«ديمقراطية لابول».. الواجهة والجوهر/ محمد المنى

محمد المنى / اعلامي موريتاني مقيم بالامارات

 في أفقٍ عالمي بدا غائماً بالغموض حول مستقبل المعسكر الاشتراكي الآخذ في التفكك والتداعي، وأمام رياح التحول الديمقراطي المتسارع في بلدان شرق ووسط أوروبا، انعقد مؤتمر القمة الفرنسية الأفريقية برئاسة فرانسوا ميتران في «لابول اسكوبلاك» بالغرب الفرنسي، منتصف عام 1990. وكانت رسالة باريس لحلفائها المؤتمرين يومئذ واضحة: لا بديل لمن أراد منكم الاستمرار في سدة الحكم عن تبني نظام التعددية الحزبية والانتخابات التنافسية.. أما مَن أصر على الاحتفاظ بصيغة نظام حكمه العسكري الأحادي، فإن فرنسا ستكون في حل من الاستمرار في دعم بقائه رئيساً.

 وبعد قمة لابول انطلقت حركية المؤتمرات الوطنية للإصلاح الديمقراطي في أفريقيا، وكانت محطة البداية لقطار التعددية الأفريقية من “بنين”، ثم تبعتها بقية الدول الأخرى ومنها موريتانيا.

 وقد مثلت «ديمقراطية لابول» في نسختها الموريتانية منعطفاً كانت له بصمته الواضحة على كثير من جوانب ومعطيات حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية المعاصرة، حيث أفضت إلى اختفاء حقائق وظواهر ومتغيرات عديدة، وإلى ظهور أخرى ظهوراً ملحوظاً وطاغياً على نحو غير مسبوق.

 ومما اختفى أو اضمحل في ظل «ديمقراطية لابول» الآتي:

– التيارات الفكرية الأيديولوجية التي سادت وانتشرت في البلاد منذ نهاية الستينيات، وكان لها حضورها القوي، المراوِح بين السرية والظهور الحذِر في الحياة العامة.

– النقابات العمالية والاتحادات الطلابية التي كان لها هي أيضاً حضورها القوي منذ السبعينيات، وكان التنافس عليها محتدماً بين القوميين واليساريين.

– طبقة التكنوقراط التي تكوّنت في ظل انتشار التعليم الحديث ونشوء مؤسسات الدولة الوطنية، لكن تحتم عليها «التسيس» والانتساب إلى «الحزب الجمهوري» والعودة إلى حضن القبيلة («عودة الأطر»).

– الموظف العمومي الذي يخدم جميع «المواطنين» من موقعه، دون النظر إلى انتماءاتهم الفرعية أياً كانت، والذي أصبح معيَّناً في منصبه كجزء من الحصة الاستحقاقية للقبيلة، ومن ثم فهو يخدمها وحدها.

– اختفاء «المواطن» نفسه، هذا التوصيف الذي كنا ندعو به أي شخص نجهل اسمه، وكان هويةً مشتركةً بين الجميع، وقلّما اهتم أحد بالسؤال عن هوية أخرى غيرها (من الهويات الفرعية التي ستنبعث وتزدهر لاحقاً).

– وأخيراً سرعان ما اختفت أيضاً الأحزاب السياسية التي سمحت بإنشائها «ديمقراطية لابول» ذاتها في إطار التعددية المعلَنة رسمياً، بسبب سياسة الحصار والتجويع (والعمل رسمياً بمبدأ «التجريم بالقرابة») ضد المعارضين، حيث اضطر منتسبو هذه الأحزاب لحزم أمتعتهم والعودة إلى مضارب القبيلة.

لكن بالمقابل فقد برزت في ظل «ديمقراطية لابول» الظواهر والمعطيات التالية:

– عودة القبيلة والقبلية على نحو قوي للغاية، بعد سنوات من التواري كادت تضعها على رف النسيان نهائياً، لتصبح القبيلة قناةً وحيدة بين «المواطن» و«الدولة» للحصول على المنافع والمناصب والامتيازات.. إلخ، في إطار استراتيجية رسمية جديدة سعت لإعادة هندسة المجتمع.

– تحول قطاعات عمومية بكاملها إلى محميات أو إقطاعيات خاصة بمسؤولين تقلدوا إدارتها كمكافأة سياسية لهم ولقبائلهم على احتشادها الانتخابي الداعم لصالح الرئيس وحزبه.

– بروز ظاهرة «آفكراش»، أي المسؤول العمومي الذي يصنع مجده الشخصي والعائلي والقبلي، ويحيي أمجاد الأجداد أيضاً، من خلال تبديد المال العام والاستيلاء على وسائل الدولة ومقدّراتها وممارسة المحسوبية علناً.. بلا حياء ولا خوف ولا خشية.

– ظهور سطوة رجال الأعمال المقرّبين الذين أصبحوا يحتكرون السوق ويستأثرون بالصفقات العمومية ويُمنَحون أثمن الأراضي في نواكشوط وشمامه، كما يُعفَون عملياً من الضرائب والرسوم الجمركية، وتُوضَع السياسات الاقتصادية والمالية (من فرض لوحات ترقيم السيارات إلى برامج الخصخصة والهيكلة وتصفية المؤسسات العمومية) وفق متطلبات مصالحهم الخاصة المباشرة.. وهم رجال أعمال يخافهم الموظفون العموميون ويسعون دائماً لنيل رضاهم وتجنب سخَطهم.  

– ازدهار المحسوبية وعلاقات الزبونية في المجال العمومي، والمجاهرة بممارساتهما في الفضاء العام علناً، دون خشية ولا حياء.. حيث بات ينظر إلى المسؤول النزيه باعتباره «معارضاً مدسوساً» ومعادياً للنظام وخياراته.

– ظهور خطاب «تلحليح» كفلسفة مقبولة ومبرَّرة، بل كوجهة نظر سياسية محترمة ومقدَّرة من طرف الكثيرين على مختلف المستويات الرسمية، وحتى الشعبية أيضاً.

– صعود الخطاب الشوفيني المتبادل بين النخب من الفئات والعرقيات المختلفة، ترجمةً لحلول الانتماءات الفرعية محل الدولة التي أصبحت تجسيداً لثنائية «القبيلة والغنيمة».

والخلاصة أنه في ظل «ديمقراطية لابول» كنا أمام واجهة شكلية تحمل اسم «التعددية الحزبية»، وُضعت لإخفاء منظومة كاملة من الممارسات المغايرة.. بغية التمويه على الممولين والداعمين الدوليين. لذا لم نظفَر لا بالديمقراطية في حدها الأدنى من التسيير التشاركي، ولا بنظام سياسي مركزي عصري كذلك الذي عرفتْه الكثير من دول العالم النامي وكانت له إنجازاته في مجال العصرنة المؤسسية والاقتصادية وتجذير الاندماج الوطني.. وإنما خسرنا الدولة بجميع تجلياتها الحداثية، فيما استعدنا القبيلة والقبلية (كثقافة سياسية تناسب المرحلة)، مع كل ما يرتبط بهما من ممارسات وخطابات ساهمت في تسريع خطوات عوتنا عقوداً عِدةً في الدوران إلى الخلف، لنجدنا أنفسنا أخيراً أمام واجهة كانت وظيفتها الوحيدة إخفاء جوهر «سياسي» مناقض لشعارات الواجهة المعلنة!

المصدر : صفحة الكاتب على الفايسبوك