حي قرن القصبة: معاناة تتجدد!! / بقلم : زينب الجد

الاستاذة زينب الجد / اعلامية موريتانية مستقلة

إن المدن تنتصب فوق أعمدة روحية، كالمرايا العملاقة، وهى تعكس قلوب سكانها، فإذا أظلمت هذه القلوب وفقدت إيمانها فإنها ستفقد بريقها وبهاءها. لقد حدث ذلك لمدن كثيرة وهو يحدث دائما.

قواعد العشق الأربعين أليف شفق.

إن المراحل التي تمر بها حياة الآدمي هي نفسها التي تمر بها حياة المدن، فمن الطفولة إلى عز الشباب وعنفوانه ثم بعد ذلك يبدأ السهم في الانحناء والتدرج إلى الأفول، فإما أن تختفي ويبتلعها  بحر الإهمال- وإما أن تجد من يرعاها ويصونها ليأخذ بيدها إلى شيخوخة الوقار وعزة النفس ومقاومة الاختفاء والاحتفاء بمحطاتها.

وقد كان لهذا الحي-موضوع حديثنا اليوم- حظه من عدم الاعتناء، بل الاعتداء حتى لا أقول التشويه.

 منذ حوالي 26 سنة تقريبا، يعاني هذا الحي لكثير من العوامل والأسباب.

فقد انطلقت الشرارة الأولى لهذه المأساة في خريف 1984 إثر أحداث عرفت بسيل أطار، فقد تهدمت بعض البنايات بسبب السيول، ولكن الأدهى أنه تحول إلى جزيرة بفعل المياه التي غمرته، فلا من بداخل الحي يستطيع الخروج لقضاء حاجاته .

إلا أن هذه  الأحداث كانت بردا وسلاما على الدولة وكأن هناك من كان ينتظر هذه اللحظة التي شكلت الدفعة الأولى من نزوح سكانه الأصليين، ليحتل الخراب والنسيان محلهم.

تتالت بعد ذلك الهجرات من الحي ليترك بالكامل لعوادي الزمن، وبدل أن يفكر الملاك الأصليون أو الدولة في ترميمه واستغلاله كمعلم تاريخي حي. أصبح ملاذ الوافدين خاصة القادمين من خارج المدن  الباحثين والباحثات عن العمالة اليدوية، الأمر الذي سيشكل منعرجا أكثر خطورة على واحات مدينة أطار الجميلة، فقد تزامنت موجة قدوم الوافدين مع اختفاء أو وهن وشيخوخة غالبية القائمين على الواحات وهجرة شباب المدينة بحثا عن العمل حيث لم يعد يكتفي بما تجود به الطبيعة هناك.

هجر السكان هذا الحي وتركوه تحت رحمة مقاولين لا يفكرون إلا بما يملأ جيوبهم وكأنهم لم  يسمعوا يوما بالتاريخ ولا حتى الجغرافيا، حيث رموا بثمرة استنبتت وتمت رعايتها منذ ما يقارب سبعة قرون ليرموها وكأنها قطعة بخور ترمى على جمر كانون يشتعل  في ليلة شتوية قارسة؟

ذلك ما فعلوا بأغلى وأصلب الركائز التي تأسس عليها هذا الحي الوادع المسالم، إنه المسجد العتيق بمدينة قرن القصبة، هذا المسجد الذي شكل استثناء فبالإضافة  إلى الدور الروحي لهذه المعلمة شكل رافعة اقتصادية، للسكان عن طريق نظام محكم اختفى هو الآخر باختفاء المسجد.

هذا الجانب من نظام الحي العتيق سنتحدث عنه في الحلقة القادمة بحول الله..

المصدر : الصدى الاسبوعية الصادرة بتاريخ 15شعبان 1442هـ الموافق 29-03-2021م