الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله القائد الذي خسرناه …!!!/ محمد عبد الرحمن المجتبى

ارشيفية من النت

(قال لي محمد … وحدثني محمد .. وأخبرني محمد … وقلت لمحمد …

من محمد هذا سيادة الرئيس ؟ تقصد إبنك الشاب محمد …  هل له إطلاع على أمور الدولة وأسرارها ؟

يضحك … لا لا …  أقصد الضابط السامي محمد ولد عبد العزيز قائد الحرس الرئاسي الذي أشهد له بدماثة الأخلاق و أشهدك أنني أحبه محبتي لإبني محمد فهو مهذب جدا وتصرفه الطائش ضدي وضد الدستور والبلد لا يجعلني أنسى اخلاقه الرفيعة فأنا لا أتذكر أنه نظر في وجهي .. كان يقدرني كوالد وأنا أنظر له كما أنظر لإبني محمد تماما …)

مقطع من حديث جانبي مع الرئيس الراحل سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله بعد يومين من إخضاعه للاقامة الجبرية في قرية “لمدن”

————

محمد عبد الرحمن المجتبى /رئيس التحرير

لا شك أن فاجعة رحيل رئيس الجمهورية الأسبق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله تعتبر حدثا وطنيا محزنا لما للرجل من حضور طاغ في وجدان الشعب الموريتاني ،بمختلف أطيافه السياسية والاجتماعية ،  ناجم عن معدنه الاخلاقي الرفيع ، فالرجل يؤمن حقا بمقولته الشهيرة أنه لا يستطيع أن يترك الاخلاق مقابل السياسة ، وهو أول قائد يجاهر بالعمل على تفنيد تلك المقولة غير الاخلاقية بالقول والعمل

حكم الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله موريتانيا في ظرف استثنائي خاص أي  في عز ربيع ديمقراطي يعود الفضل فيه لمجموعة من الضباط على رأسهم الرئيس الراحل العقيد اعلي ولد محمد فال ، وبوصول الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله للسلطة دشنت موريتانيا فجرا باسما يشي مستقبل ديمقراطي وتنموي زاهر ، وكادت موريتانيا تتخلص من عقدة الانقلابات العسكرية بل كاد الانجاز الديمقراطي النشاز في عالمنا العربي والراقي بشهادة العالم بأسره – كاد_ يغسل درن الانقلابات والانتكاسات التنموية والسياسية التي عاشتها البلاد خلال العقود الماضية ، بل كادت موريتانيا تفرض حضورها في  الأروقة الدولية والاقليمية ، بحكم سياسات داخلية وخارجية مهدت لها المرحلة الانتقالية وباشرها الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله منذ لحظات استلامه للسلطة بكل صدق واخلاص وحكمة وروية ،

لكن يبدو أنه تجري الرياح بما  لا تشتهي السفن ويبدو أن  “حليمة تأبى إلا أن تعود لعادتها القديمة” ، ويبدو أن  من بين الضباط المساهمين في المرحلة الانتقالية من احتفظ بنسخة سرية من مفاتيح القصر الرئاسي ليتسلل مدعوما بكتيبة برلمانية آثمة ويسرق الحلم الديمقراطي والتنموي الذي بدأت مؤشرات تجسيده تلوح في الأفق المنظور

نعم حاول الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله رغم الاوضاع الصعبة والتحديات المحدقة أن يؤسس لنهضة تنموية واقتصادية شاملة ، ونجحت حكومة وزير الأول الأول السيد الزين ولد زيدان في معالجة الكثير من الملفات العالقة وتمكننت من رسم سياسات تنموية مقنعة للشركاء الدوليين الأمر الذي جعلها تحظى بتمويلات غير متوقعة ،من الشركاء الدوليين تشجيعا للمسار الديمقراطي الجديد في البلاد ، و تفاعلا مع نظام تمكن من تقديم ملفات مقنعة فنيا واقتصاديا ، الامر الذي يعني أن الحكومة كانت بالأساس حكومة خبراء وتكنوقراط تسعى لتحرير الاقتصاد الوطني من  آثام السياسات الارتجالية العبثية

بيد أن ولد الشيخ عبد الله رغم كل الجهود  المبذولة كان يتفرج على التجاذبات التي بدأت تطفو على سطح المشهد السياسي الوطني ، معتبرا أنها حالة صحية في الدول الديمقراطية ، وفشلت كل المحاولات التي بذلها البعض في اقناعه بالانتباه للوضع السياسي  في البلد ، كما تحفظ على كل النصائح الودية التي قدمت له لتحذيره من خطر الضباط المحيطين به  خاصة العقيد محمد ولد عبد العزيز الذي  فرض ترفيعه لرتبة جنرال

وقد  سألت الرئيس المرحوم سيدي ولد الشيخ عبد الله عن سبب تجاهله لتلك النصائح فقال لي أنه يتذكر جيدا أن اغلب من استقبلهم في مكتبه من الشخصيات الوطنية نصحوه بالحذر من الضابط محمد ولد عبد العزيز ، ومن بينهم من نصحه بإقالته أو تحويله للداخل او للخارج ، (ولكنني  – يقول الرئيس سيدي – كنت أنطلق من وجهة نظر أخرى هي أنني منذ عقدين من الزمن وأنا خارج البلد، وللاسف خلال هذه الفترة حدثت مهاترات وصراعات سياسية كبيرة بين النخب الوطنية ، وبالتالي قررت أن لا أعمل بنصيحة أي سياسي تستهدف سياسيا آخر ، ، وكذلك أي موظف سام للدولة ضد الاخر مع ثقتي في الجميع ، وكنت أيضا أدرك أن محمد ولد عبد العزيز مارس السياسة في المرحلة الانتقالية وقد يكون هناك بعض  الشخصيات لا يروق  لها  أو بينه معها خلافات ، وبالتالي لست مستعدا للدخول في مثل تلك المهاترات ، ولكن عندما تأكدت من نيته الخطيرة اتجاه حكمي قمت بفصله وإن كان الأمر متأخرا ولكنني فعلت …)

هكذا طغت أخلاق الرجل وشهامته وترفعه عن الأذى السياسي على حسه التحفظي الذي يجب أن يتحلى به كل قائد ، لم يقبل الرجل أن يقلب المجن لضابط يعترف له بدوره الهام في وصوله للسلطة ،

وعندما احتدمت الأزمة حاول معالجتها بالحال لا بالمقال ، لكن الرجل كان يتحدث بلغة لا يوجد مترجم لها في المشهد السياسي الوطني ، ويتعامل بأخلاق وأدبيات تكاد تكون انقرضت مع جيل التأسيس ، وكانت النتيجة أن فقدت مورتيانيا حلمها الزاهي ، و تلاشت أحلام التنمية والديمقراطية بعودة الانقلابات العسكرية الغبية للبلاد ، وهانحن اليوم نجني ثمار عشرية من العبث التنموي والسياسي والاقتصادي كادت تنسف كيان البلاد لو لم تدخل البلاد في مسار جديد منحها على الأقل فرصة لتنفس الصعداء و الأمل في الحلم من جديد في غد أفضل ، وإن كانت التحديات المحدقة تبعث على الكثير من التوجس من مآلات الماضي ، خاصة في وضعية “الصمت” السياسي والقضائي التي عرفها ملف التحقيق مع الرئيس السابق ورهطه ، ولعلها مناسبة مناسبة أن نؤكد هنا أن كل ما أقترفه المسيرون للمال العام خلال العشرية المنصرمة لا يمثل شيئا بالنسبة لجريمة نسف الحلم الديمقراطي بالاطاحة بأول مدني منتخب من خارج القصر ولعل الجرم الأكبر بالنسبة لي من نصيب ما عرف آنذاك “بالكتيبة البرلمانية”

رحم الله فقيد موريتانيا الرجل الصالح المتصالح رجل الدولة بامتياز رجل الدين والدنيا القائد الوطني الذي خسرناه سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله

 

حفظ الله البلاد والعباد

المصدر : الصدى الورقية الصادرة  بتاريخ 24 نوفمبر 2020