«بومدين» الأمس.. والجزائر اليوم / خالد عمر بن ققه

خالد عمر بن ققه / كاتب وصحفي جزائري

لا أزال أذكر، حتى اللحظة، صباح ذلك اليوم الحزين، حيث قدمت وزملائي إلى ثانوية الأمير عبدالقادر في مدينة «تقرت» (الجنوب الجزائري)، نحمل همّاً أكبر من أعمارنا.. إنه رحيل الرئيس هواري بومدين (27 ديسمبر 1978).. في الفصل ـ ونحن كأنما على رؤوسنا الطير والبكاء رفيقنا ـ رفضنا الاستماع للدرس، فقال لنا أستاذ الفلسفة حسن بيوض:

 

بومدين مشروع حياة، وليس قصة موت، والوفاء له يكون بمزيد من العمل، لذلك عليكم أن تثبتوا له إخلاصكم بالنجاح، وهذا لن يتحقق إلا بالمثابرة على الدراسة.

 

كان الأستاذ حسن ـ رغم تمرده على المجتمع فكراً وعقيدةً وحتى منهاج حياة ـ نموذجاً للالتزام بالعمل، وقد زرع في كثير منا تلك القيمة، وجميعنا لا يزال يُكن له الفضل والتقديرـ بعد انقضاء أربعة عقود ـ حتى أولئك الذين اختلفوا معه، ومن تلك القيمة انطلقت ـ وكثير من الجزائريين غيري ـ في الحياة، وقضيت العمر ـ وسأظل ما حييت ـ باحثاً عن بومدين هنا وهناك، صحيح اضطرتني ظروف معينة للانقطاع عن الكتابة عنه أحياناً، لكن في الغالب الأعم كنت أكتب عنه كل سنة حين تحل ذكرى رحيله.

 

يأخذني الشوق إليه دائماً، وأسعى للبحث عنه في كل زمان، أعرف أنه من أمة خَلَت، ومع ذلك أقيس مواقف السَّاسة والنُّخب من مدى قربهم من حب الجزائر وشعبها أو بعدهم، قياساً على حبه لها، ومن مدى شعوره بانتمائه العربي وأفق الصراع مع الآخر الاستعماري في معارك كان يؤكد على ديمومتها، وفي حضوره الإسلامي والعالم ثالثي، وسعيه لنظام دولي جديد.

 

لهذا لم أنتَمِ لأي حزب داخل الجزائر، إلا للتجمع الجزائري البومديني الإسلامي، الذي أسسه وقاده الكاتب والمحامي محمد سعدي، وقد أحببت هذا الرجل لأنه صادق في حبه للراحل هواري بومدين، وحين ترشحت للمجلس الشعبي الوطني ـ البرلمان ـ في انتخابات 1991، عن الجبهة البومدينية، كان همي مركزاً على إعادة تنشيط ذاكرة الجزائريين تجاه بومدين، وكذلك الحال حين ألَّفت كتابي «اغتيال بومدين.. الوهم والحقيقة».

 

اليوم، وفي ظل حصار الجزائر سياسياً، ومحاولة سحبها إلى العوالم الملتهبة لدول الجوار، وتكالب الأمم عليها، وتحالف قوى دولية ضدها لتحويلها إلى دولة مواجهة ـ وهي منذ سنوات كذلك ـ تستنجد بمواقف قادتها عبر التاريخ، ومنهم الزعيم الراحل هواري بومدين، ربما يفك ذلك عقدة القيادة لديها، فتسير إلى حيث وعيها المصيري بالتاريخ في أزمنة السلم والحرب والفتن.

 

المصدر : الرؤية الإماراتية