بايدن والصين.. الحل على طريقة كيسنجر / هادي حداد

بايدن خلال لقاء مع شي بينغ عندما كان نائباً لأوباما. (أرشيفية)

الصدى – متابعات /

ضمن القضايا التي تشغل بال الأمريكيين والعالم في السنوات الأخيرة، تأتي إشكالية العلاقات الأمريكية- الصينية، ذلك أنه إن كانت أمريكا هي القطب الدولي القائم، فإن الصين ولا شك هي القطب القادم.

 

منطلق الإشكالية يمكن معرفته من خلال وثيقة القرن الأمريكية، والتي بلورها المحافظون الجدد عام 1997، وبمقتضاها يتوجب أن يكون العالم برمته مصبوغاً بصبغة أمريكية، ومعنى ذلك أنه لا يجب أن يُسمح للصين باللحاق بركب أمريكا على أي مستوى، اقتصادي أو عسكري، على الأرض، أو في البحر، ناهيك عن معارك الفضاء.

 

والشاهد أنه حين يمضي الرئيس الأمريكي المنتخب، جو بايدن، في طريقه إلى البيت الأبيض، فإنه يجد حال العلاقات الأمريكية- الصينية ليس على ما يرام، ولا نغالي إن قلنا إنه متدهور بصورة أو بأخرى.

 

عمَّق الرئيس دونالد ترامب خلال سنواته الأربع في البيت الأبيض الخلاف مع الصين، وهناك الملايين من الأمريكيين يرون أن ترامب له في الحق 1000 حق، ذلك أن الصين عملت طويلاً على اختراق أمريكا تجارياً بنوع خاص من خلال سرقة الملكية الفكرية، ما عظم أوضاعها الاقتصادية، ناهيك عن محاولاتها التي لا تنتهي من أجل سرقة أحدث الاختراعات العسكرية الأمريكية.

 

وباختصار غير مخل، صوَّر ترامب الصين في عيون الأمريكيين على أنها العدو الأول لهم، فيما جاء انتشار فيروس كوفيد-19، والذي لم ينفك الرئيس ترامب عن تسميته بالفيروس الصيني، ليفتح الباب واسعاً للترويج لفكرة العداء الصيني لأمريكا، فقد كلف هذا الفيروس ترامب شخصياً ولاية رئاسية ثانية من جهة، وكبَّد البلاد والعباد نحو ربع مليون ضحية، وأكثر من 10 ملايين مصاب، وخسائر اقتصادية تطال تريليونات الدولارات، ولا أحد يعلم مدى عمق الكارثة مستقبلاً.

 

اتهامات تلاحق بايدن

 

يبدأ الرئيس بايدن ولايته، وهناك اتهامات تطارده لجهة الصين، منها ما هو أمريكي منسوب إلى ترامب، ومنها ما هو راجع إليه بسبب تصريحاته في الفترة الانتقالية.

 

أما ما هو خاص بترامب، فإن الرجل، وخلال الحملة الانتخابية بنوع خاص، لم يوفر اتهام بايدن بتماهيه مع الصين، وإقامة علاقة خاصة مع بكين ورئيسها شي جين بينغ. وزادت مخاوف الصينيين من بايدن بعدما تحدث مؤخراً عن فكرة قيادة أمريكا للعالم، وقد ذكر الرجل صراحة فكرة القطبية الأمريكية، وضرورة قيادتها للعالم، ما تلقفته الصين حُكماً، ونظرت إليه من منظار المنافسة الكونية التي لا مفر أو مهرب منها في قادم الأيام.

 

على أن جزئية أخرى تعمِّق الخلاف بين بايدن والصين، بل عمقته بالفعل قبل استلام الرجل مقاليد منصبه بشكل رسمي، وهي جزئية التدخل في أعمال الانتخابات، ومحاولة اختراق صفوف الأمريكيين والتأثير على توجهاتهم الحزبية والسياسية.

 

في هذا الإطار ليس سراً القول إن الاستخبارات الأمريكية قد رصدت محاولات صينية حثيثة للتدخل في أعمال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، الأمر الذي كشفته مجلة «نيوزويك» الأمريكية في تقرير لها أواخر شهر أكتوبر الماضي، حين أكدت وجود نحو 600 مجموعة متأثرة أو مرتبطة بالحزب الشيوعي الصيني تحاول التأثير في الجمهور الأمريكي، وإثارة النعرات العرقية، وزرع الانقسام والاضطرابات قبل الانتخابات، من خلال آلاف المنشورات عبر حسابات مزيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، تويتر وفيسبوك.

 

والثابت أن المركز الدولي للسياسات الإلكترونية، التابع لمعهد السياسة الاستراتيجية في أستراليا، كان قد أجرى تحليلاً لآلاف المنشورات على تويتر وفيسبوك، ووصفها بأنها «جزء من برنامج تنفذه مجموعات تتحدث اللغة الصينية، ويتماشى بشكل عام مع الهدف السياسي للصين لتشويه سمعة ومكانة الولايات المتحدة بين شعبها وحول العالم».

 

لم تكن هذه الأخبار لتغيب عن أعين بايدن، والذي توعد، وبصوت عالٍ، كل من يقوم بأعمال تخل بالأمن القومي الأمريكي بعقاب شديد، ما يجعل العبء الصيني الملقى على كاهله صعباً ومليئاً بالعقبات.

 

بايدن ليس أوباما

 

ولعل السؤال الواجب طرحه: هل تنتظر الصين تغييراً في السياسات الأمريكية في عهد بايدن تجاهها؟

 

من الملاحظ أن الصين تمهلت كثيراً وطويلاً، وذلك قبل أن تعلن عن اعترافها ببايدن كرئيس لأمريكا، أو تقوم بتهنئته، وحين فعلت فإنما جاء الأمر على استحياء، حين أصدرت الخارجية الصينية بياناً على لسان نائب الوزير، ليه يو تشنغ، جاء فيه أن «الصين تتطلع إلى إعادة العلاقات مع الإدارة الأمريكية الجديدة».

 

لكن واقع الحال في الداخل الأمريكي بشكل عام، يخبرنا بأن الأمريكيين غاضبون إلى حد الثورة على بكين، ما يعني أن الرجوع إلى زمن علاقات أوباما بالصين، أمر غير ممكن.

 

أما عن بايدن فإن الخطوط العريضة لبرنامجه لا يمكن أن تكون مناسبة للصين، لا سيما وأنه أكد في خطاباته قبل الانتخابات، أنه سيتصرف بشكل أكثر قسوة تجاه بكين، مما فعل ترامب.

 

يخبرنا الباحث البارز في المعهد الروسي للدراسات الاستراتيجية بافل زخاروف، أن «جميع السياسيين الجادين تقريباً في الولايات المتحدة، يتحدثون الآن عن الحاجة إلى محاربة الصين، وهذا جزء من التيار السائد، لذلك فإنه من السابق لأوانه القول إن بايدن سيحسن العلاقات مع بكين».

 

صورة الرئيس الصيني داخل مركز وينشانغ للفضاء.(رويترز)

يحتاج الحديث عن الملفات الخلافية بين بكين وواشنطن إلى سلسلة من الحلقات، وليس لمقال واحد؛ ذلك أن التقاطعات عديدة، ومنها على سبيل المثال ما تقوم به الصين لزخم ترسانتها النووية بعشرة آلاف رأس نووي متقدم، خلال أقل من 10 سنوات.

 

في السياق نفسه نرى أن الصين تسعى جاهدة في طريق عسكرة الفضاء؛ لتكون قطباً مناوئاً للولايات المتحدة، ورحلتها الأخيرة إلى الجانب المعتم من القمر تؤكد ذلك.

 

ما الذي سيحاول بايدن فعله لإضعاف الصين؟

 

أغلب الظن أنه سيعود إلى سياسة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، هنري كيسنجر، فرِّق تسُد، ففي أوائل السبعينيات سعى الأمريكيون إلى استمالة الصين في مواجهة الاتحاد السوفيتي.

 

اليوم، سيحاول بايدن تعميق العلاقات الأمريكية- الروسية، على حساب الصين.. ثم ماذا؟

 

المصدر : الرؤية الإماراتية