روندا.. من الأنقاض إلى الفضاء / محمد محمد علي

رُوَندا دولة أفريقية مزَّقتها الحرب الأهلية والإبادة الجماعية، وأنهكتها المجاعات والأوبئة والفساد، يتكون سكانها أساساً من قبيلتي الهوتو ذات الأغلبية (نحو 85%)، والتوتسي ذات الأقلية (نحو 10%)، وظلت المجموعتان تتعايشان سلميّاً لقرون، لكن الاستعمار البلجيكي عمل، مثل نظرائه، على تشجيع الصراعات العرقية، وتفضيل التوتسي ومَنْحهم امتيازات في جميع المجالات، فشعر الهوتو بالغبن وانتهزوا فرصة جلاء الاستعمار 1962 للانتقام من غرمائهم، فاندلعت نزاعات عنيفة تطوَّرت بمرور الزمن إلى حرب أهلية شاملة بدأت 1993، وبلغت ذروتها 1994 عندما شنَّ الهوتو حرباً لإبادة التوتسي.

 

ظل العالَم، لا سيما فرنسا، يتفرج على إبادة مليون إنسان وتهجير مليونين وتدمير البلاد التي تحولت إلى أنقاض، قبل أن تُحقق نهضة سريعة أذهلت العالَم، فما قصة نجاحها؟

 

العامل الأساسي ـ في نظري ـ هو القيادة الملهمة للرئيس بول كاغامي الذي تولى السلطة 2000، انطلق هذا القائد من مرتكزات أساسية معروفة عالمـيّاً كتِرياق لنهوض الدول بعد خرابها، هي: الأمن، والتطوير الاقتصادي، والحرية، وبناء الدولة، وأُدمجت هذه المرتكزات في استراتيجية شاملة لانتشال روندا من الدمار والنهوض بها.

 

وخلال 20 سنة فقط تحوَّلت الصراعات العرقية إلى تلاحُم اجتماعي، وانتشرت في البلاد روح التآزر المجتمعي، الذي يُسمَّى باللغة الروندية «أومينغاندا»، والذي يقضي بأن تسهم كل أسرة في خدمة المجتمع.

 

كرَّس كاغامي السنوات الأولى من حكمه لإرساء السلم المجتمعي، ووَضَع هدفين لتحقيق ذلك: توحيد الشعب والقضاء على الفقر. هدفان كبيران يُلخِّصان استراتيجية الإصلاح التي تجلّت في المصالحة الوطنية، وتجريم الخطاب العنصري، وإزالة المظالم بتعويض الضحايا، وإنهاء التهميش والإقصاء، وتطوير التعليم، ومحاربة الفساد، ونُفِّذت تلك الرؤى من خلال مفهوم جديد للهُوية والعقد الاجتماعي الذي أصبحت فيه المواطَنة وحدها أساس الهُوية.

 

وُضِعت عشرات الأهداف وصيغت في رؤية روندا لعام 2020 التي تَحقَّقت بالفعل، على نحو أذهل العالَم، إذ تضاعف دخل الفرد في 2015 ثلاثين مرة عما كان عليه قبل 20 سنة، وحققت البلاد نسبة نمو تجاوزت 8% سنة 2019، و8.2% عام 2020، وصُنِّفت ضمن الاقتصادات العشرة الأكثر نموّاً عام 2013.

 

وفي 2019 أطلقت روندا قمراً صناعيّاً لربط التعليم والقطاعات الحيوية بالإنترنت المجاني، فتصدَّرت أفريقيا في ميدان الثورة الرقمية، وأصبحت عاصمتها كيغالي من أجمل العواصم، وأكثرها أمناً!

 المصدر