خواطر جدُّ بسيطة حول فكرة تعزيز السلم العالمي / باب ولد سيد أحمد لعلي

باب ولد سيد أحمد لعلي / كاتب موريتاني

عكفتُ منذ أيام على فتاوى وأفكار الشيخ العلامة عبد الله بن بيّ رئيس مركز تعزيز السلم العالمي وليس ذلك من باب الصدفة وإنما الأمر جاء بعد تفكير طويل قبل النزوع إلى التطلع على منهجه وأفكاره حول ما تعاني منه الأمة من انشطارات وانقسامات وتفكك اجتماعي وسياسي يعيد انتاج الضعف بدل جلب عوامل القوة يوما بعد يوم ، فأي الطرق أفضل للخروج من مصيبتنا أو أزماتنا التي يترجمها ذلك الضعف وهذا الوضع المزمن؟ على العلم أن العالم اليوم ليس العالم الذي عاش فيه الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ،

 

بل هو عالم أخطرُ مما نتصور وصل العلم في أقرب من مداه وصارت عوامل التدمير والقوة محتكرة عند ثلة عالمية قليلة هي من تحكم العالم وتفرض عليه ما تحبُ وتشتهي ، وليس بمقدور أي كائن من كان أن يعادي تلك القوة ، وهل يمكن لنا نحن الأمة الإسلامية أن نجد حلا دون منهجنا الرباني ـ الإسلام ـ ؟ وكيف ذلك؟ هل يعقل أن يكون من يرفع شعار الإسلام وينادي بإصلاحاته هو من يسعى إلى التخريب من أجل أن يحكم حيث أنه لا يرى غيره صالحا للحكم ، وقد تدفع به نظرته تلك إلى التحالف مع الأعداء على بني جلدته من أجل الحكم تماما كما حدث في ما بات يسمى جزافا “الربيع العربي”.

كانت أكبر معضلة تواجه فهمي هو كيف نتعامل مع الفتاوى بعيدا عن محيطها السياسي.؟ أو نعتبر الفعل السياسي شيء والفتوى شيء آخر؟ ، حتى تبيّن لي أن المصلح هو الرجل الذي تحفه المخاطر وتشتعل النيار من خلفه ومن حوله ويظل يمسك بأنابيب الإطفاء دون ملل ولا كلل متغاضيا عن كل خطر من أجل هدفه الأعلى وهمته السامية ، وهذا ما يجبُ أن يكون عليه حال مصلحينا اليوم.

هل يمكننا حلّ كل ما في الكون من ألغاز بهبّةٍ واحدة نحو القدس تخربُ البنيان وتهدمه وتنتشرُ أشلاء الضعفاء والأبرياء ومن يتحركُ لمشاعره وعواطفه في الطرقات ؟ أم ننتظرُ حلا سحريا ينهي المشكلة ويعيد المياه إلى مجاريها حيثُ الخليج موحدا والشام قوية كسابق عهدها والعراق فخر الأمة ومجدها يعتلي مجده من جديد ؟ ، وعلى ما يبدو أن الأمر الأول يُكلفُ العامة والجميع ما لا يطيق وخسائره أكبرُ مما يُتصورُ ونحنُ في غنا عنه والأمرُ الثاني مجازٌ مستحيل التحقُق هكذا ، وإنما بالعمل العقلاني يتحقق ما نصبو إليه ، فكم سنة أقضاها اليهود أو أقضتها الحركة الصهيونية تعدُّ وتُجهز لدولتهم المنتظرة ، فهل هم أدهى منّا وأعقل ؟.

المشكلة أن أي فكرة عُدت وجُهزتْ سرا بنوايا خفية وبشكل منمقٍ جذاب إنما يحصد ثمارها الخيرة أو السيئة العامة التي لا تتعامل إلا مع أشكال الأمور ولا تسعى إلى البحث في خفاياها ودلالتها السرية أو الأصلية ، وهو أمر تلعبُ وسائل عدة دور تسويقه دون شرحه وتفصيله ، كساعي البريد الذي يحمل رسائل المحبين والمشتاقين ومن يحبُ أن يُطمئن عزيزا عليه شفّه فراقه فهو مجرد حامل كلمات يرف قلب متلقيها فرحة ليس له بل لمن خطّ الحروف ووجهها ، وحامل البريد ليس على علم بمضمونها ولا بما تحملُ ، أهيّ آهات عاشقِ ؟ أم أناتُ محرومٍ أم أوجاد معذّبٍ بالين والفِراق؟ أم دون ذلك مسلمٍ ومحيٍّ لأهل غيبتهم عنه الأيام والسنوات ، كان الله في عونه فهو طيب حكم الله عليه بدور شريف دون أن يكون له نصيب من كل تلك الأمور أو دون أن يكون له هو من يبعثُ له مثلها …..

المشكلة فينا نحن دون غيرنا فلا يجبُ أن نكون وعاء يُحمل فيه ما يشاء كل من شاء من أمور خيرة أو سيئة دون علم ، فلو علم أي شخص أن الإسلام الذي ينتهجه الكثير مجرد شعار لما رغم في أهله أبدا فقط لأن اللعب على العواطف أسهلُ طريق للسيطرة والنفوذ ، وتحقيق المصلحة تماما كحال الرجل الغني الذي يقتات على طلب الناس عندما ينتهزُ فرصة يكون الإنسان أقرب فيها للعطاء فيذهبُ إلى المقابر أيام الزيارات ويعتكفُ هناك بحثا عن غايته ، أو المسجد مثلا ، فالإسلام ليس طريقا لتحقيق غيات من هذا النوع على ما أظن .

هل حقا يمكن إصلاح هذه الأمة بإزالة أنظمتها الديكتاتورية عن طريق ثورات أو حروب داخلية؟ على العلم أن تاريخنا الإسلامي حدثت فيه الثورات والحروب الداخلية وكانت تكلفتها باهظة جدا في ذلك الوقت ، فهل نتحمل تبعات تلك التكاليف في هذا الزمن الذي أصبحت فيه أسلحة الدمار تشكل خطرا على الوجود البشري بشكل عام ؟ زيادة على أن أي أمر قد يكون بداية للتجاذب الخارجي وهو أمرٌ شاهدناه في دول الآن ولازالت نتائجه الوخيمة تحصد الأرواح يوما بعد يوم …

إن أول ثورة حدثت في الإسلام كانت في عهد عثمان وأشعلها مجوسي يدعى عبد الله بن سبإ وكانت نتائجها وخيمة على الأمة حيث قسمتها إلى طوائف وخلفت في فئات عدة تدعي كل منها الأحقية في الخلافة ، كما أدت إلى افصال السياسة مع الفقه ، فتغلب بعد ذلك بسنوات عبد الملك بن مروان على عبد الله ابن الزبير دون أن يعني ذلك تغيب الفقه وتعاليم الشرع عن سياسة الحكم فقط لأن الزمن تغيير والغايات أصبحت تفرض ذلك …

فما بالك باليوم ؟ طبعا لا ينبغي الإجابة على ذلك السؤال دون معرفة الواقع والنظر إلى النصوص الشرعية التي لا ينبغي اعتبارها جامدة حسب الشيخ بن بيّ عندها نستطيع  تخريج المناط أو تنقيه أو تحقيقه من أجل حفظ المصلحة أو درء المفسدة حسب ذات التعبير …

فالأمة تحتاج عقلا اليوم لا سيفا وفكرا يُنير الطريق المظلم أمامها لا مخرزا يحفر في أعماق الجرح لكي لا يندمل أبدا