بين “إركيز” و “كنكوصة”… ما أشبه الليلة بالبارحة !!!/ محمد عبد الرحمن المجتبى

محمد عبد الرحمن المجتبى /رئيس التحرير

                         زاوية : قلم رشاش /

في شهر نوفمبر من العام 2007 كنت ضمن الوفد الاعلامي المرافق للرئيس السابق المرحوم سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله خلال زيارته لمدينة انواذيبو حيث عقد أو جلسة لمجلس الوزراء ، وأعلنها قطبا إقتصاديا خاصا في البلاد.

في تلك اللحظة كنا نحن معشر الصحفيين نشعر بأمور غير طبيعية تخيم في الأجواء السياسية في البلاد ، وفي اليوم الثاني من الزيارة كان الرئيس يزرو بعض المنشئات الحيوية في المدينة في طريقه الى المطار عائدا للعاصمة ، وصلت أخبار غير سارة تتعلق بمظاهرات خطيرة في مدينة كنكوصة  تم خلالها الاعتداء على المباني الحكومية وتم العبث بالوثائق والتجهيزات وتطورت الاحداث الى أن سقط شهيد وجرح آخرون

ونحن على مدرج المطار نتجه للطائرة قال لي مسؤول سام مقرب من الرئيس هذه أحداث خطيرة تقف وراءها المعارضة حسب المعلومات المؤكدة ، أتذكر أنني راجعته في دقة الخبر لكنه كان متأكدا جدا ، قلت له بالنسبة لي الخبر الرسمي هو ما صرحت لي به وسأنشره نسبة لك كمصدر حكومي رفيع بدون أن أذكر اسمك طبعا ، ولكن قناعتي الشخصية أن ما يجري لا يمكن أن تكون المعارضة خلفه ما يحدث حسب قرائتي الخاصة “منكم وإليكم أنتم أهل  المخزن”!!!

ولعلنا ننتذكر جيدا أن أول حملة غير محتشمة ضد الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله رحمه  كانت على خلفية خطابه في مدينة انواذيبو  (أي قبل يوم من أحداث كنكوصة) حيث كان صريحا في حديثه  عن موارد الدولة وأطلق عبارته الشهيرة ” الدولة ما  تنفظ الفظه” تلكم العبارة التي كانت عنوانا لحملة تشويه الرجل حتى في المكاتب الحكومية والعمومية ( ما أشبه الليلة بالبارحة ) حيث وجهت له تهمة خطيرة ألا وهي “قتل الأمل لدى المواطنين” فالرئيس بالنسبة “لهؤلاء” عندما يخاطب شعبه يجب أن يقول دوما أن الدولة قوية وخزائنها متخمة بالمال واقتصادها يضاهي أقوى اقتصاديات العالم،اما البلدان المجاورة فلا مجال للمقارنة معها – حسب الاسطوانة المشروخة والممجوجة التي عودتنا عليها الأنظمة السابقة- 

بعد أيام بدأت تتضح معالم ما جرى في “كنكوصة” وغيرها  حيث أشارت بعض التسريبات حينها أن شخصيات “مخزنية” قوية ونافذة سافرت للمنطقة قبل الأحداث بفترة قصيرة ورتبت ما رتبت (…)وعادت للعاصمة.

وبالمناسبة إعترف لي ذلك المسؤول السامي بعد سنوات ببراءة المعارضة من أحداث كنكوصة قائلا تلك الاحداث كانت بدايةإرهاصات إسقاط نظام الرئيس سيدي

أطيل عليكم اليوم قرائي الأكارم بهذا الاستطراد التاريخي الذي تستدعيه اليوم الاحداث المؤسفة والخطيرة التي شهدتها مقاطعة إركيز الاربعاء الماضي

فهذه الأحداث لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون بريئة ، كما لا يمكن أن تكون عفوية ومن الصعب طبعا أن يكون سكان مقاطعة إركيز  أو سكان أي مقاطعة من البلاد لديهم هذه الروح العدوانية التي تحرق  مؤسسات الدولة وتعبث بها بهذه الطريقة البشعة والطائشة.

صحيح أن السكان في داخل البلاد يعانون من الاهمال الحكومي على مستوى السياسيات والمشاريع الانمائية ، وصحيح أن الوضعية الاجتماعية والاقتصادية صعبة جدا للغاية خاصة في ظل جائحة كورونا والارتفاع الجنوني الأسعار..

وصحيح أن المؤسسات الخدمية (الماء والكهرباء والاتصالات ) تقدم أسوء الخدمات للمواطنين ولا توليهم أي بسط اهتمام وعناية ، بل تمزج بين سوء الخدمات وعدم المبالاة والفواتير الباهظة

وصحيح أن الوجهاء والساسة في المناطق الداخلية من البلاد يوجهون المشاريع الانمائية لمصالحهم الشخصية وفق المآرب الانتخابية.

كل ذلك وأكثر صحيح وصحيح ، لكن لا شيئ مطلقا يبرر هذا الهيجان الهمجي ضد الدولة ومؤسساتها ، وبالتالي لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون هولاء السكان المسالمين هم من خططوا لمثل هذا العمل التخربي الخطير ، بل دفعوا له دفعا تحت الاغراءات والاكراهات

وأعتقد جازما أن التحقيق الجاري حاليا سيكشف العقل المدبر لهذه الاعمال الاجرامية ، التي يتضح جيدا أن الغرض منها إبراز فشل النظام في الداخل وفق نفس السيناريو الذي شاهدناه سنة 2007م في كنكوصة

وقد تشير أصابع الاتهام لجهة ما تريد تقويض سمعة النظام الحالي وتحقيق مآرب سياسية لصالح جهات ما في النظام الحالي أو النظام السابق ، ولكن هل سيكشف التحقيق هوية تلك الجهات أو الشخصيات التي دبرت هذا  العمل الخطير ؟ تلك قصة أخرى!!!

المؤكد أن المتهمين (الضحايا) المعتقلين لدى السلطات ستتم محاسبتهم بقسوة، أما من دبروا و خططوا وغرروا بالمواطنين البسطاء فالحديث عن محاسبتهم قصة أخرى… قد تنتظر كشف ومحاسبة من دبروا أحداث كنكوصة قبل عقد من الزمن !!!

 

حفظ الله البلاد والعباد  

المصدر: الصدى الورقية الصادرة بتاريخ 27-09-2021م