المنسقية الدائمة للعمل الثقافي بموريتانيا تنظم حفل تأبين للخليفة الشيخ التجاني نياس

نظمت المنسقية الدائمة للعمل الثقافي بموريتانيا برئاسة الاستاذة النعمة منت انجبان حفل تأبين خاص بمناسبة رحيل الخليفة العام للطريقة التجانية سماحة الشيخ الشيخ التجاني ابراهيم نياس خليفة شيخ الاسلام الشيخ ابراهيم نياس ، الذي رحل قبل اسابيع مخلفا فراغا روحيا وعلميا كبيرا على مستوى السنغال وموريتانيا والعالم الإسلامي برمته ، نظرا لحضوره الروحي واشعاعه العلمي المتميز

وحضر التظاهرة الكبيرة جمع غفير من العلماء والمقدمين في الطريقة التجانية ، والباحثين والمفكرين الموريتانيين ، الى جانب جمهور عريض من أبتاع الشيخ ابراهيم نياس في موريتانيا

 

وبهذه المناسبة أكدت رئيسة المنسقية الدائمة للعمل الثقافي موريتانيا أنها تشعر بالتقصير وتأنيب الضمير لكونها لم تنظم هذه التظاهرة قبل الآن لكن اكراهات التنظيم هي التي جعلتها تتأخر ، مؤكدة تأبين الخليفة العام الشيخ التجاني نياس رضي الله عنه يجب أن يكون في كل يوم لأنه مصابه جلل ، والحديث عنه ذا شجون

ورحبت منت انجبنان بالحضور ، مثمنة حضورهم ومؤكدة على أن مثل هذه التظاهرات مهم لتعميق الروابط الروحية بين موريتانيا والسنغال

 

ونيابة عن رئيسة المنسقية القى مسؤول الاعلام بالمنسقية الاستاذ كدالي انجبنان كلمة أمام الحضور أكد فيها على جسامة الخطب الجلل الذي اصيبت به الامة برحيل الخليفة العام الشيخ التجاني نياس رحمه الله ، وهذا نص الكلمة :

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم. إنا لله وإنا إليه راجعون، كل شيء هالك إلا وجهه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أيها الحضور الكريم
لقد إرتأينا في “المنسقية الدائمة للعمل الثقافي في موريتانيا” القيام بتأبين لفقيد العالم ، الخليفة شيخ الاسلام الشيخ أحمد التجاني إبراهيم انياس رضي الله عنه و ارضاه

وذلك إنطلاقا من  واجب ديني وأخلاقي و وطني ، يتحتم على كل فرد ،  بل واجب على كل الأمة لما تعرف في  الفقيد من حب الله و رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن المعرفة بالله ، و الصلاح والولاية وحب المسلمين عامة ، و العطف على المساكين و الفقراء خاصة.

وهذا الحضور المتميز  الذي جاء من شيوخ و مريدي الطريقة التيجانية المبرزة هو أكبر دليل على حبه ، فالعالم أجمع يحبه ويثني عليه إعترافا له بالفضيلة ، وسمو المقام رحمه الله تعالى، وما ذلك بغريب على شيخ عاش يحب الله ويؤمن به ويحب رسوله صل الله عليه وسلم،

فرحمة الله تعالى عليك يا خليفة الإسلام و المسلمين رضي الله عنك و ارضاك

وقد عرفت المنطقة الإفريقية والعربية بل العالم اجمع آل الشيخ ابراهيم نياس  الذين يتميزون بالاستقامة والشجاعة والكرم، وصِدقِ القول ويتميزون بخدمة الناس، وبالالتصاق بالأرض وبمحبة المساكين،كما يتميزون بالبذل لله و حب رسوله صلى الله عليه وسلم

وهاهي الأمة اليوم تفقد شيخا كبيرا زاهدا عالما ورعا تقيا نقيا فلله الأمر من قبل ومن بعد ، فالخليفة الشيخ التجاني رضي الله كان قطب زمانه وفريد عصره وأقرانه

فعليك رحمات الله تترى يا شيخنا المبجل الشيخ التجاني نياس  وإنا لفقدك لمكلومون متالمون و لا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا لله وإنا إليه راجعون

 و صل اللهم وبارك على حبيبك محمد صل الله عليه وسلم

 وبدوره تحدث النائب البرلماني الشيخ الخليل النحوي ، حيث هنأ المنسقية الدائمة للعمل الثقافي ورئيستها على هذا السبق الذي فازت به بتنظيم هذه التظاهرة الهامة

واسهب الشيخ الخليل  في رصد بعض  مآثر الخليفة الشيخ التجاني نياس ودوره في خدمة الشريعة والطريقة ، مستعرضا في ذات الوقت بعض القبسات والشذرات الروحية العبقة لأصداء مدرسة الشيخ ابراهيم نياس الذوقية عالميا وإقليميا 

كما تدخل جمع غفير من المشاييخ والشعراء والباحثين انعشوا التظاهرة بمداخلاتهم الهامة

 

 

 

 

 

السياسي والاقتصادي البارز موسى افال ينعي صديقه الراحل بدر الدين تحت عنوان “لنعط للحياة معنى” (مقال )

موسى فال/ رئيس الحركة من أجل التغيير الديمقراطي(عدسة الصدى)

لقد وارينا الثرى قبل لحظات صديقنا المغفور له محمد المصطفى ولد بدر الدين في مقبرة /لكصر/ بعد أن أقيمت عليه صلاة حضرها جمع لم يسبق له مثيل. لقد كان بدر الدين يعي تماما أنه مريض، ولكنه كان يرفض الاستسلام. لقد خاض معركة لا هوادة فيها ضد المرض. لقد كان يتحلى بالشجاعة والتصميم في أوقات التعافي، كما كان يتحلى بالتجلد والصبر في أوقات انتكاس صحته. لقد كان يرفض الاستسلام وكان مقتنعا بأنه سينتصر على المرض، ويخطط في كل وقت لمستقبل نضالي جديد .. كان دائما مناضلا. لقد كنت أتابعه بإعجاب. لم يفلح دعم السلطات العليا في البلد، ولا مؤازرة أصدقائه، ولا جهود أبنائه، ولا تفاني أطبائه في التغلب على تقدم المرض الذي كان ينخر صحته. للأسف تغلب الموت كما هي عادته ليلة السابع من أكتوبر 2020 في الجزائر.

وبما أن مسيرة حياة بدر الدين خارقة للعادة، فقد كانت مواكبة للعقود الثمانية الأخيرة من تاريخ البلد. لقد كتب لي أن ألتقيه عدة مرات خلال هذه المسيرة، حيث ظل هو ثابتا على التزامه، كما كنت أنا – كما يحلو للبعض أن يقول – “رفيق درب

أول مرة رأيت فيها بدر الدين كانت نهاية الستينات. كان قد أنجز وقتها تحولا ذا فائدة قصوى على التاريخ السياسي للبلد، وذلك برفقة جماعة من أصدقائه من المعلمين العرب، كانوا قوميين في البداية، ولم يكن هناك ما يهيئهم لأن يفتحوا حوارا بين النقابيين الذين يمثلون مختلف المكونات الوطنية في البلاد. لقد حدد هذا الحوار المؤسس قواعد وحدة وطنية تمخضت عن تجديد سياسي وايديولوجي ومجتمعي في موريتانيا. وكانت مجموعة رفاق بدر الدين تتألف من: محمدو الناجي ولد محمد أحمد، أحمدو ولد عبد القادر، محمد عينينا ولد أحمد الهادي، محمد حرمه ولد اجد، وغيرهم. لقد كانوا رجالا محترمين بفضل نزاهتهم الأدبية وبفضل القناعات التي التزموا بها طيلة حياتهم. حفظ الله من لا زالوا معنا ورحم من قضوا منهم. لقد منحت هذه الشخصيات مصداقية اجتماعية وثقافية نوعية للمدرسة الفكرية الجديدة التي لا زالت تطبع الساحة السياسية الوطنية. إن مساهمة هذه المجموعة في تطور الفكر السياسي الوطني نحو مزيد من الوحدة تستحق – عرفانا لها بالجميل – أن تسجل في التاريخ الرسمي للبلد.

لقد كان لقاؤنا الثاني بمناسبة الانقسام الذي حدث بين من كانوا يدعون للاندماج في حزب الشعب الموريتاني – وكونوا فيما بعد التحالف الموريتاني من أجل الديمقراطية  AMD من جهة، وبين من كانوا يعارضونه – واستعادوا عنوان الحركة الوطنية الديمقراطية MND من جهة أخرى.  حدث هذا الخلاف في ظرفية تجري فيها إصلاحات هامة قامت بها حكومة المرحوم المختار ولد داداه، وكذلك يجري فيها الإعداد لحرب الصحراء والدخول فيها.  وخلف هذا الانقسام تنافرا وأحقادا دامت لأكثر من عقد من الزمن. من كان على صواب؟ ومن كان خطإ؟. لقد شكلنا، محمد ولد مولود، بوكار موسى با، دافا باكاري، وأنا، ثم انضم إلينا بدر الدين بعد فترة قصيرة من التردد، شكلنا النواة الصلبة للجبهة المناهضة للاندماج في حزب الشعب الموريتاني. في تلك الفترة كنت وبدر الدين نتواجد دائما في منزل ممنوح لصديقنا المشترك المحجوب ولد بيه في حي BMD. وبفضل المحجوب كنا على صلة بحركة العاشر من يوليو دون أن نشارك فيها. بعد ذلك، توطدت العلاقات بيننا خلال مقام سري فرض علينا آنذاك في حي كيديواي بضاحية داكار. وقد ضم هذا المقام كلا من محمد يحظيه ولد بريد الليل وممد ولد أحمد من جهة، وبدر الدين ومحمدو الناجي وسيد أحمد ولد انديلا وأنا من جهة أخرى.

لقد التقى طريقانا للمرة الثالثة غداة أحداث 1989 وخلال بداية العشرية 1990. لقد زرت بدر الدين صحبة ببها، وكان وقتها مدير مدرسة تكوين المعلمين وأبرز قادة الحركة الوطنية الديمقراطية آنذاك، وعرضنا عليه الانضمام إلى التحالف الذي سيشكل اتحاد القوى الديمقراطية UFD. وبعد أن عرفناه على هوية أعضاء هذا التحالف، والذين كان من بينهم بعض وزراء المرحوم المختار ولد داه، أجابنا: “إنكما تطلبان مني الانضمام مرة أخرى لحزب الشعب الموريتاني! ورغم ذلك فلا بأس، على بركة الله”. وكانت تلك إحدى شمائل بدر الدين. لقد كان دائما متواضعا ومستعدا كلما تعلق الأمر بقضية تعني المصلحة الوطنية. لقد انخرط معنا رغم مسؤوليته الإدارية. وكان التزامه الصارم وانفتاحه على من يخالفونه الرأي وحسن تفاهمه معهم حاسما في مسار اتحاد القوى الديمقراطية، وفي الحملة الرئاسية سنة 1992، وكذلك في النضال الذي خاضه تكتل اتحاد الديمقراطية/عهد جديد ضد التهميش والتمييز.

آخر مسار تشاركته مع بدر الدين كان المسار الذي انتهي منذ فترة وجيزة.  لقد بدأ هذا المسار مع الانقلاب العسكري 2008 ضد الرئيس المنتخب ديمقراطيا سيدي ولد الشيخ عبد الله. لقد انخرطنا معا في الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية FNDD، ثم منسقية المعارضة الديمقراطية COD التي اندمجت فيما بعد في المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة FNDU. لقد كان مسارا طويلا دام عشرية كاملة من النضال.

كان اتحاد قوى التقدم UFP قد رأى النور مع تراتبيته التنظيمية المعروفة. وقد أبدع بدر الدين إلى جانب كادياتا مالك ديالو في المداولات البرلمانية. لقد كانا نجمي الجمعية الوطنية. كان يحب القول إنه “يعشق الكلام” وأنه “يعشق الديمقراطية لأنه كان قبل مجيئها يسجن على التعبير عن آرائه، وأنه في زمن الديمقراطية يتلقى راتبا للإدلاء بآرائه”. وفعلا كانت مداخلاته عذبة وحججه دامغة. وكان لامعا كذلك في تدخلاته في وسائل الإعلام، حيث كان يعدها بإتقان. وربما كان القائد الوحيد من جيله الذي يحرص على ذلك. موازاة مع ذلك، ورغم تقدمه في السن، كان دائما يحب الانخراط في حملات التحسيس تجاه الجماهير الشعبية. كان يفعل ذلك باقتناع وإخلاص. وكانت الأحياء التي يتولى التحسيس فيها تسجل مستويات من أعلى درجات التعبئة. لقد كان يحب هذه الأوساط، وكانت تبادله نفس الحب.

توفر الحياة خيارات لا حصر لها، ولكن بعض هذه الخيارات هو وحده الذي يعطي معنى للحياة. لقد تبنى بدر الدين أفضل هذه الخيارات، خيار الالتزام لمصلحة الغالبية العظمى من الشعب. وقد تجسد هذا الالتزام في انحيازه للأقليات وللفئات الأكثر حرمانا من الجماهير. لقد جعل من قضاياها ميسما مقدسا طبع نضاله. لقد جعله هذا البحث عن الخير للغالبية العظمى يتبنى طموحا لا حدود بالنسبة للبلد. لقد كرس كل حياته للكفاح من أجل الوحدة الوطنية والانعتاق الاجتماعي وتقدم وازدهار الوطن. ذلكم هو الكفاح الذي منح بدر الدين تلك الهالة التي تحيط به اليوم.

 

لا شك أن الأمة ستعترف لمحمد المصطفي ولد بدر الدين بكونه أحد أبرز بناتها.

إن مساره يجب أن يلهم كل من لا يزالون في سن الإلهام ليستخلصوا منه الدروس التي تمكنهم من إعطاء معنى لحياتهم.

إنني أتقدم بأصدق التعازي لعائلته أولا، عائلته التي خلف لها إسما مجيدا يشكل مصدرا للفخر والاعتزاز. كما أعزي رفاق نضاله على امتداد خمسين عاما، وهم يفقدون اليوم أحد قادتهم الأكثر رمزية. والتعازي موصولة لجميع أصدقائه وللطبقة السياسية جمعاء حيث فقدت، هي الأخرى، إحدى شخصياتها الأكثر تأثيرا.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

موسى فال

السبت 10 أكتوبر 2020