ربيع السياسة .. ولد بوبكر مثالا / النوها منت محمد صالح

النوها منت محمد صالح

كل المؤشرات توحي بأننا نعيش لحظات سياسية مميزة، فالزمن السياسي يشير إلى فترة يمكن فيها لكل ماهو إيجابي أن يتجسد وأن صوت المنطق والعقل يأخذان الآن مساحة أكبر بعد أن كنا دخلنا مع الحقبة السياسية الماضية مناخاً من انسداد الأفق والعجرفة في التعامل السياسي حتى باتت الرؤية الواحدة للنظام السياسي القائم هي وحدها من تقرر كل شيء وكانت أي دعوة لتفعيل مفهوم الديموقراطية المتمثلة في الشراكة السياسية القائمة على الركائز السليمة كانت تلك الدعوات تعتبر نوعاً من المعارضةالراديكالية بل وتحدي اتجاه ما اتفق على أنه مشروع “العشرية” وأنا هنا وإن كنت لا أنفي أن هناك ما تحقق وبشكل لا لبس فيه إلا أن المناخ السياسي وقتها تحول إلى شكله السيء ليغلق الأبواب أمام الشراكة السياسية والتي قد تتفق معك في أشياء وتخالفك في أشياء أخرى وبذلك تتقاسم معك القوى السياسية الشريكة المسؤولية أمام الشعب رغم أنها ربما لن تشاركك الأرباح السياسية , وما نلاحظه اليوم من غياب تام لمن يدافع عن مشروع “العشرية” بالشكل المطلوب بعد أن حيدت مؤسسات الدولة الرسمية عن هذا الدور , بل وتهرب أركان النظام السابق من الخوض في هكذا حديث دليل على أن المنطق السياسي السليم لم يكن يحكم الأمور ولو أنه كان يحكمها لوجدت طبقة سياسية لنظام امتد لعقد من الزمن تدافع عن مكتسباته وتشرح وجهة نظره !,

 

وحتى لا أطيل في سرد ما صار بالتأكيد مفهوماً وبشكل لا لبس فيه لدى المهتمين بالواقع السياسي الوطني أجد أنه من الأجدى الإشارة إلى أن هذا الواقع السياسي السليم الذي نعيش فتراته صار يجب أن يتجسد تحت الضوء إلى ما هو ملموس وقادر على تشكيل خطاب وأن لا يبقى هلامياً يشع في نفوس المتفائلين منا دون غيرهم!, فمن المقبول أن يمضي النظام السياسي إلى التشكل أولاً وأن يبدأ في خلق خطابه وبناء الشكل الإجرائي الذي يجده مناسباً إلا أنه لا يجب أن يغفل عن حقيقة أن كل ذلك قد يمضي به إلى “التوحد السياسي” ليعيد بذلك خطوات من سبقوه فليس من النباهة أن يعيد التاريخ نفسه دون أن نتعلم منه أي شيء !.

 

أنا كنت قد عنونة المقال بربيع السياسة لأنني مقتنعة بأننا نعيش لحظات فارقة من تاريخنا , بل ربما نحن نمضي إلى نقل الشكل الديموقراطي الذي ننتمي إليه إلى المرحلة التالية , المرحلة التي تقوم على الانفتاح السياسي والبحث عن الشراكة السياسية السليمة دون النزعة الفردية المقيتة التي تقود في كل مرة إلى ذات النهاية , وإني وإن كنت استحضر مفهوم الشراكة السياسية وترقية ديموقراطيتنا أجد أنه من الغريب أننا لم نوجه البوصلة السياسية بعد إلى حيث تنتمي فشخصية سياسية مثل الرئيس “سيدي محمد ولد بوبكر” هي الأكثر ملائمة حسب اعتقادي للمساهمة في انضاج هذا المناخ السياسي السليم وترسيخ هذا الربيع الذي يغمرنا جميعاً بطابع من الأمان والتطلع إلى مستقبل أفضل , فالرجل يملك تاريخ سياسي ناصع وملائم جعله في أكثر من مرة محل ثقة لدى الجميع كما أن المراقب الجيد للانتخابات الماضية قد يدرك بسهولة أن الرجل مقبول وبشغف لدى الشارع الموريتاني فحتى من لم يصوت له كان يعتبره خياره الثاني من بين المرشحين وهذا دليل على أن هناك مزاج شعبي يقدر التاريخ السياسي للرئيس سيدي محمد ولد بوبكر ويعتبره ممثلاً للمنطق السياسي السليم الذي يعبر عن رغبات الشارع الموريتاني والتي لم تعد تستسيغ الراديكالية ولا النفعية السياسية وبالتأكيد لم تعد تقنع بالمشاريع السياسية العبثية والتي لا ملامح لها ولا تملك أي خطاب يؤيدها ويبرر وجودها السياسي .

 

والغريب أن الساحة السياسية متفقة على استحضار التاريخ الفريد للرجل والمؤهلات الفذة التي يتحلى بها وربما يظهر هذا جلياً في استحضارنا الدائم أن هناك أدوار ووظائف على مستوى منظمة الأمم المتحدة تعرض وسوف تعرض على الرجل ولا أفهم حقيقة كيف يمكن أن يقبل الحقل السياسي أن يخسر أفضل رجالاته لصالح وظائف خارجية ذات طابع أممي بينما نحن جميعاً بحاجة لهم من أجل ملء الساحة وتطوير مفاهيم العمل السياسي حتى يمكن أن نسد الأبواب أمام أشباه السياسيين ألائك الذين يقودون العمل السياسي ومتطلباته نحو درجة من التردي لم تعد مقبولة ولن تفضي لشيء يمكن أن يبنى عليه أو يمكن أن يطور من أدوات العمل السياسي !. نحن صرنا نستفيق مؤخراً على أحزاب ذات خلفية عرقية وحركات سياسية تتبنى أيديولوجيا مشوهة ومن المعيب حقاً أن تتقدم ديموقراطيتنا لتنتج هكذا أحزاب وحركات سياسية وجمعيات ونقابات تسعى للصدام مع المجتمع في سبيل مصالحها الضيقة بعد أن تمت عملية تحنيط ممنهجة للنخبة السياسية التي تحتاج إلى مناخ سليم وطبيعي حتى يتسنى لها أن تضطلع بمهام الأمة.

 

كم أتمنى أن يتفهم المزاج السياسي السليم الذي يطبعنا هذه الأيام أهمية المضي نحو الشراكة السياسية وأن التوغل في الأمر لا يكفي أن يكون إعلامياً بل يجب أن يأخذ الشكل العملي الإجرائي وأن نتقبل فكرة أن هناك رموز ومنشغلين في السياسة يجب أن يسمح لهم بالاضطلاع بأدوارهم السياسية طالما أن نسعى لترقية الديموقراطية والانتقال إلى الترقية التالية والتي ربما صار الواقع يفرضها كما سوف يفرضها التحول الاقتصادي الذي ننتظره مع قدوم ثروات الغاز والذي نأمل بأنه سوف يكون نقطة تحول مهمة تمضي بنا خطوات عديدة نحو المستقبل .