بدر الدين.. خسارة رجل المرجعية الجامعة / محمد المنى

محمد المنى / كاتب صحفي موريتاني مقيم في أبوظبي

كان صادماً ومفجعاً لي أولُ خبر أقرأُه على شبكة الإنترنت صباح هذا اليوم، ألا وهو انتقال الزعيم السياسي المخضرم محمد المصطفى بدر الدين من دار الفناء إلى دار البقاء، تغمده الله بنعيم جنانه الأبدي. وعلى الفور بدأت تتوارد على الذهن صور ومشاهد متتالية من حياة الفقيد الذي كرَّس عمره وجهده وطاقته لتحقيق ما آمن به من أفكار ومبادئ ورؤى وأهداف.. تلتقي جميعاً في الدفاع عن المحرومين والمظلومين والمهمشين وضحايا الغبن والاستضعاف والقهر.. وظل يخوض معاركه السياسية والحقوقية والاجتماعية بكل شرف وشجاعة وإقدام وإصرار واستماتة، ولم يشغله عن الاستمرار فيها أي شاغل، بما في ذلك معركته الأخيرة ضد المرض العضال الذي ألم به منذ عامين.

وتبقى واحدةٌ من أكثر الصور المرتسمة للزعيم بدر الدين حضوراً في الذهن ودلالة على شجاعته وثباته، تلك الصورة التي نقلها لنا الوزير والسفير السابق المحجوب ولد بَيَّ في كتاب مذكراته (أتذكر: ذكريات وخواطر وأحداث)، حيث يتحدث عن نضالاتهم معاً في حركة الكادحين اليسارية وصداماتها المتكررة مع السلطة وأجهزتها الأمنية خلال السبعينيات، ومن ذلك حادثةُ تعرُّضِ مهرجانٍ تعبوي نظمته الحركة مساء ذات يوم في نواكشوط، فاقتحمته قوات الأمن واستعملت القوة لتفريقه (بحجة أنه مخالف للقانون وغير مرخص)، ففر كثيرون تاركين أحذيتهم ولم يبق أخيراً إلا بدر الدين وحده واقفاً في قلب الميدان يشتبك مع قوات الأمن مستخدماً سلاحه الوحيد المتاح ألا وهو حذائيه.

المناضل الراحل بدر الدين رحمه الله

إن الثبات على المبدأ والشجاعة في الموقف والوضوح في الرؤية.. ثلاث سمات ميّزت الزعيم بدر الدين عن كثير من نظرائه في الحياة العامة الوطنية، لذلك حاز مكانةً في اليسار، وفي الحركة الوطنية ككل، لم يحزها زعيم آخر غيره، وكان الوحيد الذي يعيِّن الوزراء (نيابةً عن حركته) ولا يقبل أن يكون وزيراً.. مما بوَّأه -مع عوامل أخرى- مكانةَ المرجعية الجامعة في تياره خصوصاً وفي الوسط السياسي الوطني الموريتاني عموماً. لذلك فإن وفاته التي أُعلن عنها صباح اليوم، تُعَد خسارةً فادحة للشعب الموريتاني ككل وفاجعةً مؤلمةً لكل مَن عرفوا فضائله الشخصية وخصاله السياسية العالية عن قرب.

تغمَّد الله الزعيم بدر الدين بواسع رحمته وكريم مغفرته وعظيم عفوه، وعظّم فيه أجر ذويه وأنصاره وجميع محبيه وأحسن عزاءهم وربط على قلوبهم، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.