تيسلر.. تكاثر مدّعي التَّأليف باختراعه / رشيد الخيّون

رشيد الخيون باحث عراقي

يُعد اختراع طريقة «القص والنّسخ واللَّصق»، في جهاز الكمبيوتر، مِن أعظم الاختراعات في عالم الكتابة والتأليف، مَن يعرف فضل مخترعها الأميركي لاري تيسلر، قبل وفاته (17/2/2020)، وما عظمة اختراعه هذا؟! في الوقت الذي عقول شرقنا تشغِلها الخرافة والشَّعوذة، بما عُرف بالصحوة الدينية، كان «تيسلر» يسهر على تطوير عمل برامج الكمبيوتر، حتى أنجز أعظمها وأبسطها «القص والنسح واللصق» العام 1983.

بلا ريب، أغلب الاختراعات والاكتشافات لهما منافعهما ومضارهما أيضاً، وهل هناك اختراع ساهم في مد الطُّرقات والأنفاق تحت الجبال، وتمهيد الأرض الوعرة لسكن الإنسان مثل الديناميت؟! لكن الأشرار حرفوه إلى تفجير البشر بدل تفجير الصُّخور، فاضطر صاحبه إلى وضع جائزة «نوبل» للسلام والعلوم والآداب، مِن أجل فائدة البشرية، كاعتذار عن استخدام اختراعه في القتل الجماعي، كون المتفجرات صارت لها كتائب خاصة في الجيوش، والبشر عانوا براً وبحراً مِن زراعتها، ناهيك عن تفجيرات التنظيمات الدِّينية الكارثية في العقود الأخيرة.

مثلما حُرف اختراع «نوبل» عن وظيفته الإنسانية، حُرف اختراع «لاري تيسلر» عن مهمته الحضارية والعلمية، إلى السطو على جهود الآخرين، مِن نصوص ودراسات وترجمات، مع تغييرات في مفرداتها، فقد سهل «تيسلر» لهم السَّطو، وتلفيق التأليف عن طريق «القص أو النسخ واللصق».

هنا تأتي خرافة التأليف والإنجاز، وهذا الجانب الضار من الاختراع العلمي، الذي لم نكن نفكر به حتى في الخيال، لهذا نُسب كلُّ فعل ذكي، في ماضينا وحاضرنا أيضاً، إلى «الجن»، حيث واديهم «عبقر»، فعرف الذكي الخارق، قياساً بغيره، بالعبقري، أليس قصائد الشعراء الكبار في الأدب، نُسبت على المجاز إلى شياطينهم؟! تعبيراً عن جزالتها، في زمانها وزمننا هذا.

يُذكرنا اختراع تيسلر، في مجال لصوصية الكتابة، بكتاب «الألفاظ الكتابية» للكاتب عبد الرَّحمن بن عيسى الهمذاني (ت 320 هج)، وكان مِنْ الكتاب المقلين، فقد ضمن كتابه ما يحتاجه الكاتب مِن مفردات، قال فيه الوزير والأديب الصَّاحب بن عباد(ت385 هج): «لو أدركت عبد الرَّحمن بن عيسى، مصنف كتاب الألفاظ لأمرت بقطع يده»! ولما سُئل عن السبب قال: لأنه «جمع شذوذ العربية الجزلة في أوراق يسيرة، فأضاعها في أفواه صبيان المكاتب، ورفع عن المتأدبين تعب الدُّروس، والحفظ الكثير، والمطالعة الكثيرة الدَّائمة»(الألفاظ الكتابية، طبعة 1885)، أما لصوص الكتابة اليوم فهم صبيان المكاتب سابقاً، وهم على حد تشخيص الهمذاني «مَنْ أخذ منهم معنى بلفظه فقد سرقه»، «ومَنْ أخذهُ ببعض لفظه فقد سلخه»(المصدر نفسه)، وذلك من زمن الهمداني إلى تيسلر.

طُور كتاب «الألفاظ الكتابية» على يد آخرين، لكنه يبقى الأصل، وما اللاحقون إلا فروع، فبأثره ظهر كتاب «فقه اللغة وأسرار العربية» للأبي منصور الثَّعالبي(ت429هج)، وإن كان مِن نوع آخر، جاء موسوعة من المفردات للأشياء ومعانيها، أتى تأليف الهمذاني (والثعالبي أيضاً) لتدني مستوى الكتابة، مع وجود كبار آنذاك فيها، بعد حين طويل صنف الأديب اللبناني إبراهيم اليازجي(ت1906) كتاباً عنونه بـ «نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد»، وهو عبارة عن توسيع لكتاب «الألفاظ الكتابية» لعبد الرَّحمن الهمداني، لكنه لم يذكر له فضلاً.

تزايد مدعو الكتابة والتَّأليف، ووسيلتهم اختراع تيسلر، الذي طوع الإلكترون ليكون قاصاً وناسخاً ولاصقاً، نراها عمليات بسيطة، لكن كم كان اختراعها عبقرياً، مثلها مثل مخترع «تويتر» و«فيسبوك»، و«واتساب» و«انستغرام»، وتلك اختراعات عملاقة، ما كانت لتكون لولا الثورة التكنولوجيا الكبرى.

مع كلّ تلك الاختراعات، التي لا يستغني عنها المتشددون والمنفتحون، يدخلها المحاولون وقف عجلة الزمن، في مصطلح «التغريب»، نسبة إلى الغرب، وإدخالها في المصطلح المذكور يكشف فضيحة كبرى، وهو هشاشة التمسك بنقاوة الأعراف والتقاليد والتراث بكلّ مكوناته، ويكشف كذبة كبرى، وهو عدم القدرة على الحياة، مع لوازم العصر، مِن دون الغرب واكتشافاته واختراعاته، أما شرقنا فالقديم جديده والجديد قديمه، إنه اختراع لاري تيسلر أحد إنتاج «التغريب» نفع أهل الكتابة، وفي الوقت نفسه سهّل لصوصية الألفاظ والمعاني.

 

المصدر : الاتحاد