اليُوبيل الذّهبى للإمارات.. واتَّحاد العرب خالد عمر بن ققه

خالد عمر بن ققه / كاتب وصحفي جزائري

فى الحالة العربية الراهنة، حيث الشعور بالملل والسأم، ووصول الأنفس إلى مرحلة الشَّك فى رحلة فُرِضَتْ عليها، وأبعدتها ـ ولاتزال ـ عن اليقين، نبدو على المستوى القومى مجرد أرقام ـ مهما كثرت ـ لا تعبر عن الجذور الضاربة فى التاريخ، ولا عن الفروع المعانقة للمدنية الراهنة، مع أننا نَجْمَعُ بين الاثنتين معا، فمن جهة نحن نستحضر التاريخ باعتباره زمنا راهنا، فلا نُبْصِر أمامنا لأن أعناقنا ملتوية للخلف، ومن جهة أخرى تلك الأعناق نفسها حين تعود لتصبح جزءا من الحاضر المدنى، العصرى، الدولى، تغدو خاضعة لدرجة الذل.

وعلى خلفيَّة ذلك نحن حاليا أمام مساءلة تتعلق بالمصير والمسار، يمكن اختصارها فى السؤال الآتى: أين نتَّجه نحن العرب اليوم فى ظل وجودٍ لا يَشِى بالفعل ولا الفاعلية إلا فى نطاق ضيّق ومحدود؟.

لا يٌنتظر وُصُولنا، من خلال السؤال السابق، إلى إجابة مقبولة ومرضٍ عنها، أو حتى مُشْتركة، ذلك لأن العرب اليوم يعيدون صناعة التاريخ الفوضوى.. تاريخ الفتن والدماء، والخضوع.. إنهم يستحضرون الوجه الأسود من التاريخ الأندلسى، منذ بداية صراع بنى الأحمر، وإلى غاية السقوط المدوى، كما رواه أبوعبدالله محمد (عبدالله الصغير)، آخر حاكم عربى هناك، الذى لم يرحمه التاريخ، مع أن من يقرأ رواية «المخطوط القرمزى»، تأليف أنطونيو غالا، ترجمة رفعت عطفة، سيتعاطف معه، لأنه كان ضحيّة تراكمات الصراع السياسى.

الحديث فى هذا السياق يقودنا إلى محاولة تفكيك الوضع العربى العام على المستوى النظرى، بهدف التركيز على إمكانية تجاوزه من حيث سلبياته، اعتمادا على وقائع وشواهد، عمَّرت لخمسة عقود، كما هو الأمر جليّا فى تجربة «الإمارات العربية المتحدة»، باعتبارها الوجه العملى، والتطبيق الفعلى لأطروحات الفكر القومى العربى من منطلق أيديولوجى، وهى تجربة تتجاوز محيطها الجغرافى على مستوى النتائج المستقبلية، ليس فقط لجهة تكرارها أو تقليدها فى مناطق عربية أخرى، وإنما بالتعويل عليها كصيغة وجودية فى التعامل مع القوى الدولية.

تعدُّ التجربة الإماراتية علامة عربيَّة دالَّة، ليس فقط من حيث المنجز، والاستثمار، والرفاهية، والأمان، وإنما لأمر أهم وأشمل، يتعلق بتجاوز فشل الصِّيَغ الوحدويّة العربية (الثنائية، والثلاثية، والرباعية، والخماسية، والسداسية) إلى نجاح الصيغة السباعيَّة، هذا أوَّلا، وثانيا: المحافظة على خصوصية كل إمارة فى إطار وحدة كليّة، وثالثا: ديمومة الاتحاد، حيث إنه الأطول عُمْرا فى التجارب الوحدوية العربية المعاصرة، التى يمكن اختصارها فى 13 تجربة وحدوية، كلها نزلت من الأعلى إلى الأسفل، وذلك منذ 1958، حين بدأت بالوحدة بين مملكتى العراق والأردن، وقيام اتحاد بين مصر وسوريا، وإلى غاية 1990، عندما تمت الوحدة بين اليمنين الشمالى والجنوبى.

من ناحية أخرى، أنه ـ وكما نعرف جميعا- الاتحاد الوحيد الذى تحقق، مُحَوِّلا القناعات والأيديولوجيا إلى واقع عملى، ثم تطور ليصبح وجها عربيّا مشرقا، ويزاحم دول العالم فى تصدير أفكار إيجابيّة كما هو الآن. تلك الأفكار الإيجابية مكَّنت الإمارات من القيام بدور فاعل فى كثير من القضايا الدولية، لكن هل هذا كاَفٍ عربيّا؟.. بالطبع لا، ومادام الأمر على هذا النحو، فإن الدول العربية الأخرى مطالبة بالبحث عن صيغ جديدة للاتحاد ضمن فضائها الجغرافى، مستفيدة من تجارب الفشل السابقة، ومتأثرة ومقلدة لتجربة دولة الإمارات العربية المتحدة فى الوقت الحالى.

ورغم ما فى صدور كثيرين من أمل ـ كادت تصبح أوراق شجرته تذوى ـ لقيام وحدة تجمع العرب فى تكتل يَقِيهِم شرور أنفسهم، وشرور أعدائهم، إلا أن الواقع الحالى فى عمومه يُكذّب ذلك، كما يُكذِّبهُ فى خصوصه أيضا، ذلك أن أى مشروع يتحقق اليوم عربيّا على مستوى الدولة القُطْرِيَّة، يذهب صانعُه إلى أهله يَتَمَطَّى، لدرجة يتم فيها أحيانا التحالف مع القوى الأخرى ضد الدول العربية، بشكل جماعى أو فردى، ما يعنى غياب قضيَّة جامعة، وربما لهذا السبب لا يرى عامَّة العرب فى أى نشاط رسمى إلا مَسّا بالقرح لباقى العرب، حتى لو عاد بالخير على أهل هذه الدولة العربية أو تلك.

تلك معضلة ـ بلا ريب ـ والخروج منها ليس يسيرا، لأن صناعة القرار السياسى، فى كثير من أوطاننا- وهى متبوعة بدعم نخبوى وإعلامى، يصل أحيانا إلى تعمد مقصود لتزييف الوعى القومى والدفع نحو العداوة والبغضاء والفتنة ـ تكرس على حسن أو سوء نية «الوطنية» كنقيض للقومية، وتلك منّة وطنية لن تبقى، ولن تصنع دولة قادرة على المواجهة، مهما طال عمرها، أو عمرت وأثرت، أو حتى دخلت فى علاقات دولية بدت فيها مقبولة وفاعلة.

عُسْر الخروج من ذلك التناقض يمكن تحويله إلى تحدٍ دائم، يقضى على التصور الشائع لدينا من أن الحالة العربية الراهنة تذهب بنا إلى مزيد من التشتت والاختلاف، وأنه لا يمكن الحديث عن وحدة قومية أو حتى عن تقارب عربى، ودُولنا تنهار واحدة تلو الأخرى، لكن ماذا أو قلّبْنا الأمر وجعلنا التقارب العربى والسعى للوحدة من أولويات الدولة القطرية ثم ننتظر لنرى النتيجة، بالتأكيد ستقوى «الدولة الوطنية»، وستجد حضنا دافئا يحميها من برد أو حرّ العلاقات الدولية.. قوة الدولة الوطنية تبدأ من تحالفها وتعاونها، ومن ثم اتّحادها عربيّا، ولنا فى تجربة الإمارات فى يوبيلها الذهبى اليوم العبرة والدرس والقدوة والمثل

 

المصري اليوم