سجال الأقطاب/الولي سيدي هيبه

الولي سيدي هيبه / كاتب صحفي ومحلل سياسي

في كل مرحلة من مراحل الاضطراب التي عاشتها البلاد منذ استقلالها،  كانت تظهر على حين غرة أقطاب ترتدي إزار “السياسية” و ما هي في حقيقة أمرها إلا إفرازات طفيلية ظلت تخرج من رحم ذلك الواقع المختل المستجد في حينه لتَزرعَ، باصطناع “شُبْهِ بُعْد” من السلطة و “زائِف قُرب” من المعارضة، الأشواكَ و ذرها في طريق التحول إلى دولة القانون تحت حكم الديمقراطية، حتى توالت الأحكام العسكرية لتفرز هي الأخرى و خلال تعاقبها نَوعية حُكمها “الهجين” بين العسكري والمدني بصبغات أيديولوجية مختلفة المشارب، متعارضة المقاصد، متناقضة التوجه بالتمالئ مع الحركات السياسية التي تنكرت جميعها و منذ ذلك الحين للـ”يسارية” و نكثت على نحو مشهود بعهودها الثورية و القومية و العقائدية، ثم انسجمت بعودة مقنعّة و بسرعة شبه آلية مع المُعطى الاجتماعي القبلي الإقطاعي الطبقي الشرائحي الإثني التي كانت تدعي رفضه و محاربته.

 

و منذ ذلك ترسخت عادة أن يكون لكل ضابط سامي، و وزير من حزب أو حلف، و وزير أول سابق أو لاحق قطبُه السياسي الذي يضم لأجل رسوخ قدمه السياسية الداعينَ و المؤيدين و المباركينَ و المتحالفينَ و الناشطينَ و المدافعين من جملة:

  • الوزراء السابقين و المزاولين، و
  • الأمناء العامين، و
  • الإداريين الكبار، و
  • الوجهاء المتقدمين على الخريطة القبلية و الجهوية و الإثنية و الشرائحية، و
  • المحسوبين على الثقافة العالية، و
  • الضباط المؤازرين، و
  • البرلمانيين بكل ثوب متاح، و
  • رؤساء المؤسسات ذات الوزن المالي والبشري و السياسي، في السياقات المختلفة، و
  • قادة الأحزاب السياسية “الثانوية” و “الطفيلية” و المعارضة المطاطة، و
  • مسيري منظمات المجتمع المدني الوهمية، و
  • الصحفيين من العموميين و في العراء الإعلامي الكبير، و
  • مسيري و مسيرات الصالونات التلميعية و التسويقية، و
  • شعراء و غاوي مرابد و أسواق الإنشاد؛

 

أقطاب “سياسوية” تتصارع على خلفيات و اعتبارات قبلية تارة، و جهوية تارة أخرى، و انتهازية غالبا تستقطب كل همزة و لُمزة و مشاء بنميم، و توظف كل الإمكانات التي تستبيحها مما يمكن الوصول إليه و الحصول عليه من المال العام بالتحايل و النهب و التواطؤ. و بالطبع فإن تركيبة هذه الأقطاب التي لا تملك في الغالب الأعم منطلقات وطنية راسخة و لا تستند إلى:

 

  • تقاليد متوارثة من التعاطي مع الشأن الوطني،
  • مواثيق و عهود و توافقات تفاهمية،
  • اهتمامات و تصورات و مناهج عملية،
  • قوالب فكرية ثابتة تستنبط منها آليات العمل الميداني و تستقي النظريات المرجعية،
  • مساطر أخلاقية ملزمة، موجهة و مقيدة،
  • و برامج عملية لاستمرارية الحفظ على الوطن في ثوابته و مقاصده التنموية و استقراره و ضمان تنافسيته في عصر أضحت عُملته الوحيدة هي العطاء العلمي،

 

وضعية تَجعلها غير مؤهلة للعمل خارج سياق المآرب الأنانية الضيقة و من بعدها الطوفان.

 

و يبقى المضحك المبكي فوق كل ذلك فقط أن الأفراد، الممسكين بآليات هذه الأقطاب الفوضوية بحسابات “سيباتية” متقنة ـ على هامش الإضرار التي يسببونها لـ”النهج السياسي” المفروض تأصيله على قواعد راسخة و صحيحة لضرورته القصوى في تقويم المسار إلى الدولة المستقرة العادلة ـ يتراضون في علن يفضحه سر اللعان الشديد بينهم و إن يوهموا بأن النضج و الوطنية يحركانهم و يسددان خطاهم، و يتناحرون في خفاء يفشيه نفاق الاسترضاء المفضوح الذي تحمله الطباع اللئيمة من المعدن الصدئ. ولكل جناح إلى ما يسعى ترسانته:

 

  • من المستنسخين على هلع و المحرفين بجرأة تجارب و خطب الآخرين للتمويه بالمصداقية،
  • و الإعلاميين من جملة المتملقة المأفونة الناطقة بلغة الخشب و مفردات التزلف و التحريض و التحريف،
  • و المتزلفة قَتَلَة لب “السياسة” في المظهر الخارجي الخائر إلى العمق الداخلي العفن بكل الأثواب القبلية و الطائفية و الشرائحية و الجهوية، حتى لكأن السياسة بفعل أغلب الفاعلين و المنخرطين فيها لا تعدو، بما يمارس تحت عنوانها من استهتار و استخفاف و تملق و انتهازية، سوى “مغسلة” بلا صابون و “مطبخا” في العراء “السيباتي” بكل التوابل الحارقة.. فإذن من الملام إن لم يكن .. وحده منطق الأشياء عند غالبية أهل البلد؟