تباريح العشق وسُلوان السّفر .. سفر في تضاريس رواية “مدن ونساء” للإماراتي سعيد البادي

كتب : فتحي بن معمّر – تونس

مَن منّا لا يحفظ أو لا يتذكّر على الأقلّ بيت جميل بن معمر الذي خاطب به حبيبته بثينة ليبثّها لواعج شوقه الذي لا تخبو نيرانه:
فإن وُجِدتْ نعلٌ بأرضٍ مُضِلّةٍ ……… من الأرض، يوما، فاعلمي أنّها نعلي
ومن منّا لا يتذّكر بعض بوح لويس أراجون الطافح بالعشق في “عيون إلزا”. بل مَنْ منّا لا يتذكّر لواعج نفسه واحتراق أعماقه في لحظات معيّنة مهما كان جبروته ومهما كانت قدرته على إخفاء ما به أو ما عاشه من جوى يُكابده واقعا أو ذكرى أو حلما مهدورا مُشتهى. ومَن منّا يستطيع أن يكابر وأن يتعنّت ليُنكر هذا الشيء الذي يغلبنا على أمرنا، هذا الشّيء الذي اسمه الحب أو العشق أو الجوى أو الصبابة؛ تعدّدت الأسماء والموت واحد. وهذا الموت العشقي والفناء بالحبّ في المحبّ.
وهذا الاعتشاق المؤدّي إلى الامتشاق؛ امتشاق الحبيب بالحضور والغياب حتّى يُظنّ أن لا فراق هو الذي جعل بطل الرّواية يجوب العالم بحثا عن حبيبته التي سكنته، تلبّست به فالتبست عليه نفسه: أمازال هو هو أم صار هو هي؟ أم صار الهُوَ الباحث عن نفسه في الهِيَ؟ تلك التي يُهدي إليها الرواية “إلى ملهمتي بطلة الرّواية”. تلك التي ألهمته كتابة الرّواية وتلك التي جعلته يجول العالم طولا وعرضا وجنوبا وشمالا وشرقا وغربا في دورة تكاد تكون كاملة حول الأرض وكأنّه بهذه الرّواية وهذا المسار يرسم مدارا جديدا حول الأرض هو مدار العشق بعد مداريْ الجدي والسّرطان.
فما هي سمات هذه المرأة الملهمة؟ وما هي دوافع السّفر الحقيقية؟ وكيف نجح الكاتب في المزج بين فنّ الرّحلة وفنّ الرّواية وفي كليهما ما يكفي من الغواية ولذلك كان العنوان “مدن ونساء” افتتانا بسحر المدينة وغواية المرأة.
ولكن لماذا كلّ هذا التّرحال؟ ألا تكفي الإنسانَ مدينةٌ واحدةٌ شاهقة المدنيّة ليجد فيها ما يشاء من الفتنة والغواية؟
يبدو هذا التّرحال محدّد الهدف وهو البحث عن الذّات أو عن خلاص عاطفي على حدّ قوله بالصفحة 15 من الرّواية, خلاص عاطفي ينشده بعد أن أضاع حبيبته التي خانها “وجدت الحبّ الذي تبحث عنه لكنّك قتلته بخياناتك، فلا تعايش بين الحبّ والخيانة” .
ولأنّ الخيانة أمر جلل في عرف المحبّين الصادقين وقوانين الحبّ الصافي المقدّس البعيد عن التّدنيس, فإنّ كلّ من يُدنّسه يُصاب بلعنة الخيانة وذاك ما يُستشّف من قول العرّافة التي وجدها ذات يوم في روما حين نجّمت له وقرأت له الطّالع: ” قدر محتوم ولعنة تطاردك إلى الأبد، ألف لعنة ولعنة، أشباح وظلال تسكن روحك، لن تستطيع محاربتها حتّى تجد ذاتك، ماضيك كأفعى سوداء تطاردك، أمامك نفق مظلم طويل لا نهاية له، فإن نجوت منه، ستتحرّر من سجّانك..” ؛ فبطل الرّواية على ما يبدو واقع بين قطبيْن جاذبيْن، قطب المدينة السّاحر وقطب المرأة الفتّان وما سحر تلك إلاّ بفتنة هذه وما فتنة هذه إلاّ ببهرج تلك.
ولذلك فالرّحلة في الرّواية وعلى خلاف فنّ أدب الرّحلة لم تكن في المكان أو بين المدن فحسب بل كانت رحلة في المرأة وبين النّساء على وجه التّحديد. فقد كانت المدينة مكانا خصبا للّقاءات وفضاءً رحبا للعلاقات والصّيد أو مضمارا يستسلم فيه البطل فريسة لحسناء تُغويه فيستجيب صاغرا ولسان حاله يكاد يردّد “هيتَ لَك”. غير أنّ هذه الـ”هيتَ لكَ” لم تكن للمرأة فحسب بل كانت للمدن والسّفر والتّرحال والتّجارب والأفكار والفلسفات والتأمّلات بحثا عن الذّات المفقودة بعد الخيانة واستجابة لا مشروطة لخطّ سير واتّجاه رسمته له العرّافة بحثا عن خطّ الاستواء بعد تعرّجات مدار العشق ” ثمّ ارتعشت وارتجفت قبل أن تقول بلهجة يائسة: اتّجه إلى غروب الشّمس فقد تنجو وتتخلّص من لعناتك.”
ولأنّ الاستواء لا يُظنّ إلاّ في الغرب فقد كانت وجهته الأولى قبلة الغرب؛ باريس. وليس في تقديري صدفة أن تكون، فهي بلاد الجنّ والملائكة كما قال عنها طه حسين وهي إحدى قلاع الحضارة الحديثة “وجهتي هي باريس ….. وها أنا أعود إليها بمزيد من الشّوق، بحثا عن شيء ما، أو لعلّه بتأثير من كلام العرّافة الغجريّة، الاتّجاه الى غروب الشّمس، ربّما بحثا عن ذاتي التي أضعتها في زحام الحياة”
ولذلك فليست المرأة عموما ولا الحبيبة التي خانها ولا التّرحال بين مئات المدن التي زارها سوى مطيّة للبحث عن الذّات وهو في ذلك يقتفي أثر محمود المسعدي في “حدّث أبو هريرة قال” حين يمرّ بتجارب تمزج بين الرّوح والجسد غير أنّها تقع عند المسعدي في زمن موغل في القدم وتتوسّل بلغة موغلة في الفصاحة بينما تتّخذ تجارب البادي في روايته “مدن ونساء” من الحاضر مضمارا لتجاربه الروحية والجسديّة والتأمّلية والفلسفية. وهو أيضا في كلّ ذلك يلتقي من حيث الأسلوب والأحداث مع الرّحلة الطّريفة التي نجدها عند التونسي علي الدوعاجي في رائعته “جولة بين حانات البحر المتوسّط”. فبطل رحلة “مدن ونساء” ينغمس غالبا في حانات المدن التي يزورها ومراقصها.
لكن هذا الغوص وهذا الغياب المُشتهى أحيانا والمفروض أحيانا أخرى لا يُنسيه رغم كلّ ما عاشه من معاناة بحثا عن حبيبته – وما حبيبته في تقديري إلا ذاته- أصله ومنطلق رحلته إذ يؤكّد مفتخرا انتماءه إلى رقعة من الأرض جامحة نحو المجد جموحا يدعوه إلى الافتخار ” إنّني من مكان بعيد، جئت من بين البحر والصّحراء، ثمّة مدينة شابّة جميلة كالعروس تُسمّى أبو ظبي، منها جئت وإليها أنتمي.”
فالرّحلة عنده تنطلق من هناك حيث الأصل وتعرج نحو الغرب والحضارة مرورا بمختلف الحضارات لتنتهي هناك وقد اكتملت تجاربه وتشبّع بكلّ الحضارات ليصنع غدا أجمل لهذه البلاد التي يقول عنها ” إنّها مدينة تعيش المستقبل كأنّه الحاضر، مدينة نهضت من الصّحراء العربية لتبهر العالم بكلّ إنجازاتها العظيمة.” كما أبهرتنا الرّواية بهذه الرّحلة التي جمعت فأوعت بين فنّ الرّحلة وسطوة العشق وسحر السّرد وإغواء العبارة وغمز الإشارة.