صراع على هوية وروح أميركا / د. جيمس زغبي

د. جيمس زغبي / رئيس المعهد العربي ـــ الأميركي في واشنطن

الجدل الدائر حول سياسة الولايات المتحدة المتعلقة بالهجرة هو أمر شخصي جدا بالنسبة إلي. انه يخص تاريخ عائلتي والمصاعب التي واجهتها لدى قدومها إلى أميركا. كما انه يتعلّق بمن نحن وما نطمح أن نكون عليه كمواطنين أميركيين.

ففي الأيام الأخيرة للإمبراطورية العثمانية ، أرسلت عائلة و الدي ، مثل كثير من العائلات من جبال لبنان، التي كانت تواجه مصاعب اقتصادية، ابنها الأكبر حبيب، الذي كان عمره 14 عاما، إلى الولايات المتحدة لبدء حياة جديدة وزراعة جذور، وتمهيد الطريق لبقية أفراد الأسرة للانضمام إليه.

وبعد بضع سنوات من مغادرة حبيب، واجهت العائلة ضغوطا متزايدة من الحرب العالمية المستعرة، واضطرت إلى مغادرة قريتها بحثا عن الأمان في وادي البقاع. وكانت الظروف سيئة، وأصيب جدي بالمرض وتوفي في المنفى وترك جدتي مع ستة أطفال، كان اكبرهم والدي جوزيف، الذي لم يكن قد تجاوز العشرين من عمره آنذاك.

انتهت الحرب، وعاد افراد الأسرة إلى قريتهم، وعلمت بعد وقت قصير أن حبيب فتح شركة صغيرة وطلب أن ينضموا إليه في أميركا. وبالفعل، حصلوا على تأشيرات وانطلقوا في رحلة شاقة إلى العالم الجديد.

اضطر والدي الى البقاء في مدينة مرسيليا، حيث أعطى تأشيرته إلى امرأة لبنانية كانت تسعى جاهدة للانضمام إلى عائلتها في الولايات المتحدة. وبينما كان يعتقد أنه يستطيع تقديم طلب والحصول على تأشيرة أخرى، أصيب بصدمة عندما اكتشف أن تأشيرات الدخول قد جمّدت للسوريين (حين كان يُطلق لقب «سوري» على اللبنانيين والسوريين آنذاك).

وفي عام 1920، كان الكونغرس الأميركي يخضع لسيطرة مجموعة من كارهي الاجانب الذين وصفوا السوريين بـ «الطفيليات». وقال أحد أعضاء مجلس الشيوخ: «نحن لسنا بحاجة إلى المزيد من القمامة السورية». وهكذا ظلت تأشيرات دخول السوريين وغيرها من «البلدان غير المرغوب فيها» مجمّدة منذ ما يقرب من ثلاثة عقود.

وفي مواجهة مستقبل مجهول وحيدا في فرنسا، تمكّن والدي من تأمين مقعد على متن سفينة متجهة إلى كندا. وعبر الحدود إلى الولايات المتحدة وعثر على عائلته في ولاية بنيويورك.

وعاش في خوف كمهاجر غير شرعي على مدى عقد كامل من الزمن، وأرغم أحيانا على الاختباء، حتى في منتصف عام 1930 حين استفاد من برنامج للعفو. وقد أصبح مواطنا أميركيا في عام 1942.

مسار عائلتي في العالم الجديد هو مثل مسار كثير من المهاجرين. وكثيرا ما أنظر إلى صورة جدتي وأطفالها السبعة عندما تجمّعوا لاستقبال والدي. لقد بدوا فخورين بعد عشر سنوات من الحرب، والخسارة، والمشقة التي كان عليهم تحمّلها، ادركوا أنهم بدأوا حياة جديدة معا.

من تلك المجموعة الصغيرة المؤلفة من ثمانية اشخاص، انبثقت أشياء عظيمة. وعبر ثلاثة أجيال من عائلة زغبي الاكبر قام افرادها بتأسيس العشرات من الشركات وخلقوا فرص العمل للمئات من زملائنا الأميركيين. ومنا الأطباء والمحامون والأساتذة والمسؤولون المنتخبون والمعينون وأعضاء في الجيش واجهزة تنفيذ القانون، وغيرهم ممن تميّزوا في أشكال أخرى من الخدمة الاجتماعية والعامة. وكلهم فخورون بالمساهمة في الحياة الأميركية.

باختصار، هذه هي قصتي. أنا ابن مهاجر غير شرعي من بلد ظل متعلقا به، وعضو في أسرة استفادت من قانون سمح بلمّ شمل العائلات.

وما هو مميز ـــ بالنسبة إلي ـــ في قصتنا، ليس فيه شيء مميز بالنسبة الى الآخرين، على الإطلاق. اذ يمكن لملايين الأميركيين أن يقولوا القصة نفسها لأنها قصة أميركا كلها. وهي عنوان هويتنا.

وبالنظر إلى هذا التاريخ الشخصي، فإنني أشعر بالاشمئزاز إزاء الطريقة التي حاول بها بعض الجمهوريين والرئيس ترامب إعادة صياغة شروط مناقشة مسألة الهجرة، ومن خلال ذلك، حاولوا تقويض قصتنا الأميركية. لقد أصبح «لمّ شمل العائلة» يسمى «الهجرة المتسلسلة». وهجرة «اليانصيب المتنوع» التي أتاحت فرصا للمهاجرين من البلدان التي كانت مستبعدة من نظام الحصص القديم الذي كان يحبذ شمال غرب أوروبا، اصبح الآن يوصف بأقذر الألفاظ (لدرجة أن رئيسنا وصفنا بـ «المهاجرين القادمين من البؤر القذرة»).

وهكذا، فإن هذه القضية الشخصية جدّا بالنسبة إليّ، ينبغي أن تكون كذلك لجميع الأميركيين. وأنا أنظر إلى الجمهوريين الذين يقودون الحملة ضد الهجرة والذين يعملون على إعادة صياغة النقاش الذي يصف المهاجرين واللاجئين بعبارات عنصرية مشينة، أرى أحفاد الألمان والأيرلنديين والإيطاليين واليهود، وكلهم كانوا ذات يوم ضحايا للتعصّب والعنصرية.

ومن المأساوي أن هذا الميل إلى نسيان تاريخنا، وقصص النجاح التي سطرناها في أميركا ثم محاولة إغلاق الباب واستبعاد أولئك الذين يسعون إلى الاستفادة من نفس الفرص التي استفاد منها أسلافنا، هو أيضا جزء من الرواية الاميركية.

ففي كل جيل، هناك صراع بين من يدعو الى الانفتاح ومن يطالب بالعزل. واليوم، فإن الصراع يدور على روح وهوية أميركا. ولا يسعنا أن نخسر في هذا الصراع.

 

المصدر