تكاليف أسطورية للعنف / محمد كركوتي

«أولئك الذين يجعلون السلم مستحيلاً، يصنعون عنفاً بلا حدود»

جون كيندي، رئيس أميركي راحل

 

محمد كركوتي / صحفي خبير في القضايا السياسية والاقتصادية

لا شيء يقف في وجه تصاعد الخسائر المالية الناجمة عن العنف بمفهومه العام. وهذا النوع من الخسائر لا يختص فقط بالتكاليف الناجمة عن هذه الآفة، بل يشمل أيضاً الإنفاق على مواجهتها، عبر العمليات عسكرية، والتأمين الخاص، بالإضافة إلى ما تحتاجه قوات حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة من أموال لأداء مهامها الطويلة والخطيرة في آن معاً. ولذلك وُضعت الحروب، وعمليات الإرهاب، والثورات المنفلتة، ومواجهات العصابات فيما بينها، والمناوشات العسكرية بين بلدين متجاورين (وما أكثرها)، والاقتتال القبلي العصبي الطائفي، وُضعت كلها ضمن توصيف العنف، فالخراب الناجم من هذه الحالات المروعة كبير، من دون أن ننسى بالطبع الانعكاسات الرهيبة لها على التنمية والمجتمعات والإنتاجية، وغير ذلك من العناصر الحتمية لضمان قيام أي اقتصاد في هذا العالم.

 

العنف بكل فروعه، كان طبيعياً أن يتسبب في تراجع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بصورة مخيفة في السنوات القليلة الماضية، فوفق «معهد الاقتصادات والسلام» الدولي، خفض العنف (أو الأعمال العدائية) هذا الناتج في العام 2015 بنسبة 13.3%، أي ما يعادل 1876 دولاراً لكل فرد على وجه الأرض، أمام التكاليف الإجمالية فقد وصلت إلى 13.6 تريليون دولار! ما يوازي ناتج كل من اليابان وألمانيا وبريطانيا وفرنسا مجتمعة! بل أدنى قليلاً فقط من الناتج الإجمالي لكل بلدان الاتحاد الأوروبي البالغ 16.6 تريليون دولار! والمصيبة هنا، أن عدداً ليس كبيراً من البلدان ينعم بالسلام والأمن في هذا العالم المليء بالمخاطر، ما يؤكد مجدداً أن لا نهاية لهذا العنف، ولا حد لتلك الخسائر، ولا توقف للمشاكل والأزمات الاقتصادية.

 

المصائب التي يصنعها الإنسان، لا تقارن من حيث الخسائر والأضرار (طبعاً، من دون ذكر تبعات الكراهية التلقائية) مع تلك الناجمة عن الكوارث الطبيعية، أي أن الإنسان أكثر كارثة على نفسه من غضب الطبيعة ذاتها، وهذا يظهر بوضوح (مثلاً) من تكاليف الكوارث الطبيعية التي بلغت العام الماضي 79 مليار دولار، سبعون في المائة منها تم تسديده عبر شركات التأمين. وأيضاً، لا داعي للاستفاضة في تناول حجم الخسائر البشرية الناجمة عن هذه الكوارث، التي بلغت 3800 قتيل في الستة أشهر الأولى من 2016. علينا أن نتخيل الخسائر البشرية المقابلة الناتجة عن العنف والأعمال العسكرية المختلفة! سيبدو غضب الطبيعة على الإنسان رحمة، مقارنة بغضب البشر على أنفسهم.

كل ذلك يضرب الناتج المحلي الإجمالي العالمي بصورة خطيرة، وينال على وجه الخصوص من بلدان لا تتحمل عاصفة غبار بسيطة من فرط هشاشتها الاقتصادية، فكيف الحال بأعمال عنف وحروب بعضها لا آفاق له، وبعضها الآخر لا أمل حتى بيوم يأتي ليشهد نهايتها؟ والغريب أن البعض لا يحب معرفة، أن تكاليف التنمية والبناء تظل أقل بكثير من تكاليف الحروب وتداعياتها. وهذا هو الفارق بين دول تعتمد على السلم والأمن كـ «رأس مال» لها للمضي قدماً نحو التنمية المستدامة، وبلدان ترى في السلاح والكراهية والعنف «رأس مالها»! لكن المصيبة، لا يمكن فصل العالم عن بعضه بعضا، فتداعيات العنف والحروب تنتقل بصور مختلفة في كل الأرجاء.

الناتج الإجمالي العالمي واحد، وإن كان مكوناً من «نواتج» كل البلدان، وكلما تقدم السلام على الحروب، كان هذا الناتج أكثر صحة، وكأنه جسد واحد لأطراف عديدة.

[email protected]

 

المصدر