الملتقى السابع لمنتدى تعزيز السلم يوصي بصياغة مشروع اتفاقية “الميثاق العالمي للتضامن الإنساني”(نص البيان الختامي)

الصدى – وام /

 أوصى الملتقى السابع لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة في ختام أعماله أمس – التي عقدت برعاية سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي تحت عنوان “قيم ما بعد كورونا: التضامن وروح ركاب السفينة” – بالعمل على صياغة مشروع اتفاقية تحت مسمى “الميثاق العالمي للتضامن الإنساني” وعرضه على هيئة الأمم المتحدة لضمان تحقيق قيم عالم ما بعد كورونا و درء لعودة المجتمع الإنساني إلى ما كان عليه قبل كوفيد – 19.

 

ودعا الملتقى – الذي عقد عبر تقنية الاتصال المرئي عن بعد لمدة ثلاثة أيام برئاسة معالي الشيخ عبدالله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم، رئيس مجلس الإمارات للافتاء الشرعي، رئيس المجلس العلمي الأعلى لجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية وبمشاركة وزراء وممثلي حكومات ومنظمات دولية وقادة دينيين وشخصيات رفيعة المستوى، ومئات المفكرين والأكاديميين والباحثين، وممثلي منظمات المجتمع المدني والشباب حول العالم – المجتمع الدولي والدول الغنية إلى التضامن مع الدول الفقيرة وإشراكها في ثمرات البحوث العلمية، وإلى توزيع اللقاحات على الجميع بلا احتكار ولا استغلال.

 

وأكد الملتقى على أهمية تشجيع المبادرة والابتكار في مجال تكنولوجيا الصحة العامة والتطبيب في الدول الفقيرة والنامية التي أظهر بعضها مؤهلات غير متوقعة في تدارك نقص الوسائل والمعدات، داعيا إلى إنشاء صندوق دولي موحد للطوارئ والكوارث والأزمات.

 

وحث الملتقى على عقد شراكات بين صناع القرار ورجال الفكر والدين لإشاعة خطاب السلم والمحبة والأخوة الإنسانية والوقوف في وجه خطاب التطرف والتحريض، داعيا إلى تنسيق جهود القادة الدينيين والإعلاميين وذوي التأثير في الرأي العام وأهل الاختصاص من الأطباء وعلماء الأوبئة لمواجهة الإشاعات والأفكار المغلوطة، وتشجيع الهيئات الدينية الرسمية والمجامع الفقهية على الاجتهاد في القضايا المستجدة من أجل تحقيق المصالح المعتبرة.

 

كما حث الملتقى المجتمع المدني على مواصلة جهود التعبير عن الشكر والامتنان والوفاء لمن هم في الصفوف الأمامية في مواجهة الوباء وابتكار المزيد من المواقف الاجتماعية والتعبيرات الرمزية المستوحاة من ثقافة المجتمع مع أهمية مواصلة كافة الإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية حتى تنجلي الغمة وتنكشف الأزمة.

 

وأكد الحاجة في الظرف الراهن إلى هبَّة ووقفة إنسانية يتجه فيها الضمير العالمي نحو مراعاة وحدة المصير الإنساني في كثير من القضايا الكبرى، الأمر الذي يتطلب تعاونا وتضامنا وتشاركا عالميا.

وفيما يلي نص البيان الختامي :

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد ..

 

فانطلاقا من قول الله عز وجل /ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات- سورة البقرة: 148/ ومن حديث “أصحاب السفينة” النبوي الرامز إلى المسؤولية المشتركة لمن جمعتهم وحدة الوجهة والمصير عن سلامة الخيارات وحكمة القرارات .. واستجابة للتّحديات الوجودية التي تواجه الإنسانية جمعاء، جراء وباء كوفيد 19 المستجد /كورونا/ الذي غيّر برامج وخطط البشرية، وأعاد ترتيب أولوياتها وساءلَ توجّهاتها القيمية .. واستشرافا لإمكانيات تطوير قيم كونية مشتركة أقرب إلى الإنصاف والتضامن والأخوة الإنسانية، بروح جديدة هي روح “ركاب السفينة” .. وتكاملا بين الجهود الميدانية الرائدة لدولة الإمارات العربية المتحدة على مستوى العمل التطوعي الإنساني والتضامن المجتمعي والدولي أثناء الأزمات عموما وفي التصدي لهذا الوباء على المستويات الطبية والاقتصادية والإنسانية بوجه خاص وبين مسؤولية التفكير والتنظير في مآلات الإنسان والعمران والأوطان في مرحلة ما بعد الوباء .. وعطفا على المؤتمر الذي عقد في يوليو الماضي بالتعاون بين مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي برئاسة معالي العلامة عبدالله بن بيّه و رابطة العالم الاسلامي تحت قيادة معالي الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى حول “فقه الطوارئ” والذي عالج الأزمة من النواحي الفقهية.

 

انعقد بأبوظبي الملتقى السنوي السابع لـ”منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” حول ” قيم عالم ما بعد كورونا: التضامن وروح ركاب السفينة” من 22 إلى 24 من ربيع الثاني سنة 1442 هـ الموافق لـ 7 إلى 9 ديسمبر 2020م برعاية كريمة متواصلة من سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي وبتشريف ومتابعة من معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التسامح والتعايش، وبرئاسة معالي العلامة الشيخ عبدالله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي.

 

وقد حظي الملتقى بمتابعة الآلاف من المشاهدين لجلساته وأعماله عبر منصته الالكترونية و مواقع التواصل الاجتماعي، كما احتضن قرابة خمسين مشاركا ما بين وزراءَ وممثلي منظمات أممية وسفراءَ وممثلي هيئات حكومية ومراكزَ ومنظماتٍ دولية ومفتين وعلماء وقضاةٍ وقياداتٍ دينيةٍ ومفكرينَ وشخصياتٍ أكاديمية ونواب برلمانيين وأطباءَ ورياضيين وغيرِهم.

 

وقد افتتح المؤتمر بكلمة لمعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التسامح والتعايش، حيث بيّن معاليه في كلمته ملامح رؤية دولة الإمارات العربية المتحدة القائمة على قيم التسامح والتعايش والتكافل والعدل وبذل الخير للجميع دونما تمييز، مؤكدا أن هذه الرؤية لم تزل توجه مسيرة البلد منذ تأسيسه.

 

كما شارك في الجلسة الافتتاحية أصحاب المعالي الشيخ الدكتور محمد عبدالكريم العيسى أمين عام رابطة العالم الإسلامي، والدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف المصري والشيخ الدكتور نور الحق قادري وزير الشؤون الدينية بباكستان، وسعادة السفير سام براون باك سفير الحريات الدينية بوزارة الخارجية الأمريكية، ومعالي السيد ميغل أنخل موراتينوس الممثل السامي لتحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة وصاحب الغبطة جستن ولبي رئيس أساقفة كانتربري وسعادة البروفيسورة ميليسا روجرز المدير السابق لمكتب الشراكات الدينية في البيت الأبيض .. كما شارك حضرة الحاخام إفرايم ميرفيس، الحاخام الأكبر لبريطانيا في الجلسة العلمية الأخيرة.

 

وسلّم معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التسامح والتعايش ومعالي الشيخ عبدالله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم، “جائزة الامام الحسن بن علي الدولية للسلم” هذا العام لمكتب “فخر الوطن” تقديرا ودعما لجهود أبطال الخطوط الأمامية، الذين ضربوا أروع الأمثلة في التضحية والإيثار والتفاني في خدمة الوطن، والدفاع عن حياة أبنائه والمقيمين فيه.

 

وقد تدارس المشاركون في المحاور الثمانية لهذا الملتقى طبيعة وأبعاد الأزمة العالمية المترتبة على وباء كوفيد -19 المستجد ومساءلَتها للتوجهات القيمية للإنسانية ودورَ قيم التراحم والتضامن والتعاون وإشاعة السكينة في مواجهة هذا الوضع والتخفيف من آثاره وتداعياته مسلطين الضوءَ على النقلة النوعية والقوة الاقتراحية التي يمثلها حلف الفضول الجديد لكونه يؤسّس لنموذج متوازن من التسامح والحرية المسؤولة والمواطنة الإيجابية والاقتصاد المتضامن، بحيث يمكن أن يكون هو نموذج العقد الاجتماعي الجديد الذي ترنو إليه البشرية وتتطلع إليه.

 

كما تطرق المشاركون إلى القضايا الفقهية المستجدة التي أثارتها هذه الأزمة على جميع الأصعدة من منظور “فقه الطوارئ” المركب من الدليل الشرعي والواقع بحثا عن التيسير والرخص الشرعية لقيام موجبها، وإلى الحاجة لتعزيز دور الدولة الوطنية وتقوية التعاون الدولي لتجاوز مفارقات العولمة.

 

وتدارس المشاركون نماذج إيجابية في التعامل مع الجائحة بروح التضامن والتعاون في مجالات مختلفة كتطوير اللقاح، وممارسة الشعائر الدينية مع الحفاظ على سلامة المصلين، ومساعدة الاقتصادات الضعيفة.

 

وخصصت الجلسة العلمية الأخيرة لآفاق عالم ما بعد كورونا وفرص ميلاد إنسان جديد وصنع عالم أفضل يستلهم “روح ركاب السفينة” في وعيهم بالمسؤولية المشتركة التي تمليها وحدة المسار والمصير.

 

وقد خلص المشاركون في الملتقى السابع لمنتدى تعزيز السلم بعد تبادل وجهات النظر في القضايا المدروسة، مستحضرين خصوصية الظرفية العالمية وانفتاح مآلات المجتمع الإنساني على كل الاحتمالات المرجوة والمخوفة، إلى ما يلي : أولا- النتائج: 1 – في طبيعة الأزمة المتولدة عن وباء كوفيد 19 المستجد: – إن لهذه الأزمة فرادتها في العصر الحديث، لما امتازت به من شمول آثارها وتعدد تجلياتها في مجالات ومناحي الحياة المختلفة، إنها أزمة في ضمنها أزمات.

 

– تواشجت في هذه الأزمة الآثارُ الصحيةُ بالاقتصاديةِ والسياسية والنفسية والدينية والقيمية مرتبطةً بعضها ببعض في شبكة من العلائق في غاية التركيب والتعقيد.

 

– إن مظاهر هذه الأزمة على تعدّدها يمكن النظر إليها بوصفها مجموعةً من التجاذباتِ وجدت البشرية نفسَها مطالبةً بتدبيرها على نحو استعجالي.

 

– إن من بين أهم هذه التجاذباتِ التجاذبَ بين مقتضيات حفظِ النفس البشرية ومتطلباتِ حفظ المال، وبين منطق البحث العلمي ومنطق السوق، وبين اليقين والشك، وبين العولمة والدولة الوطنية، وبين منطق الحريات ومنطق الواجب، وبين كُلِي النفسِ وكُلِيِ الدين.

 

– إن الأزمة وإن كانت في مبداها أزمةً صحيةً إلا أنها سرعان ما استحالت أزمةً في القيم، أزمةً من النوع الذي يختبر أخلاقنا وقيمنا وإيماننا وقدرتنا على التضامن ليس على مستوى الأفرادِ فقط وإنما على مستوى الدولِ أيضا.

 

2 – في دروس هذه الأزمة والعبر المستخلصة منها : – علمتنا هذه الأزمة دروسا وأشهدتنا حقائقَ منسية، فبانت هشاشةُ الجنس البشريّ وضعفُه الملازمُ لكينونته المطبوعُ في فطرته، كما أظهرت محدوديةَ العلم الإنساني وقصورَه المعرفي الباعث على التواضع.

 

– إنّ الأزمات هي فرص للمراجعات وإن هذه الجائحة التي أوقفت نبض الحياة السريع منحتنا في المقابل فرصةً استثنائية لنستأنف التّفكيرَ ونُعيدَ التقويم، نطمح أن تتولد عنها فرص كثيرة وعلى مستويات عديدة للإصلاح والتصالح.

 

– إن هذه الأزمة فرصة للبشرية يجب اغتنامها لوقف تيار العنف المتدفّق، ووضع السلاح امتثالا لدعوة العقل والدين، واستجابة لنداء العالم الذي أطلقته الأمم المتحدة وأولو بقيّة من العقلاء.

 

– إن هذه الأزمة فرصة لبلورة رؤية جديدة تضبط التوازن بين الكليات بشكل يضمن منظومة اقتصادية أكثرَ عدالة ورحمةً، منظومة تتخذ الإنسان غاية فتركّز على تنمية الحياة وتستثمر في تعزيز السلام، عوضا عن اقتصادات الحروب الهدّامة.

 

– إن هذه الأزمة أكدت استحالة الاستغناء عن دور الدولة الوطنية في حفظ المصالح الحيوية للمجتمعات وخاصة في ظروف الأزمات والكوارث الشاملة مما يستدعي تعزيز مكانتها وقدراتها في هذا المجال تشريعيا واقتصاديا.

 

-إن هذه الأزمة مناسبة نادرة لنا نحن أبناء البشر لاكتشاف مكامن الخير المطمورة فينا وقيمنا الضامرة، لاستعادة روح الإنسان المنطلق نحو المطلق، المتحرّر من قيود ذاته، وحدود أنانيته، وللتخلص من المنطق المعوّج لصراع الخصوصيات.

 

– إنّ ميلاد إنسانٍ جديد ليس أمرا مستحيلا ولا حلما طوباويا، إذا نحن استطعنا أن نستخلص الدروس ونستلهم العبر، ولكن هذا الميلاد لن يتحقق إلا بقدر ما تُهيَّأُ أسبابه اليوم؛ فما المُستقبل إلا ثَمرة للحاضر.

 

– لقد كشفت الأزمة الحالية للجميع قصور المقاربات الأنانية التي لا تقيم وزنا للمشتركات، وعجزها عن مواجهة خطر لا يفرّق بين شعب وشعب، أو يتنكّب أرضا دون أخرى، بل يصيب الجميع، على تنوع أعراقهم وتعدّد نحلهم وأديانهم.

 

– أكدت هذه الأزمة المصير المشترك بين البشر، فلم نكن في يوم من الأيام أكثر ترابطاً ولا تواصلاً منا اليوم. لقد هدمت هذه الجائحة كل نظريات الفصل أو التمييز على أساس العرق أو اللغة أو التنمية، وأثبتت أننا في نسق واحد مترابط بيئيا وصحيا واقتصاديا وثقافيا.

 

– إن هذا الترابط في الأوضاع والمصائر لا يقتصر على بني الإنسان بل يتعداهم إلى أمم كثيرة من المخلوقات المتنوعة تشارك البشر هذه المعمورة في نظام كلي متزن إذا اختل جزء منه سرى الخلل إلى سائره.

 

– إن ذلكم الترابط يجعلنا نحن ساكنةَ هذا الكوكب بمثابة “ركاب السفينة” الذين يشير إليهم الحديث النبوي. فالسفينة الواحدة ولو كانت ذات درجات متفاوتة إلا أنها في النهاية محكومة بمسار واحد ومحكوم عليها بمصير واحد يتوقف على كيفية إدارة دفتها ودرجة الحرص على سلامتها.

 

– إن الوعي بوحدة المسار والمصير ينبغي أن يثمر روحاً تبعث على الفعل، روحا هي روح ركّاب السفينة الذين يؤمنون بالمسؤولية المشتركة وبالحرية المسؤولة المرشَّدة وبواجب التّضامن والتعاون ويتخذونها منهجا.

 

3 – في مباديء وقيم “روح ركاب السفينة” : – إن المشاركين في هذا الملتقى يستشرفون إمكانيات تطوير قيم كونية مشتركة أقرب إلى الإنصاف والتضامن والأخوة الإنسانية، بروح جديدة هي روح أصحاب السفينة.

 

– إن مادة هذه الروح هي الإيمان بالمسؤولية المشتركة وأما صورتها فهي التضامن والتعاون، وغايتها هي الحفاظ على الكليات، المعبر عنها في الحديث بلازمها الشرعي وهي حدود الله.

 

– إن روح ركاب السفينة ترتب على القويّ مسؤوليةً تجاه الضّعيف، وكذلك على الغني نحو الفقير، والعالم تجاه الجاهل، وعلى أهل القيم تجاه الآخرين، وهي مسؤوليةٌ تنشأ من قيم الأخوة والكرامة الإنسانية والأمل في إمكانية العيش المُشْتَرك.

 

– ينبغي أن يسود في هذه السفينة، مبدأ الحرية المسؤولة، التي لا تتعدى على حدود الآخرين، ولا تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو التشغيب على النظام الكلي لركاب السفينة.

 

4 – في المقتضيات العملية لـ”روح ركاب السفينة” : – إن روح ركاب السفينة تدعونا إلى أن نوقف تلويث البيئة ونكفّ عن الفساد في البرّ والبحر، وتأمرنا أن نَتوقّف فورا عن الحروب.

 

– إن هذه الروح تستوجب منا السماحة والتراحم فنحبّ لغيرنا ما نحبُّ لأنفسنا، مما يقتضي توزيع اللّقاحات للجميع بلا احتكار أو استغلال، وأن تُنظِر الدول الغنيةُ الدول الفقيرةَ إلى حين مَيْسرة أو تضع عنها من ديونها التي تنوء بحملها.

 

– إن روح ركاب السفينة تُهيب بنا أن نبتكر نموذجا تنمويا يوفّر الرّفاه والازدهار والاستقرار للجميع، تكون فيه ثمرات العقول مبذولة لفائدة الجميع فلا يستأثر بها القوي أو يحتكرها الغني، عالما تتنافس فيه الأمم في الخير، وتستبق فيه الدول في تقديم الضيافة الإبراهيمية للمهاجرين والنازحين.

 

– إن هذه الروح ترشدنا إلى بناء مجتمعات الطمأنينة، مجتمعات يسود فيها الأمن، وتستحيل فيها روح التعصُّب والتمذهب إلى روح التسامح والتحبُّب، وتصان فيه لكلِّ إنسان كرامته الأصلية التي نالها البشرُ جميعا على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ومعتقداتهم بنفخ الباري عز وجل من روحه في أبيهم آدم عليه السلام.

 

– بروح “ركاب السفينة” نسترشد في البحث عن المواءمات والملائمات والحلول التوافقية والتسويات الوسطية والتنازلات المتبادلة التي هي من صميم منطق العيش المشترك، وبهذه نقوم بالوساطة اللازمة في عصرنا بين مبدأي الحريّة والمسؤولية.

 

– تقتضي روح “ركاب السفينة” الدعوة إلى هبة ضمير عالمية تعيد لقيم التعاون والتضامن والتراحم فاعليتها، وتقدّم مفهوماً جديداً للإنسانية يتجاوز المفهوم المحايد لحقوق الإنسان المتمثل في المساواة ليرتقي إلى إيجابية قيم الفضيلة التي تُشعر الآخر بدفء المحبة والأخوة.

 

– إن من دواعي التفاؤل والأمل في غد أفضل كونَ هذه الأزمة أذكت جذوة التضامن بين البشر فرأينا وسمعنا بالكثير من النّماذج الملهمة لأفراد استطاعوا أن يتجاوزوا ذواتهم ليبثوا الخير ويبذلوا المحبة، ولدول تسامت عن حسابات السياسة والعلاقات الدولية لترقى في استراتيجياتها إلى سقف التعاطف والترابط الإنساني.

 

– إن التّضامن لكونه التزاما بما فيه بما فيه خير الآخرين مرتبة عليا ترقى بالإنسان من الاعتراف إلى التعارف، ومن ضيق الذّوات إلى فُسحة المشترك، ومن تشرذم الأقليات والهويات الحرجة إلى وحدة الأكثرية الجامعة : مجتمعِ الإنسانية الكبرى.

 

– إن “روح ركاب السفينة” تحفزنا إلى الارتقاء بالتضامن من الصيغ الجوفاء والممارسات الهامشية التي اختزلته فيها حضارة السوق، ليعيد الارتباط بقيم الرحمة والإيثار ومعاني التعاون والإحسان التي تسمو فوق الحقوق، بيد أنها ضروريّة لها، فهي التي تسندها وتضمن لها الفاعلية والنجاعة، وهي الأرضية المشتركة المتينة التي تقوم عليها.

 

– إن “روح ركاب السفينة” كانت حاضرة بقوة في رؤية الإمارات واستراتيجيتها لمواجهة تداعيات هذه الأزمة العالمية حيث اضطلعت بدور تضامني ريادي استفادت منه أكثر من 70 دولة تضررت من هذا الوباء .. فكانت إغاثة الإنسان من حيث هو إنسان البوصلةَ والهدف الأسمى لذلكم الدور وتلكم الجهود.

 

– إنّ ميثاق حلف الفضول الذي أصدره “منتدى تعزيز السلم” وشركاؤه السنة الماضية /2019م/ في أبوظبي يمثل التجسيد المفهومي والإجرائي الأمثل لروح “ركاب السفينة”، وبذلك يمكن أن يشكّل مرجعية قوية لهذه الانطلاقة الجديدة بقيمه الجامعة المشتركة بين عقلاء البشر على اختلاف أجناسهم ومعتقداتهم ومشاربهم وبقابليته للتنزيل كمنهج عملي وبرنامج تطبيقي.

 

– إن القيم التي قام عليها ميثاق “حلف الفضول الجديد” ما تزال قادرةً على أن ترشد العالم وتقترح الحلول، ولا سيما في هذه المرحلة العصيبة التي تمرُّ بها الإنسانية جرّاء أزمة وباء كوفيد 19 المستجد – إن ميثاق “حلف الفضول الجديد” يمكن أن يكون هو نموذج العقد الاجتماعي الجديد الذي ترنو إليه البشرية وتتطلع إليه؛ فهو يجسّد روح ركاب السفينة في الإيمان بالمشتركات وإعطاء الأولوية للكرامة الإنسانية والتطلع إلى ما يتجاوز الحقوق إلى الرحمة والتضامن والبذل.

 

– إن بوسع البشرية أن تجعل من هذه الأزمة – كما فعلت بعد الحرب العالمية الثانية – مناسبة لانطلاقة جديدة برؤية جديدة للعالم، وفرصة لميلاد إنسان جديد، على أساس قيم الفضيلة، يعيد بناء ذاته وعلاقاته بجنسه وبالأمم الأخرى من المخلوقات بجنبه.

 

– إن كل تأخُّر عن المبادرة إلى الفعل في الوقت المناسب يرهن مستقبل الإنسانية ويجعل الأجيال الآتية أسيرة سيرورات لن يكون بوسعها السيطرة عليها.

 

ثانيا – التوصيات : – يشيد المشاركون في هذا المؤتمر بجهود منتدى تعزيز السلم في مد الجسور مع العقلاء والحكماء من كل الاديان والمذاهب والمشارب، ويثمنون مساعي القائمين عليه العلمية والعملية لتوحيد الجهود وتصحيح الوجهة على أرضية القيم الإنسانية المشتركة لما فيه خير الناس جميعا.

 

– كما أشادوا بما تضمنته “وثيقة مكة المكرمة” من مضامين سامية تهدف إلى بناء جسور المحبة والوئام الإنساني، ونشر ثقافة التعايش والتسامح والتصدي لخطابات التحريض والعنف والكراهية.

 

– يشيد المؤتمر بتضحيات الطواقم الطبية وتفانيها في إنقاذ الأرواح وعلاج مرضى هذا الوباء والعناية بهم وبجهود كل العاملين أفرادا ومؤسسات في مكافحة هذه الآفة.

 

ويوصي المشاركون بما يلي: العمل على صياغة مشروع اتفاقية تحت مسمى “الميثاق العالمي للتضامن الإنساني” مع العمل على عرضه على هيئة الأمم المتحدة لضمان تحقيق قيم عالم ما بعد كورونا ودرء لعودة المجتمع الإنساني إلى ما كان عليه قبل كوفيد ١٩.

 

دعوة المجتمع الدولي والدول الغنية إلى التضامن مع الدول الفقيرة وإشراكها في ثمرات البحوث العلمية، وإلى توزيع اللقاحات على الجميع بلا احتكار ولا استغلال.

 

تشجيع المبادرة والابتكار في مجال تكنولوجيا الصحة العامة والتطبيب في الدول الفقيرة والنامية التي أظهر بعضها مؤهلات غير متوقعة في تدارك نقص الوسائل والمعدات.

 

إنشاء صندوق دولي موحد للطوارئ والكوارث والأزمات.

 

عقد شراكات بين صناع القرار ورجال الفكر والدين لإشاعة خطاب السلم والمحبة والأخوة الإنسانية والوقوف في وجه خطاب التطرف والتحريض.

 

تنسيق جهود القادة الدينيين والإعلاميين وذوي التأثير في الرأي العام وأهل الاختصاص من الأطباء وعلماء الأوبئة لمواجهة الإشاعات والأفكار المغلوطة.

 

تشجيع الهيئات الدينية الرسمية والمجامع الفقهية على الاجتهاد في القضايا المستجدة من أجل تحقيق المصالح المعتبرة.

 

حث المجتمع المدني على مواصلة جهود التعبير عن الشكر والامتنان والوفاء لمن هم في الصفوف الأمامية في مواجهة الوباء وابتكار المزيد من المواقف الاجتماعية والتعبيرات الرمزية المستوحاة من ثقافة المجتمع أهمية مواصلة كافة الإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية حتى تنجلي الغمة وتنكشف الأزمة.

 

يقدر المؤتمر أن الحاجة متعينة في الظرف الراهن إلى هبَّة ووقفة إنسانية يتجه فيها الضمير العالمي نحو مراعاة وحدة المصير الإنساني في كثير من القضايا الكبرى، الأمر الذي يتطلب تعاونا وتضامنا وتشاركا عالميا.

 

ويطيب للمشاركين في الملتقى السابع لـ”منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” أن يعبروا عن فائق شكرهم وجزيل ثنائهم لدولة الإمارات العربية المتحدة على تيسيرها انعقاد هذا الملتقى في أوانه المعتاد وبمستواه المعهود بأفضل السبل المتاحة في هذه الظروف الاستثنائية، وأن يرفعوا أسمى مشاعر الامتنان لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة “حفظه الله”، وإلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي “رعاه الله”، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبو ظبي، وإلى أصحاب السمو الشيوخ أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات؛ حفظهم الله .

 

ويضرع المشاركون في هذا الملتقى إلى العلي القدير أن يشمل بواسع رحمته وسابغ كرمه المغفور له الشيخَ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه الذي كان ملاذا في الأزمات للقريب والبعيد، وأن يديم على الإمارات العربية المتحدة نعمة اليد العليا ويحفظها من شر كل وباء وبلاء وسائرَ بلدان العالمين .. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات //.