ركب شنقيطي خرج حاجا ولم يعد / إسلم بن السبتي

كنت في مقال سابق قد أشرت إلى أن مدينة  شنقيط التاريخية كانت نقطة تجمع لحجاج بلاد شنيط، وساعتها دللت على ما أقول بأنموذجين من الحجاج الذين وصلوا إلى المدينة، وأخذوا طرق شتى للذهاب إلى الحج، وذكرت أيضا أن أهل المدينة قد حجوا في فترات مختلفة، وعاد البعض وبقي البعض الآخر، وكان في ذهني ما يعرف بالركب الشنقيطي الذي خرج ولم يعد، وها أنا أعود إلى سيرة أولئك النجوم وما جمعت عنهم إبان البحث الدقيق عن أسمائهم وسيرهم، وما أنشد فيهم من شعر رحمهم الله جميعا وتقبلهم في فسيح جنانه.

 

في حوليات تيشيت كان أول ذكر لهؤلاء حيث قال المؤلف: ” وفيه طلوع حجاج إدوعلي الذين توفي منهم البخاري وابنه سيدأحمد، والمنير، ومحمدو بن محمدي”.

 

فهذه إشارة موجزة لم تعط كبير خبر عن هؤلاء الحجاج، وأين توفوا، ولا أين دفنوا؟ إلا أن المعلوم من أخبارهم أنهم كانوا أعلاما نيرين، شاركوا في بناء مدينتهم، وحازوا مراكز اجتماعية مرموقة، فمثلا المنير بن لحبيب بن إبراهيم بن المامون، كان مهتما بجمع الكتب يعضد ذلك ما وقفت عليه من نسخ محمد بن أحمد درج سنة 1272ه لكتاب المقاصد السنية لعمر بن سعيد الفوتي، نسخه لأخيه في الله المنير بن لحبيب بن إبراهيم بن المامون. وقد دفن في مكة، وأوصى لفقراء الشناقطة بثلث ماله.

 

أما العلامة سيدي عبد الله بن انبوج، فقد أبان عن نجوم خمسة رثاهم بقصيدة عصماء، وذكر أسماءهم على التوالي: المنير، والبخاري، وابنه أحمد، ومحمدو بن محمدي(محمد)، ثم عبدالرحمن، وهو علم من علماء البكريين، له دراية واسعة بعلوم القرآن، وله نظم في الموضوع، شرحه العلامة سيد محمد بن حبت، ويقال إنه توفي عائدا من الحج في مدينة بورسعيد المصرية.

 

ومطلع رائعة ابن انبوج هو:

 

إني لأعلم والدنيا إلى الـــــــــــــــــــــــــــــــعدَم     أن الحياة خيالٌ رِيء في الحُــــــــــــــــــــــــــــــلمِ

 

ثم ذكرهم بقوله:

 

فاذكر عدادهم واذر الدموع وقــــــــــل:   يا رحمة الله بالغفران فانْسَجِـــــــــــــــــــــــم

 

هم: المنير المنيب المستقيم الأريب   ابن الحبيب الكريم النفس والشيــــم

 

ثم ذكر البخاري، فقال:

 

ثم البخاري وما أتقى البخاري ومــــا    أرعى البخاري لحق الله والرحـــــــــــــــم

 

وعرج على ابنه فقال:

 

ثم ابنه أحمد الأتقى النقي فــــــلا      أتقى من أحمد في عُربٍ ولا عَجَم

 

وأردفه بابن محمدي، فقال:

 

والقدوة الصدر بدر الدين غُرَّتُنا     أعني مُحَمدٍ سامي القدر والهمـــــــــــــــــم

 

ويختمهم بالعلامة المقرئ عبد الرحمن بن الإمام، فيقول:

 

ثم الرضى عابد الرحمن بهجتنـــــــــا      مُستحْكِم العهد وافي الوعد والذمــــــم

 

وعبد الرحمن هذا أضافه ابن انبوج على ما ورد في حوليات تيشيت، وعلى ما ذكره ابن حامدن في موسوعته، وهو من أخواله البكريين.

 

وقد أفادتني الأخت العزيزة مريم بنت السبتي بعلمين جديدين هما: الشيخ بن حبت، والشيخ بن لبات بن أبنو، وقد أنشد مخاطبا لهذا الركب:

 

يا ركب بشراكم هذا شفيـــــــــــــــــعكم    غدا وهذا أبو بكر وذا عـــــــــــــــــــمر

 

وهذه الروضة الغناء دانـــــــــــــــــــــــــية    حيث النجاح وحيث يحمد السفر

 

أكرم بها روضة زهراء طيــــــــــــــــبة    تزورها زمر من بعــــــــــــــــــــــــدها زمر

 

لما رأى بصري ما أسمعت أذني   عنها تحاسد فيها السمع والبصر

 

إني استجرت بكم والمستجير بكم   ينمى له الفوز والمطلوب والظفر

 

فلهم الرحمة جميعا، ولمدينتهم الصبر والسلوان في أهل العلم والنزاهة، والكرم والشرف العالي، فقد أضفى شاعرنا سيدي عبد الله بن انبوج كل مكرمة من مكارم الحياة على أولئك، ولم يترك جميل خلق وعظيم خلق إلا ونعتهم به، مع عاطفة صادقة ولغة جميلة وفي قوالب ناضجة وضمن إقاعات مملوءة بالأحزان على ما ذهب من الأقران والخلان.