طفلة خيمة الوبر وتجربة الميكرفون الإذاعي / محمد المنى

محمد المنى / كاتب صحفي موريتاني مقيم في أبوظبي

كان للإذاعة الوطنية وما تبثه من أصوات لبعض المطربين (مثل سيداتي ولد آبه ومحجوبه بنت الميداح) والمذيعين (مثل بابا شياخ ومحمد محمود ولد ودادي)، دور مؤثر ورائد في ترسيخ كيان الدولة الوطنية الموريتانية وهي تخطو خطواتها الأولى وسط تشكك داخلي ورفض خارجي وحملات إعلامية إقليمية ضارية. وتعد الفقيدة الراحلة الناها سيدي، رحمها الله تعالى، ضمن الجيل الثاني من الإذاعيين الموريتانيين، إذ التحقت بالإذاعة الوطنية في أوائل الستينيات وتدربت على أيدي الجيل الذي سبقها مباشرة، فاكتسبت منهم الخبرة الفنية والقيم المهنية والمهارة السلوكية والنزعة الوطنية والمسحة الأخلاقية.

وبالنسبة لنا كجيل تفتحت مسامعه على صوت الناه القادم مع أمواج الأثير الإذاعي أواسط السبعينيات، ثم تابعها صورةً وصوتاً على الشاشة الصغيرة مع انطلاق بثها في أوائل الثمانينيات، يصعب أن نفصل هذا الاسم (الناها سيدي) عن ذكرياتنا الوطنية ومدركاتنا السياسية وتصوراتنا الفكرية.

وربما لهذا السبب حرصتُ شخصياً عند أول لقاء واقعي مع الناها، وكان ذلك في أبوظبي خلال مشاركتها في مؤتمر للمرأة العربية قبل حوالي عشرين عاماً من الآن، على تسجيل ونشر مقابلة صحفية تحدثتْ فيها للقراء عن تجربتها الطويلة مع الميكرفون الإذاعي. ولئن ضاعت مني هذه المقابلة المطولة (شريط التسجيل الأصلي والنسخة المنشورة في الجريدة)، فإني أتذكر مما ورد في تلك المقابلة الثمينة ما قالتْه من أنها تعلقت بالإذاعة وهي طفلة تعيش تحت خيمة الوبر في حي بدوي متنقل، متأثرة بوالدها، الرجل المتفتح والمتنور، والذي كان يملك جهازاً إذاعياً يتابع من خلاله برامج كل من الإذاعة الوطنية الموريتانية وإذاعتي «البي بي سي» و«صوت العرب». وعقب انتقال أسرتها إلى نواكشوط، ذهبت الناها بنفسها، بإذن وتشجيع من والدها، إلى «دار الإذاعة» حيث قدمت نفسها هناك، وكان كل شيء في حينه بسيطاً وبلا تعقيدات ولا حاجة بأحد للوساطة، فتم إخضاعها لاختبارين أحدهما في النحو وثانيهما في الإلقاء ونطق مخارج الحروف، فاجتازتهما دون صعوبة، لكنها كانت بحاجة للدعم والتدريب، وهو ما تكفل به مدير الإذاعة شخصياً المرحوم عبد الوهاب ولد الشيقر الذي تدين له الناها بالكثير وتنظر إليه باعتباره نموذجها الملهم والأكثر تأثيراً، إذ تقول عنه إنه كان شخصاً فذاً ونادر المثال في كفاءته وإخلاصه وتعدد مواهبه؛ فقد كان كاتباً وأديباً وصحفياً ومترجماً متمكناً وإدارياً كفؤا.

وتتحدث الناها عن أسفارها الخارجية ضمن الوفود الرئاسية، وتستفيض في ذكر مواقف وذكريات توضح أريحية المختار ولد داداه وتواضعه، إذ تذكر أنه كان يشارك أعضاء وفوده طعامهم ويرفض تمييزه عنهم، وكان يتفقد أحوالهم واحداً واحداً وكان يخفف عنهم عناء الأسفار الطويلة بمبادلتهم الأحاديث والطرائف والنوادر والنكت.. دون أن يقلل ذلك من وقاره وهيبته كزعيم وكرجل دولة.

 كما تتحدث عن كوماندوز «16 مارس» ودورها في إفشاله، حيث بقيت وقتاً طويلا تماطل في إذاعة بيان الانقلابيين في انتظار فتح إشارة الإرسال بإذن من المدير الفني للإذاعة، وعن المعركة التي دارت أمام أعينها بين العقيد أحمد سالم ولد سيدي والفرقة العسكرية التي جاءت لاعتقاله من أمام مبنى الإذاعة الوطنية.

 رحم الله رائدة الإذاعيات الموريتانيات، القادمة من خيمة الوبر، والتي شكلت بأدائها المميز ونبرة صوتها القوية الموحية، المخيال السياسي الوطني لأجيال من المواطنين الموريتانيين، كما كانت نموذجاً ملهماً لأجيال من الإعلاميين في الإذاعة والتلفزيون الموريتانيين.

 

نقلا عن صفحة الكاتب والاعلامي البارز محمد المنى