء وجوده في المغرب وهو مقتنع أنه لا علاقة له بمهمته..

في سنة 1965  تم حل جيش التحرير الذي قام بعمليات ناجحة لعل من أشهرها عملية انفجار النعمة التي خلفت عددا من القتلى في صفوف الضباط والجنود الفرنسيين.. وحكم على إثرها مرة أخرى بالإعدام على أحمدو إلى جانب عدد من مناصريه وذلك في مارس من سنة 1962.

وما من شك في أن هجرة أحمدو ولد حرم إلى المغرب وإسماعه لصوت موريتانيا المطالبة بالاستقلال والتجاوب الذي لقيته دعوته داخل البلاد وفي الوطن العربي وانطلاق العمليات العسكرية من جديد عوامل دفعت إلى التعجيل برحيل المستعمر قبل الموعد المحدد، ذلك ما يعترف به جوزيف روجي بنواست (JOSEPH-ROGER-DE BENOISTE) في كتابه “افريقيا الغربية الفرنسية من مؤتمر ابرازافيل 1944 إلى الاستقلال 1960” حيث يقول “لقد كان صعبا على الرئيس المختار ولد داداه أن يؤخر مسيرة موريتانيا نحو الاستقلال فقد كان مدفوعا من قبل الوطنيين في النهضة الوطنية”.

ويذكر هذا الكاتب الفرنسي أن الجنرال ديغول اتفق مع المختار ولد داداه على أن يكون الاستقلال خلال سنة 1961 لكن ظروف المقاومة اقتضت التعجيل بموعده سنة، وفيما كان التحضير جاريا للحصول على الاستقلال ظهر مرسوم بتاريخ 19 أكتوبر 1960 يحل حزب النهضة الوطنية “لنشاطه التخريبي” – على حد تعبير جوزيف روجي دينوا ست.

اعتزاله للعمل السياسي

فى سنة 1965 اعتبر السيد أحمدو أن مهمته قد اكتملت عندما تأكد أن الجنود الفرنسيين قد خرجوا من البلاد لأنه كان قد التزم بمواصلة الكفاح إلى أن يخرج آخر جندي فرنسي من موريتانيا.

وفي سنة 1967 طلب من الملك المغربي الحسن الثاني السماح له بمغادرة المغرب للمقام بالديار المقدسة، وقد برر حرصه على الانتقال من المغرب بأنه وجد أن بقاءه في الوقت الذي أصبحت فيه الحكومة المغربية بصدد الاعتراف بموريتانيا يشكل عائقا أمام هذا الاعتراف الذي ستكون – بلا شك- فوائده أكثر على موريتانيا من المغرب في تلك الفترة .

وبقي  احمدو ولد حرمة في السعودية في الفترة ما بين 1967 ـ 1974 كمستشار للأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، حيث كان يعد برنامجا إذاعيا باللغة الفرنسية موجها إلى إفريقيا، كما أرسلته الرابطة في عدة مهمات خاصة منها: تعليم الرئيس الغابوني مبادئ الإسلام بعد أن أعلن إسلامه، وكانت له جولات في إفريقيا لممارسة الدعوة إلى الله وقد بقي على صلة بالرئيس الغابوني عمر بونغو مدة سنتين.

وعلى إثر العفو عنه الذي صدر في فرنسا أثناء عهد الرئيس الفرنسي جورج بومبدو سنة 1973 وبتدخل من بعض الساسة الفرنسيين مثل (بلفن ـ PELVEN) و (دمدوي DEMODOUI) تم نقض الحكم الصادر في حق احمدو واعتبرت المحكمة الفرنسية أن عمل احمدو الذي حوكم عليه في الخمسينيات “عمل مقاومة” وليس “عملا تخريبيا” ؛ لذلك قررت رد الاعتبار إليه ومنحه حقوقه كاملة .

واطلعت الحكومة الفرنسية الحكومة الموريتانية على ذلك، وطلبت منها منحه حقوقه المتعلقة بالدولة الموريتانية ، وبضغط من الرئيس السنغالي سينغور والرئيس الغابونى عمر بونغو قامت محكمة موريتانية بتحويل الحكم بالإعدام على احمد والى حكم بالسجن المؤبد ، ثم اصدر الرئيس الموريتاني عفوا عنه في أواخر 1973 ، إلا أن ملف حقوق الزعيم احمدو لم تبت فيه الحكومة الموريتانية إلا في يوليو 1979- أياما فقط قبل وفاته –  واعتبرت في ذلك الوقت انه لا حقوق لديه عليها .. والواضح أن هذه الحقوق مازالت عالقة بذمة الدولة الموريتانية.

دوافع صراع السيد أحمدو ولد حرمة مع المستعمر الفرنسي:

لقد كانت دوافع هذا الصراع دوافع دينية في مجملها إذ كان يشعر دائما أنه يخوض صراعا بين الإيمان والكفر، وأن إغاظته للكفار سبب في اكتساب العمل الصالح من خلال مرضاة الله تبارك وتعالى.

إن أحمدو كان يعتبر نفسه داعية إلى الله يدافع عن القيم الإسلامية، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا تأخذه في الله لومة لائم، لم يمنعه تسلط المستعمرين من أن يقول كلمة الحق ويدافع عن أبناء المسلمين في وجه الطغاة الاستعماريين.

كان يحس بأنه لا بد من الكفاح من أجل التخلص من ربقة المستعمر وأن الإذعان له ليس من مصلحة الدين أو الدنيا، وكان يشعر بأن السلطات الفرنسية لا تريد تعمير البلاد بل تحرص على تخلفها، فلم تقم ببناء أية منشآت ولم تسع إلى النهوض بالتنمية خلافا لما فعلت لأقاليم أخرى.

لذلك اقتنع أحمدو ولد حرم بأن كفاح المستعمر واجب ديني بحسب ما استطاع المسلم إعداده من قوة، فكانت البداية مع النضال السياسي ثم جاء دور المقاومة المسلحة –في آخر المطاف- لإرغام الفرنسيين على الخروج السريع من البلاد.

أغراض هذا الصراع:

جند أحمدو ولد حرم نفسه للكفاح من أجل تخفيف معاناة أبناء وطنه الذين كانوا قبل توليه النيابة يعيشون مختلف أنواع القهر والتسلط، فكان صراعه في سبيل القضاء على كل أنواع التعسف خاصة منها العمل القسري والضرائب المجحفة ومصادرة الممتلكات التي تعوّد عليها جنود المستعمر الذين كانوا يمارسون كل أنواع القهر والاستبداد.

وتحققت لأحمدو أولى أهدافه حينما تمكن من القضاء على كل تلك الإجراءات المجحفة؛ لكنه واصل النضال من أجل أن يتبوأ المواطن المخلص لوطنه مكانة مناسبة للمساهمة في تسيير شؤون البلاد من خلال المجالس المنتخبة وغيرها.

بيد أنه لم يلبث أن أدرك أن الحلول النصفية مع المستعمر مضيعة للوقت وأنه لا بد من التصميم على إخراج الفرنسيين بالقوة مسترشدا بالكفاح المسلح الذي يخوضه الشعب الجزائري المجاور ومقتنعا بأن القوى التحررية العربية ستدعم الشعب الموريتاني إذا دخل في مرحلة الكفاح المسلح.

لم يتخل عن سلاحه السياسي بل عززه بالبندقية وأعلنها حربا على المستعمر من خارج البلاد انطلاقا من المغرب..

خصــــــالـــــه:

ما كان للسيد أحمدو ولد حرم أن يخوض غمار هذا الكفاح لولا خصال ومميزات شخصية أهلته لتحمل المسؤولية ويمكن أن نعرض لها باختصار في الوقت الذي نحيل القارئ إلى الإنتاج الغزير (فصيحا وحسانيا) تنويها بالرجل أثناء حياته وبعد مماته، ولو جمع ذلك الإنتاج لتطلب عدة مجلدات.

 

تمسكه بالدين وورعه:

عرف منذ شبابه بالتمسك بالدين الإسلامي الحنيف وحرصه على أداء واجباته الدينية ولو تطلب منه ذلك التضحية بعمله، وقد تعهد بحفظ القرآن الكريم والمداومة على قراءته وهو الأمر الذي واظب عليه إلى أن توفي.

ويروي السيد الداه بن محمد عبد الرحيم نقلا عن المرحوم ادّ ولد الزين أنه نزل مع أحمدو في فندق في باريس ذات مرة وفي الصباح جاءته فرنسية كانت في شقة مجاورة لهما وقالت له: انصح صاحبك هذا بترك الغناء آخر الليل.. فلما ذكر ذلك لأحمدو قال له إنها طرقت عليه الباب عدة مرات وهو يرتل القرآن تطلب منه أن يتركها تنام .

ولم يكن ينام من الليل إلا أربع ساعات حيث يحرص على ختم القرآن مرتين في الأسبوع تهجدا وقراءة، وقد كان مواظبا على الورد التجاني.

ولم يقبل للفرنسيين التدخل في ممارسته للشعائر الدينية خاصة أداء الصلاة في وقتها.

كان داعية إلى الله يحكم الكتاب والسنة في تصرفاته، وحينما تفرغ للدعوة سنة 1967 تمكن من إدخال العديد من الشخصيات الإفريقية للدين الإسلامي الحنيف خاصة من وزراء الغابون، وكان برنامجه الموجه إلى الأفارقة باللغة الفرنسية فرصة لتعلم الإسلام والتفقه فيه وقد برع في ذلك بفضل علمه وتجربته الواسعة وتمسكه بالدين.

ولم يكن كفاحه للمستعمر إلا لأسباب دينية فهو يرى أن شعب موريتانيا المسلم لا يمكن أن يبقى تحت سيطرة دولة كافرة.

لم يقبل المداهنة تحت أي ظرفية لإيمانه بالله.

أخلاقه:

الذين خاضوا معه العمل السياسي يقولون إنه كان دمث الأخلاق موطأ الأكناف يوقر الكبير ويرحم الصغير، يقابل المسيئ بالإحسان، يقف في حاجات المسلمين بلا استثناء، يساوي بين الغني والفقير، يعطي المحتاج بكرم وسخاء، يقابل المواطنين بابتسامة وتواضع في حين يتسم مع رجال المستعمر بالعنف تكبرا على المتكبرين، يكرم الضيوف أيا كانوا رغبة في الأجر من الله ويحسن إلى جيرانه.

 

شجاعته:

عرف السيد أحمدو بشجاعته التي لا تعرف حدودا حيث إنها العامل الأساسي في النجاح الذي حققه والسمعة الطيبة التي خلفها.

يظهر ذلك جليا من خلال تحديه للإدارة الفرنسية المحلية وهو إذ ذاك موظف صغير معها، ثم دخوله المعترك السياسي كأول واحد من عنصره في وجه مرشحي المستعمر.

وتجلت شجاعته في مواقفه الجريئة داخل البرلمان الفرنسي كاعتراضه على الاعتراف بإسرائيل وتهديده لهم بإعلان الجهاد في سبيل الله في موريتانيا إذا لم توقف فرنسا مساعداتها لإسرائيل.

عودته للوطن ووفاته:

لقد كان السيد احمد ولد حرمة مرتبطا بوطنه الأم وحريصا على العودة إليه على الرغم من العراقيل التي وضعت أمامه حيث كان محكوما عليه بالإعدام مرتين ووجد خلال مقامه بالمغرب وفي السعودية من الظروف والامتيازات والإمكانيات ما يجعله يتسلى عن الوطن.. لقد كان الملوك والأمراء حريصون على بقائه في بلدانهم لكنه كان يترقب اليوم الذي يسمح له بالعودة إلى وطنه.

وعندما سنحت له الفرصة من خلال العفو عنه بادر بالعودة إلى موريتانيا لأول مرة بعد هجرته سنة 1974 وشيد منزلا في تمبيعلي محققا بذلك أمنية صاحبته طيلة هجرته كما استقر في نواكشوط وشيد بها منزلا كبيرا سنة 1976 وهو المنزل الذي تقيم فيه أسرته إلى اليوم..

و قد توفي السيد أحمدو ولد حرم يوم السبت 12 شعبان 1399هـ الموافق 7 يوليو 1979 ودفن في مقبرة تمبيعلي ( بقيع الكبله كما وصفها العلامة باب ولد احمد بيب ) حيث يوجد آباؤه وأجداده  رحم الله الجميع رحمة واسعة .